في إحدى السنوات، اجتمع عدد من المثقفين في ندوة عن الجانب النفسي في الأدب الروائي والقصصي، وكان المحاضر عربياً حصل على شهاداته من إحدى الجامعات الأوروبية، وخلال المناقشات التي دارت في الندوة قال المحاضر إنه شخصياً يذهب إلى الطبيب النفسي كل ستة أشهر على أساس، حسب رأيه، ان كل إنسان لديه مخزون من النفايات النفسية التي يجب التخلص منها كل فترة،
ما يهمنا في هذا الموضوع هو أن معظم الحضور تهامسوا سخرية أو توجساً من عقلية الضيف الذي تجرأ على نفسه واعترف بالذهاب إلى الطبيب النفسي. ومنذ ذلك الوقت والسؤال لم يبرح ذاكرتي: إذا كان هذا هو حال المثقفين في نظرتهم للتعامل مع المعالج النفسي فما بالنا بالبسطاء؟
ثمة مشكلة نواجهها في مجتمعاتنا العربية وهي أن النظرة إلى مريض العيادات النفسية تملؤها الريبة والشك في القدرات العقلية للمريض، ما يدفع بالكثيرين إلى تجنب البوح بمشكلاتهم النفسية وحاجتهم لمراجعة الطبيب.
ومع محاولة تقصي تجليات هذه النظرة المتوجسة كان من الطبيعي أن نعرج قليلاً على الجوانب المحيطة بالطب النفسي وتطور علاقته بالإنسان وبيئته.
تعسف وظيفي
كلام مي سامح أوضح بجلاء خوف بعض الناس من التصريح بالذهاب إلى الطبيب النفسي، والأكثر فداحة أن هذا الخجل تحول لدى شيماء إلى خوف شديد، حيث قالت: بداية لن أسمح لك بتصويري، وسوف أكتفي أن أعطيك اسمي فقط، ولا تستغرب من ذلك، فأنا أبحث عن عمل منذ فترة، وقدمت أوراقي لأكثر من جهة ومازلت في انتظار الفرج المشكلة أنني تعرضت لظلم كبير في عملي السابق، وفصلت فصلاً تعسفياً،
وهذا الإحساس سبب لي بعض الأوجاع النفسية التي سرعان ما تحولت إلى قلق شديد حرمني من النوم، فضلاً عن رعشة في يدي، الأمر الذي جعلني، ألجأ إلى طبيبة نفسية لا تزال تعالجني دوائياً وشفاهياً.
وعندما سألت مي عن علاقة هذا الكلام برفضها إعطائي صورتها واسمها كاملاً، أجابت: «الظلم الذي تعرضت له في عملي السابق جعلني أفقد الثقة في أن ترى بعض جهات العمل صورتي بالجرائد مصادفة، فتشك في قدراتي العقلية والمهنية، سيما أنني متخصصة في مجال الدعاية والإعلان. ولا توجد ضمانات تحميني من هذه النظرة السلبية التي ربما تقلص فرص التحاقي بالعمل.
أماني الصوّة (مدرسة) أمسكت بالعصا من منتصفها حين قالت: «رغم أن الناس ينظرون إلى الطبيب النفسي بوصفه يعالج المجانين فقط، فإنني لا أخشى من البوح سواء باضطراباتي النفسية أو بعلاجي، شرط أن تكون المصارحة مع المقربين فقط، لأنهم سوف يكونون أكثر إحساساً بمتاعبي.
هناء عبد الفتاح فترى أن المشكلات النفسية يجب ألا تخرج عن نطاق الأسرة، لأن خروجها يفقدنا السيطرة على انتشار هذه النوعية من الأسرار الخاصة. وتضرب هناء مثالاً على ذلك فتقول: «تخيل معي لو أن أحد أفراد أسرة ما مصاب بمرض نفسي معين يحتاج إلى علاج بسيط، وانتشر الأمر إلى عدة أسر،
ما الذي يحدث لو كان لدى هذه الأسرة التي أقصدها فتاة في سن الزواج؟ هل تضمن لي عدم توجس من يريد التقدم لخطبة الفتاة من أن يكون المرض غير وراثي؟ أشك في ذلك لأن معظم الناس يجهلون أنواع الأمراض النفسية، ولا يفرقون إذا كان لهذا المرض أو ذاك عارض نتيجة لضغوط حياتية أو مواقف صادمة.
الفت الزكير (شرطة دبي) كانت حادة في توصيفها لمشاعر الناس تجاه حكاية الذهاب إلى طبيب نفسي، فقالت في تألم: «كثير من الأشخاص لا يعرفون الرحمة في التعامل مع من يرتادون أطباء نفسيين، منهم تارة ينظرون إليهم في سخرية،
وأخرى يتخوفون من التعامل معهم، وأنا شخصياً كانت لي صديقة تعالج من الاكتئاب، وكنت أذهب معها كأننا في طريقنا لمركز تسوق، لكن مجرد علم جيرانها بهذا الأمر دفعها في التفكير في ترك مسكنها بسبب الغمز واللمز الذي تتعرض إليه في بعض مناسبات لقائها بهم.
وأردفت الزكير: «للأسف الناس يتجاهلون أن الاضطرابات النفسية أصبحت مثل الصداع ووجع الأسنان من السهل الإصابة بها هذه الأيام، فضغوط الحياة كثيرة، ودرجات التحمل تختلف من شخص لآخر».
لم يكن في نيتنا ان نسعى لمعرفة آراء الأطفال بخصوص هذه الإشكالية، لكن عندما سنحت الفرصة لم نشأ تفويتها ليس بغرض الحصول على آراء جديدة، بل عن مدى وجود هذه المشكلة على أجندة مشاغلهم أو وعيهم بها.. وهذا ما حدث.
محمد سامح 14 سنة روى لنا حكاية أحد زملائه بالمدرسة حين عرف بعض الطلبة أن والد زميلهم يذهب الى الطبيب النفسي لمعالجته من أولى مراحل مرض الزهايمر، فبدأوا في معايرته بحالة والده، حتى انه اذا نسي أي شيء ينادونه بـ «المسطول ابن المسطول» وقد حاولت، كما يقول محمد، الاختصاصية الاجتماعية ان تتدخل لوقف تجاوزات زملاء الطالب، لكنها فشلت، حتى تم نقله الى مدرسة أخرى.
الطالبة «مي» بعمرها البالغ 11 عاماً بدا كلامها لا يختلف كثيراً عمّا رواه محمد، فهي تخاف في حال وجود حالة نفسية في أسرتها من البوح بها لأقرب صديقاتها، لأنها لا تأمن عدم استغلال ذلك ضدها اذا حدث أي خلاف مع صديقاتها وزميلاتها في المدرسة أو من أولاد الجيران.
وفي سياق مغاير يقول الدكتور محمد سامح أحمد اختصاصي الطب النفسي بمستشفى بلهول التخصصي: «أكثر الأمراض شيوعاً في مجتمع الإمارات هي الاكتئاب والقلق والإدمان على الكحول والمواد المخدرة، وربما يكون السبب في التطور المجتمعي السريع ان بعض الأشخاص لا يستطيعون التكيف مع هذه التحولات الكبيرة، فيصابون بالأرق والإحساس بالعجز للحاق بهذا التطور، فينكفئون على ذواتهم ويتقوقعون وينعزلون، فيجدون انفسهم منقادين لاضطرابات نفسية تحمل عنوان «الشعور بالدونية».
ويؤكد محمد سامح عدم وجود إحصائيات تعبر عن حقيقة المصابين باختلالات نفسية، لكنه يرى ان زيارة المترددين على العيادات طلباً للعلاج لا يعكس زيادة عدد المرض بقدر ما يعكس زيادة درجة الوعي، وإن كان يرى ان الرجل أكثر استجابة لزيارة الطبيب لقدرته على إعلان ذلك أمام أسرته، أما الزوجة فهي تحتاط من شيوع أمرها خوفاً من ارتباط الزوج بامرأة أخرى.
من هذه النقطة تحديداً تقول صالحة ذيبان مدير مستشفى الأمل بدبي، لأن الترفيه يعتبر أحد وسائل العلاج النفسي، فإن الرجل أكثر فوزاً بهذا الترفيه من المرأة التي تبقى أسيرة العادات والتقاليد وتقييد حركتها، وتوزع ذيبان الأمراض النفسية على الجنسين حين تؤكد ان الإناث اكثر تعرضاً لمرض الاكتئاب والوسواس القهري،
أما الفصام فهو لصيق بالرجال لأنهم يعيشون انشراخاً في شخصيتهم من حيث الهوس الجنسي وعلاقاتهم المرتبكة بالآخرين، خاصة لو كانوا من الأثرياء.. كما ان تدني المستوى الدراسي في ظل الطفرات التعليمية يصيب الرجل في مقتل بسبب شعوره بالدونية.
مجدي أبو زيد