ما الذي يحيط بك؟ ما الذي تراه؟ كأنما سيرة الزمن القديم، تتفتق حجارتها بأريج الذاكرة الأولى، حين شكل أسلافنا عمرانهم من صلصال الحلم، وشيدوا منازل ما تزال آهلة بأنفاسهم.
كأنها امتداد الأرض، نباتاتها الحجرية التي أفرعت في حقول الأبد.
ومن أي التخوم يهب هذا النسيم، على مشابك البراجيل الشاهقة كقامات من نصبوها، ومضوا بأناشيدهم، حتى أطراف السماء، ولينسكب هذا الهبوب في ماء الغيم المقطر، ويتبرّد في لمة العائلة وأحاديث الظهيرة القائظة.وأي حنين تثيره حجارة البحر وطين الأرض المعجون بعرق الراحلين، الماثلين ها هنا، بعد أن دارت الأرض دورتها، فترك العابر ما يدل عليه، والزائل ما يشير إليه في حكاية، يتلوها الرواة، وينقشها من ألمّ به الحنين، إلى لحظة خالدة.
وهنا أنت، في تقاطع الأزمنة، في ثوابتها، في لحظة تنسل بها حكايا الطفولة من شقوق الجدران المائلة ومن النوافذ المشرعة على اتجاهات الأرض كلها، وهنا أصداء تهمس بأناشيد البحارة، لترسم صورة الحارة المطلة على الذاكرة، وقت كان فناء الدار مشرعاً على السماء والنوافذ مشرعة على البحر.
وما الذي يحدق بك، كأنما تتراءى لك وجوه غيبها الزمن وتشبث بها القلب، فتطل عليك في وحدتك، وتضمك إلى خفقة تعيد لك الإحساس بالرائحة الطيبة واللمسة الدافئة، مستظلاً بشجرة العائلة التي لا تزول، وبصوت عذب يهمس لك، تلوذ به من وحشة هذا العالم الصاخب، وأنتم هنا وهناك حين تنقلك رائحة الحجر العتيق إلى اللحظة الغائبة.وتحملك الأقواس المزخرفة بخيط الروح، إلى فراش طفولتك الوثير.
إسماعيل الرفاعي