الحديث مع الإعلامي الكبير حمدي قنديل يلزمه احتشاد خاص، فأنت أمام كائن يتنفس السياسة ومعاركها، لكن في عيد ميلاده السبعين نحاول أن نسبر أغوار الجوانب الإنسانية في شخصيته، صحيح انه اصطادنا إلى بعض مواجعه السياسية، غير أننا نجحنا في اقتحام حياته الخاصة فكشف لنا منها بعض محطاته بكل حب وفرح.

ما دفعنا إلى محاورة حمدي قنديل ليس لأنه شخصية معروفة جديرة بالمتابعة، بل لأن سن السبعين يمثل في حياتنا العربية عمر التقاعد والاستقالة من حركة الحياة، بينما يقدم قنديل مسوغات تعيينه من جديد في ديوان الحياة، بل وجدناه ممهوراً بعشق الحياة بكل مفرداتها من الحب، والمرأة، والوطن والعمل والنضال.ـ ما الذي جال بخاطرك حين بلغت السبعين؟

ـ بدون تواضع مفتعل، سألت نفسي: ماذا حققت يا ترى بعد هذه السنين؟ وكانت إجابتي بدون مبالغة: «لقد سجلت أول حلقة في برنامج «مع حمدي قنديل» في قناة ءزش، وكان عمري يبلغ ستين عاماً، وأذكر أن بث هذه الحلقة كان قبل ظهور قناة الجزيرة بخمسة شهور، استطيع التفاخر بأنني كنت مثل رجال الصاعقة الذين يفكون الألغام خلف خطوط العدو.. والعدو هو المعروف باسم الرقيب.

استطعت أيضاً أن أرسخ مفهوم الإعلام باعتباره رسالة تستحق النضال والمجازفة، وأن الإعلام بمقدوره أن يكون صوت الجموع وأنين البسطاء المطحونين، هذا هو حصاد العمر الذي حدثت به نفسي، لكن أعترف أن الإحباط كان يداهمني من وقت لآخر في صيغة سؤال مؤرق: لقد عرضنا الحقائق وفتحنا الجروح لكن لماذا لا نجد ردة فعل أو صدى لما نقول؟

ـ هذا لا يمنع أنك لم تنج من إحساسك بالزمن ووطأته في هذه السن؟

ـ صدقني أنا لا أحتفل بعيد ميلادي، ولا أحفل بمعنى الزمن، أنا أعرف فقط أن عاماً مرّ في حياتي، ويحضرني في هذا السياق ما يقوم به الليبيون حين يحتفون بثورة الفاتح على سبيل المثال، الذي ينصب فقط على الاحتفال بقدوم عام جديد وليس بعام فائت،

لذلك أنتمي لهذا النوع من التعامل مع الزمن، من ناحية أخرى: لقد عشت حياتي مضروبة في اثنين أو ثلاثة، مارستها طولاً وعرضاً وبكل ما فيها من أحداث ومواقف وأفكار ومآزق، ومن ثم أشعر بأنني في منأى عن كابوس الزمن، فعمري مليء بالسفر والحركة والمغامرات الحياتية.

ـ هل ثمة أحلام مؤجلة في حياتك؟

ـ لم يعد لدي أحلام سوى الاستمرار في رسالتي والصمود في وجه التحديات والمضايقات.. لم يعد يتبقى الكثير من العمر لكي أحلم، فأنا أعيش ما أستطيع عمله، ومتصالح مع ذاتي تماماً، وغير مبال بأي شيء. لقد عملت في مجالات كثيرة في مصر وسوريا واتحاد إذاعات الدول العربية والصحافة، وعملت مستشاراً إعلامياً في عدد من الدول العربية، وقمت بالتدريس في عدة جامعات، كما أن عملي الحالي أعطاني الكثير والكثير فماذا أنتظر بعد؟

انتمائي لوطني لم يتزعزع رغم حبي لدبي

ـ دائماً في معظم أحاديثك تحكي عن إمارة دبي بكل حب، وهذا يجعلني أتساءل عن مفهوم الوطن والانتماء لديك؟

ـ شوف، الحرية هي وطني، وأي مكان يوفر هذا الشرط وكل المعطيات الآدمية يستحق أن يكون بين ضلوعي، وعلى فكرة محبة البلاد قرار يجمع في طرفيه العقل والقلب، ولو أردت أن أتحدث عن دبي يكفي أن تعرف أنني في الشهور الستة الأولى من عملي بتلفزيون دبي كنت أقتنص أي فرصة كل أسبوع لزيارة القاهرة لأنني أعتبر نفسي مجرد منتسب لمكان أعمل به،

لكن مع مرور الأيام توطدت علاقتي بدبي من حيث تواصلي مع الناس وأن نسيج البلد أفسح لي مكاناً محترماً في تلافيفه، واحتواني في نبضاته.. يكفي أن برنامجي لا يطلع عليه أحد إلا عند لحظة بثه فقط.. لذلك قررت أن أكون مقيماً هنا مع زوجتي الفنانة نجلاء فتحي، وأزور مصر على فترات أطول من السابق.

هذا لا يعني أن انتمائي لوطني قد تزعزع أو أصابه العطب.. لقد أعطاني الكثير في الماضي، لذلك أرثى لحاله وحال الناس الذين يفتقدون للنخوة الوطنية والجرأة المطلوبة والعزيمة الكافية.. خلاصة الأمر أنا رهن أي مكان يقدر حريتي واستقلالي وكرامتي، أما مصر فسوف تبقى العاطفة التي لا يساومني عليها أحد أبداً.

ـ الشاعر أحمد فؤاد نجم قال ذات مرة انه كان من الأفضل أن ينشئ مستوصفاً يعالج فيه الناس بدلاً من العمر الذي ضاع في الشعر والنضال وارتياد السجون.. هل خامرك هذا الشعور؟

ـ يأتي هذا الشعور أحياناً، لكنه إحساس ليس أصيلاً، فأحمد فؤاد نجم نظم قصيدة ساخرة فضائحية كعادته منذ فترة قصيرة، لماذا لم يفتح مستوصفاً كما يقول؟ إن الرسالة التي يرتضيها الإنسان لنفسه لا تغادره أبداً، لأنها تسري تحت جلده، وتجري في دمائه، البعض يرى أنني مثل دون كيشوت، حصاده الهباء، وآخرته عدم الجدوى، لكني أقول لهم: ولم لا؟ لابد من وجود دون كيشوت في حياتنا وعلى كل الصعد، حتى يبقى لدينا إنسان لا يتخلى عن الطُهر والنبل قدر الإمكان.

عشت لحظة الخوف في اليمن

ـ في حياة كل منا لحظات من الندم والخوف والفرح لا ينساها ولا تخونها الذاكرة أبداً لأنها مواقف مفصلية.

ـ لحظة الندم أعلنها أكثر من مرة، وأكررها دائماً لأنها وشمت ذاكرتي بالوجع، وهي قيامي بإجراء أحاديث مع المعتقلين من الإخوان المسلمين في عهد جمال عبدالناصر، ولقد كنت مدفوعاً برغبة السلطة في هذه الأحاديث، ولم أكن أدري ساعتها مدى فداحة أن تجري حواراً مع إنسان مسجون، صحيح ان معظمهم مدان بتهم حقيقية، لكني عرفت معنى أن يكون المرء محروماً من الحرية.

أما لحظة الخوف فحدثت عندما ذهبت كمراسل حربي مع القوات المصرية إلى اليمن، فتعرضنا في منطقة «صرواح» إلى قصف مدفعي مهول، ورغم إنني كنت في صحبة قائد القوات الفريق عبدالمحسن مرتجي، وواثق من وصول قوات نجدة،

إلا أنني خفت من ان تتسرب الحياة من عمري في هذه اللحظات العصيبة، وعن لحظة الفرح الاستثنائي في حياتي فهي تبوؤي منصب مدير إدارة التداول الحر للمعلومات وسياسات الاقتصاد باليونسكو عام 1977، لقد كانت لحظة انتشاء حقيقي وأنا أعمل في إدارة دولية مهمة، خاصة أن الأمم المتحدة آنذاك عاشت صراعاً من أجل تطوير الإعلام العالمي.. لقد تذوقت طعم الفرح والقلق أيضاً من أن أفشل في هذه المهمة.

أكثر اللحظات المهنية جرأة

ـ لقد مارست الجرأة في كل برامجك، هل لك أن تحدثنا عن لحظة شجاعة كدت أن تدفع ثمنها غالياً؟

ـ بالتأكيد، بالتأكيد.. حدث هذا مع خطاب التنحي للزعيم الراحل جمال عبدالناصر، يومها كنت مع المذيعة الراحلة همت مصطفى في التلفزيون المصري، وذهبت الكاميرات إلى منزل الرئيس، وكنا نتوقع خطاباً وطنياً موجهاً للأمة، لكن فوجئنا بالتنحي، أصبت بالدهشة والارتباك أنا وهمت مصطفى وسألتها ماذا نفعل؟..

وكان الاتفاق ان نطالب ببقائه في منصبه؟ أذعنا هذه الرغبة بعد خمس دقائق من خطاب الرئيس ـ دخل علينا بعدها مدير التلفزيون عبدالحميد يونس، وكانت ذراعه مكسورة، فتح علينا باب الاستديو مذعوراً وغاضباً قائلاً: ما هذه الفوضى؟! فهدده مدير الاستوديو صبحي عبدالسلام العيص بكسر ذراعه الأخرى تو اقترب من الاستديو.

الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل استدعانا محمد فايق وزير الإعلام لاتهامنا بإحداث الفوضى والخروج عن الخطوط الحمراء في وظيفتنا الإعلامية، ففتحت له نافذة مكتبه في الدور التاسع وقلت له: اسمع رأي الناس في تنحي عبدالناصر.. انه لحظة لا تنسى، ليس لجرأتي أنا وهمت مصطفى، بل لأن الوطن آنذاك كان يستاهل التضحية بكل الأثمان.

تزوجت ثلاثاً

ـ ما رأيك ان نبتعد قليلاً عن السياسة لنتعرف عن المرأة والحب في حياتك ما دام أطفأت شمعة السبعين عاماً؟

ـ كل ذكرياتي رائعة مع المرأة. لقد تزوجت ثلاث مرات، ولا أحاول تذكر النهايات المؤلمة في زيجاتي الأوليين، لأني مازلت صديقاً لهما ولكن في حدود أني رجل متزوج من ثالثة.

ـ هذا يجعلنا نسأل عن زواجك الثالث من الفنانة الكبيرة نجلاء فتحي.. خاصة إنها قالت في أحد حواراتها ان زواجها من حمدي قنديل أهم حدث في حياتها؟

ـ زواجي من نجلاء جاء في عمر النضج، بعيداً عن المشاعر الملتهبة والعواطف المتسرعة، لكن حبي لها محترم وهادئ وراسخ.

والحكاية بدأت عندما كنت في باريس أمارس عملي في اليونسكو كما ذكرت سابقاً واتخذت قراراً ان أعيش حياتي بكامل زخمها في المجتمع الجديد، وكنت أبتعد عن أي شيء يشدني إلى مصر من حيث العودة، لا من حيث العاطفة التي لا تنضب.

وفي أوائل التسعينات طلب مني الكاتب الراحل سعد الدين وهبة ان أعمل مسؤولاً إعلامياً عن مهرجان القاهرة السينمائي الذي كان يترأسه، وكنت أسمع عن الفنانة نجلاء فتحي وبنات جيلها مع ملاحظة ان الفضائيات لم تكن دخلت مصر في هذه الفترة.

عموماً، طلبت مني قناة مغربية أعمل مستشاراً إعلامياً لها، أن ترسل وفداً لمهرجان القاهرة لتغطيته، وطلبوا مني المساعدة في إجراء حوار مع النجمة نجلاء فتحي، كان هذا عام 1991، أي قبل زواجي منها بعدة شهور، أجري الحوار في منزل أختها، فذهبت للاطمئنان على سير العمل بوصفي مسؤول إعلامي للمحطة المغربية. تعرفت عليها بعدها في حفل عشاء أقامه زوج أختها.. وكان ما كان.

إمرأة «دوغري» تستوفي شرط الأنوثة

ـ ماذا وجدت في نجلاء فتحي وجذبك في شخصيتها؟

ـ يقول ضاحكاً ولمعة الشقاوة في عينيه: وجدتها امرأة جميلة مستوفية تماماً لشرط الأنوثة الذي لا غنى عنه لرجل مثلي، ما جذبني أيضاً أنها جذابة ومنطلقة وصريحة، وبها حيوية فائقة، ولا تعرف «الملاوعة» إنها امرأة «دوغري» عكس ما سمعت عن الوسط الفني..

أنا لا أقصد إهانة أحد، لكن هذا ما وجدته في نجلاء. أعجبني أيضاً، وهو مفاجأة لي، أنها تستيقظ مبكراً مثلي تماماً، فهي بعيدة عن السهرات والصخب والضجيج، ما عدا الأفراح التي أصبحنا نلبي معظم دعواتها بعد ارتباطنا.

ـ ماذا أضاف كل منكما للآخر بعد الزواج؟

ـ لم يشغلنا أن يؤثر كل منا في الآخر، إننا نعيش لحظة اكتفاء ببعضنا، بكل عيوبنا وأخطائنا وجنوننا أيضاً.. لكنها تعلمت الطبخ من أجلي، وتوقفت عن التمثيل في عز مجدها، ليس لأجلي فقط بل لإيمانها بإعطاء الفرصة للأجيال الجديدة. لكن أشد ما يسبب لي خليطاً من السعادة العارمة وقلة الحيلة قولها: «أريد أن أعيش حياتي وأنا متزوجة برجل مشهور»..

هذا الكلام يعني أن أقابل هذا العطاء الإنساني بما يستحقه، وهذا ما يربكني حقاً تجاه هذه المشاعر، لأني أخاف من عدم مقدرتي على تثمين هذا الحب الجارف. لذلك «يضحك» أتمنى أن تعود للعمل الذي انقطعت عنه منذ ست سنوات، حتى لا أواجه ضريبة انشغالي عنها بالعمل بمزيد من الأسئلة «إياها».

ـ بعد هذا العمر ماذا تبقى من صور الطفولة في ذاكرتك؟

ـ أذكر أن معظم الصور المعلقة على جدران البيت كانت لمشايخ بالقفطان والعمامة، رغم أن والدي لم يكن مغرقاً في التدين، بل ظل لسنوات في شبابه يعزف على العود، ولم يفرض لا هو ولا جدي الحجاب على العائلة، فالحجاب لم يكن مقياساً للتدين. أريد أن أقول انني تربيت واخوتي الأربعة وسط عائلة تميزت بحسن الخلق. لقد كانت أمي سيدة مثلها مثل سيدات الطبقة المتوسطة، أكملت نصف تعليمها، وكانت شخصية نافذة وذات ذكاء حاد. تفرغت لإعداد بيت مريح للزوج والأولاد.

ـ ما دور والدك في مسيرة حياتك؟

ـ لقد كان حريصاً على أن نقرأ كل يوم الصحيفة التي كان يقرأها «المصري»، وأن نستمع إلى بعض برامج الراديو الجذابة، ولا أقول الجادة. ولم يكن يسمح أن نفوت فرصة الاستماع إلى الحديث الإذاعي للكاتب الساخر فكري أباظة. وكان يحرص أيضاً أن نواظب على الذهاب إلى نادي «إعداد الجيل» مقابل منزلنا في مدينة طنطا. لكن يبدو أن والدي لم يكن مستريحاً لهذه الفكرة بعد علمه بإعجابي بفتى قيل عنه انه شيوعي بارز.

ولم أعرف بالضبط ما معنى شيوعي. لكن الفتى المسمى لطفي قطيم كان غامضاً، يغيب كثيراً ويظهر فجأة.. وعندما جاءت الشرطة السرية لاقتياده، سألته عن السبب فأجاب: لأنني أطالب بالمساواة بين الناس وأحارب الظلم. وعندما حكيت لوالدي ما حدث قال: لكن الإسلام ينادي بذلك منذ 1300 سنة، وطلب مني أن ألتحق بجمعية الشبان المسلمين كي أتعلم المزيد عن هذه الأفكار، لكني تعلمت هناك بعض الرياضات ونهم القراءة.

دورها في «الكراج» يشبهها في الحياة

ـ لدي سؤال حملني أحد أصدقائي أمانة توصيله لك وهو عن الفيلم الذي كلما شاهدته وجدت فيه شخصية نجلاء فتحي الحقيقية؟

ـ طبعاً.. ده سؤال كويس.. أنه فيلم «الكراج» الذي اعتبره صورة طبق الأصل من شخصية نجلاء الحقيقية.. لأنها تجسد دور امرأة بسيطة وهذا حقيقي، وامرأة مكافحة وهذا حقيقي، امرأة من عامة الناس وهذا أيضاً حقيقي.. وامرأة تفيض بالحيوية، وهذا يرجعنا إلى سؤالك السابق من حيث تأثيرها في حياتي.. لقد ملأت أيامي بالحيوية الفائقة، وأعادت شحن بطارياتي؟ وتولت بجدارة عمليات التشحيم والتزييت في حياتي.. إنها زوجة جميلة يعتمد عليها في الشدائد وحل المشاكل.

ـ الأديب الراحل يوسف إدريس كان يقول انه كلما كتب قصة قصيرة ناجحة ومحبوكة يكافئ نفسه بشراء علبة سجائر أجنبية وقميص جديد.. هل يحدث هذا معك بعد بعض الحلقات من برنامجك؟

ـ نعم توجد بعض الحلقات التي اشعر فيها بتوفيق كبير وسعادة أكبر فأقوم بشراء ربطة عنق أنيقة، هذا كان يحدث في الماضي، أما الآن ومع هذا العمر أكافئ نفسي بأن أذهب إلى مكان جميل استجم فيه واستمتع بمناظره.

ـ في الغرب يقولون: الحياة تبدأ بعد الستين، بينما العمر يتوقف عند العرب بعد الأربعين.. أي من الزمنين تنتمي إليه؟

ـ من هذا الناحية لا أعيش الزمن البيولوجي العربي، بمعنى أن حياتي ليس بها فواصل أو نقطة من أول السطر.. وأحيا بمقدار ما يستحق العمر من فرح ومتعة وعمل حتى النخاع والرمق الأخير.

مجدي أبوزيد