ليس سيرة فحسب، إنه البحث عن اللؤلؤ الذي تجوهر في دواخل الإنسان وهو يتوغل في البر والبحر، متقصياً ثماره الفريدة ومعلناً قدرته على الحياة مهما استبدت به القسوة، ومهما استعرت الشمس على جلده العاري في الظهيرة الحارقة. إنه بحث في ضروب الزمن، التماس للحكمة في الحروف التي نقشها أسلافنا عبر مكابداتهم وعذاباتهم وقوة الروح التي أبدوها وهم يقطفون لقمة العيش من أعماق البحر،
الحكمة التي نقصدها من عروق الزنود المتأهبة ومسامات الجلود المتقرحة التي أدارت ظهرها للعدم وعانقت الحياة بحلوها ومرها في اتساق إنساني عجيب وفي نشيد، يطلقه البحارة وتردده النساء على ضفاف الانتظار وهن يلوحن في رحلة الوداع وتهاليل العودة، حين يعود البحارة على سفائنهم متوجين بأكاليل الغار بسحنات متبدلة وأصابع مقشرة وعيون تلتمع كاللآلئ التي جنوها في رحلة الأعماق الموحشة.
هكذا نقترب من سيرة أسلافنا مرددين أغانيهم التي جسدوا بها المعنى الذي يكون عليه الإنسان في رحلة الحياة الصعبة، وعبروا عن الكينونة التي لاتستكين متسلحين بعين الصقر وهي تتوغل في الأقاصي لتنقض على جواهر البحر اللامعة.
إذن مانريد مقاربته بالكلام، كتبه أسلافنا بأرواحهم التي لاتقهر وعزيمتهم الجبارة، وهم يتنقلون هنا وهناك في عرض البحر وطوله، مزودين بالخبرة التي حازوها عبر روح المغامرة التي سكنتهم.
ولأن الغوص هو مهنة الحياة التي احترفها أجدادنا منذ آلاف السنين وعلى امتداد الساحل الإماراتي، طلباً للحياة الكريمة وبحثاً عن مصادر للثروة، حين ضاقت بهم السبل على الأرض.
هكذا نقشوا أسطورتهم، وأفرغوا ثمار البحر في سلال الأرض.
وهكذا نحاول أن نرفع معهم شراع سفنهم الميممة شطر البحث عن اللؤلؤ، بأهازيج الخطيفة« هي..هو..لو الهولو الهولو» مع قرع الطبول والطوس وضرب الأرجل على ظهر السفينة وصوت الأكف، مترنمين بأغاني النهام وهو يقرع على طبلته المتدلية من عنقه: هولو.. يا سيد المرسلينا.. هولو.. واشفع لنا..هولو.. في كل حينا. وبأغاني اليامال والخطفة والفجري وأغاني الزهيري والموال.
من هنا التقينا جمعة بن ثالث، مشرف التراث في قرية الغوص وهو أحد الذين استبد بهم عشق الغوص وضروبه، وهو يبحث هنا وهناك مستمعاً إلى حديث الرواة ومنقبا في المصادر والمراجع التاريخية، حتى رسم خريطة جديدة لمواقع الغوص القديمة بعد أن عاد إلى خريطة الشيخ مانع بن راشد آل مكتوم وقد استغرقه هذا الأمر أكثر من سنة وثمانية أشهر.
وراح يحدثنا بشغف شديد ومعرفة عميقة عن أصول الغوص وفنونه، وعن التنظيم الدقيق الذي كانت عليه الأمور في سفن الغوص وعن المراتبية الاجتماعية التي تشكلت عليها القيم ذلك الوقت، مؤكداً أن الغوص أثّر في مجمل الحياة الاجتماعية وتفصيلاتها في الزي والملبس والمسكن وفي الأفراح والأتراح وفي كل جانب من جوانب الحياة التي كانت تعتمد اعتماداً كلياً على الغوص.
ويقسم الغوص إلى عدة أنواع حسب الأهمية وحسب المدة الزمنية التي يستغرقها، وهذه الأنواع هي (غوص الصيف، غوص العود، الردة، الرديدة، القحة).
التحضير لرحلة الغوص
الإعداد لرحلة الغوص، يستغرق مدة لاتقل عن شهر، تبدأ حين يعلن النوخذة عن قيام رحلة غوص، حينها يتقدم الرجال للمشاركة في الرحلة، ويوقع معهم النوخذة « بروة»: وهو العقد الذي ينظم الحقوق بينهم، ثم يتحول المكان إلى حالة من الحركة الدائمة، حيث يبدأ الجميع بتجهيز احتياجاتهم الأساسية. وعند الانطلاق يرفع البحارة علماً أسود يسمونه( النوف) مؤذناً بانطلاق الرحلة، آنذاك يحتشد الناس كلهم صغيرهم وكبيرهم ملوحين بأياديهم مع الأدعية والتضرعات لعود ظافر، وسلامة مرجوة.
وعن مواسم الغوص يؤكد جمعة أن موسم الغوص يبدأ عادة في الوقت الذي تصبح فيه مياه الخليج دافئة، حيث تستغرق رحلة الغوص الكبير أربعة أشهر وعشرة أيام تبدأ من الشهر السادس وتنتهي في اليوم العاشر من الشهر العاشر، ويرى أن غوص الصيف يستمر من 3 - 4 شهور.
ويضيف أن طاقم الغوص يتألف من: ( لنوخذة) وهو ربان السفينة وقد يكون صاحبها أو يعمل لحساب غيره و(المجدمي) وهو الشخص الذي يتولى أمور المعيشة على ظهر السفينة من تجهيز للطعام وخلافه وهو أقرب البحارة إلى النوخذة، و( الغواص) الذي يعتبر العمود الفقري لرحلة الغوص، والغواص الماهر يتنافس عليه النواخذة، ثم (السيب) وهو معاون الغواص وهو الساحب الذي يجر حبال الغواص،
ويقوم بإنزاله وسحبه من المياه، ثم يأتي (التباب) وهم الذين يتدربون على الغوص وبعدها يأتي ( الرضيف) وهم صبية لاتزيد أعمارهم على 14 سنة يقومون بفتح المحار واستخراج اللؤلؤ منه، وهم ممنوعون من الكلام فيما بينهم أثناء العمل، كما يتم تعيين بعض الأشخاص لمراقبتهم، أثناء فلق المحار. وهنالك( الوليّد) و(السكوني) ماسك الدف، و(النهام) وهو المنشد الشعبي والمغني الذي يذكي العزائم ويستحث الهمم.
عملية الغوص
عملية الغوص، عملية يطلق عليها جمعة (قطعة من جهنم) لقسوتها وصعوبتها، فالغواص يقضي معظم الوقت منذ مطلع الفجر حتى المغيب في أعماق البحر، وهو ينقب بأصابعه ويديه عن المحار، والذي سرعان ما تبدأ عيناه بالتقرح، وهو لايتناول إلا وجبة واحدة مساء وبعد الانتهاء من جولات الغوص الشاقة، وربما يسمح له بتمرتين أو ثلاث أول الفجر، والسبب أنه إذا تناول وجبة أثناء النهار فستمنعه من الغوص،
ينزل الغواص من السفينة وهو يضع على أنفه(فطاماً) وهو يشبه الملقاط يمنع دخول الماء إلى الأنف، وعند نزوله إلى القاع يربط في إحدى رجليه الحصاة، وهي عبارة عن حجر أو رصاص، تساعد في إسراع غوصه وعند وصوله ينزعها من رجله فيسحبها السيب بواسطة حبيل يطلق عليه(الزيبن) ويصحب معه الغواص( الديين) وهو عبارة عن سلة مصنوعة من حبال (الكمبار) أو القطن، يعلقها على عنقه ليجمع فيها المحار، ويكون الغواص مربوطاً بحبل يسمى (الجداء) والسيب يمسك به من الماء عندما تصله الإشارة، ويقوم الغواص باقتلاع المحار ووضعه في الديين،
حيث يمشي علبى يديه في القاع تاركاً قدميه إلى أعلى وإذا شعر الغواص بضيق النفس أو امتلأ الديين بالمحار يهز الجداء برجله حتى يسحبه السيب، ولاتزيد فترة بقاء الغواص تحت الماء دقيقة أو دقيقتين، ويطلق على كل مرة ينزل فيها الغواص إلى القاع (تبة) وهناك العديد من الحالات التي كان ينقطع فيها نفس الغواص وهو في قاع البحر فيخرج وهو في غيبوبة تامة.
وكان الغواصون يتعرضون لمخاطر عدة مثل التيارات البحرية والأسماك المفترسة، وكان لابد من وجود الأدوية والعلاجات الشعبية من أعشاب وملح وقرض وحنة ووسم أو كي بالنار.
كانت رحلة الغوص رحلة قاسية، وإذا ما ابتلى الموت أحدهم، فإنه يدفن في أقرب جزيرة، أو يكفن وتتلى عليه الصلاة ثم يلقى بالبحر، إذا ما كانت السفن عائمة في عرض البحر.
السيب:
الشمس الحارقة ولهيب جهنم المسلط منذ طلوع الشمس حتى مغيبها، على ظهر(السيب) العاري، كان يجلد ظهره بسياط النار حتى يتقرح جلده ويتبدل عدة مرات خلال شهور الغوص والأكف التي تمسك حبال الغواصين كانت تنزف دما حتى يبين العظم من خلال اللحم،
كل ذلك دون أن تتمكن الآلام الشديدة، واللهيب الحارق من التأثير على تيقظ السيب وحساسيته الشديدة لارتعاشة الحبل وحركته، التي قد تكلف الغواص حياته إن غفل السيب لحظة واحدة، تلك هي قدرة السيب وجبروته في التسامي على الألم، والصبر أمام الشدائد، في تلك الرحلات التي قام بها أجدادنا بكامل عنفوانهم.
الماء هو أثمن شيء في البحر، هذا مايراه جمعة وهو يقول، كان أجدادنا لايستحمون طيلة وجودهم في رحلة الغوص، وإذا ما نفدت منهم مياه الشرب، كانوا يرفعون على مراكبهم علماً أبيض، حتى تراهم السفن التي تجوب البحر قرب سفن الغوص لتبيعهم المياه مقابل اللؤلؤ، وكان يطلق على تلك السفن (التشالات). وكانت تبيع إلى جانب الماء (الوجيد) من الرز والقهوة.
السردال:
وفي رحلة الغوص، ثمة قائد يطلق عليه اسم (السردال) ويرى جمعة أن هذه الكلمة فارسية مكونة من (سر - دال) وهي تعني الشخص الذي يدلهم في سيرهم، وكان من أعراف دبي أن لاتسمح لسفن الغوص العائدة من دخول الميناء، قبل عودة السردال والذي ينظم حركة السفن كلها، ويقودهم إلى المغاصات والهيرات وهي أماكن الغوص التي يتواجد فيها المحار، ومرتبة السردال، هي المرتبة الأعلى في طاقم الغوص كله.
قطعة من جهنم :
الغوص هو قطعة من جهنم، هذا ما قاله جمعة، وهذا ما تبدى لنا من خلال سرده لتفاصيل رحلة الغوص وعذاباتها وإخفاقاتها وانتصاراتها التي طالما ارتسمت على جباه صيادي الأعماق هؤلاء.
لكنها الكوة الحارقة التي عبرها أجدادنا كي يصنعوا جنتهم، ويرسموا أسطورتهم، من خلال مهنة الموت والحياة تلك، ومن خلال المغامرة التي قاموا بها في مجاهل الماء وأعماق البحار، متقلبين بين لهب الشمس وعتمة البحار ووحوشها، وبين غواية اللؤلؤ، وفتنته التي لاتقاوم. إنها متن الأهازيج القديمة، وسر البحر الذي جاهر به أسلافنا بكل هذا السطوع.
إسماعيل الرفاعي


