لأنها فنانة مغموسة في اللون وتجليات المعنى، نجدها تشف بالحقيقي ولا تستسلم لضجيج القول عن سيرة المدن، فتفتح بوابات البصر على مصراعيها حتى تأتيها أمكنة محملة باشتعال الوجد، ولأنها لا تنقاد للغوايات الجاهزة والمنمقة بالمديح، نراها تنحاز لروحها حين تهمس بأرض دون غيرها.
وفاء خازندارسافرت لبلاد كثيرة، لكن قليلا منها أفلح في نحت نقوشه على ذاكرتها، وأثقل لوحاتها الوجدانية بكل ما هو باذخ ومشتهى.
في عام 1985 شدت رحالها إلى مصر حيث أقامت في فندق البارون المقابل لقصر البارون الذي تراه مبنى معتقاً في الخرافات والأساطير، ولا تتذكرخازندارماذا قيل لها عن هذا المكان، لكنه بالتأكيد مكتنف بالغموض الساحر، ومحرض على الفضول.
أما قلعة محمد علي فقد أهاجت ذاكرة وفاء، وفتحت لها من جديد كتب التاريخ حين هبت عليها رائحة الرطوبة المشبعة بصوت الزمن الغابر الذي كاد أن يهمس لها بحكاية الحصان الذي قفز من فوق هذا السور الشاهق المحيط بالقلعة، لتواصل وفاء بعدها تقليب أوراق التاريخ مع قلعة فلفلة وطوفان الآثار الفرعونية على ضوء القناديل الخافتة المليئة بالإيحاء.
كانت وفاء أسيرة للأفلام الأميركية حيث العنف والعصابات وصريخ السيارات، وإطلاق الرصاص، لكن عندما زارت الولايات المتحدة عام 1989 وجدت الحياة هادئة، فاكتشفت أن هذه الأفلام مجرد دعاية عن توافر القوة المفرطة في المجتمع الأميركي.
فهي دعاية للتخويف وليست للحقيقة الملموسة، لم تفوت وفاء فرصة مشاهدة مدينة ديزني لاند حيث تعرفت على فنون الخدع السينمائية وأساليب الإبهار عبر مشاهدتها تصوير فيلم Honey ishrank the kids.
أما متحف ميامي للأحياء المائية فقد أرعبها حين وقفت على سلم متحرك بشكل أفقي لتجد نفسها وجهاً لوجه أمام حوض به سمكة قرش مهولة.
وتعرجخازندارإلى ناسا وكالة الفضاء الأميركية في ولاية أورلاندو حيث دهشت لهذه الأجسام الحديدية الضخمة وكيف تحلق بهذا الحجم حول مدار الأرض، وعن الزمن الذي يعيشه رواد الفضاء بمنأى عن زمننا الطبيعي، لكن ما شد انتباهها هذا الطقس العجيب الذي يهزج بغرابة شديدة بين ارتفاع درجات الحرارة وغزارة المطر.
وأمام تمثال الحرية لم تجد وفاء نفسها متجاوبة مع المعنى الرمزي لهذا التمثال، ربما تكون السياسة وراء هذا الانطباع السلبي الذي طبع مشاعرها، فهو أصم وبارد ولا يشعرها بأي حميمية رغم عالمها التواق للأعمال الفنية.
وتأتي رومانيا بكل جراحها ووضعها المأزوم لتجد وفاء نفسها أمام مشاهد مؤلمة مثل الطوابير الطويلة لشراء أي سلعة حيث يقف الناس بالساعات للحصول على أدنى حاجاتهم، ناهينا عن كثرة انتشار الكلاب الضالة في الشوارع.
وكأن كل شيء في رومانيا يبحث عن ما يرمم به حياته اليومية، وتستغرب وفاء عن سر بقاء آثار الرصاص على قصر شاوسيسكو الذي أخرج منه لإعدامه وكأن الرومانيين أدمنوا عدم الخروج من ذاكرتهم المثخنة بالمتاعب.
شارع الشانزليزيه في فرنسا أحد الأماكن التي ترى وفاء أنها لا تليق بكل ما قيل عنه، وأن شهرته تفوق واقعه، لأنه يسبح في سيل من الكافتيريات ومحلات العطور ومستحضرات التجميل، فهو لا يختلف كثيراً عن شارع الرقة في دبي، حسب قولها.
ولقد كان من الطبيعي أن نسألها عن برج ايفل فأجابت بحسرة وضيق: «للأسف لم نتمكن من دخوله لوجود أعداد مهولة من الزوار ينتظرون دورهم، وكنت أحتاج ليومين كاملين حتى أحظى بمشاهدته من الداخل، لذلك تناسيت الموضوع نظراً لضيق الوقت».
وإذا كانت وفاءخازنداراستمتعت بزيارة المتحف الطبيعي في بريطانيا الذي ربما يحتاج إلى شهر للإلمام بكل تفاصيله، فإن سويسرا كانت الوجهة التي لن تنساها لآماد بعيدة.
كلمة السر لتهلل روحخازنداركانت سويسرا، هذا البلد الذي سطا على كامل كيانها، وعلمها المديح العالي للمدن المخملية، حيث تنسكب الألوان والوجوه والطبيعة من كل ناحية، حتى أن وفاء اكتشفت شاعريتها وشدوها الفني مع هذا البلد المتخم بالدهشة والروعة.
فها هو العنب المزروع على مدرجات غاية في التنسيق والاتقان، وتلك الكرنفالات المكتظة بتواليف عجيبة من الموسيقى والملابس الغرائبية، والرقص الهستيري، أما بحيرة لوزان التي كادت وفاء أن تتقشر على وقع مياهها الأسطورية، لتعود إلى البدء والبدائية وأبجديات السحر.
هذه البحيرة التي قالت عنها خازاندار: «لقد أحسست أن مياهها الفضية تخترق جسدي وتبلل روحي وترشي عيني بعشق سرمدي،لفني ضبابها واسكنني قلب الأبدية حيث دوخني السكون وشال عني عبء الحياة المضجرة».
ورغم أن السفر يعتبر لدى وفاء تجديدا للروح ووقودا للتزود بحب العالم، إلا أن ثمة مكان لا تزال تحلم به لتتغلب على ضراوة الخيبات التي تنهشها، إنه الجبل الذي تسعى لاعتلائه لتنعم فيه بالتأمل والاعتكاف، ومع ذلك تعترف في مرارة بأنه الحلم الذي لن يكتمل، والباب الذي يأبي الانغلاق، لتبقى الفنانة دائماً محاضرة بسؤال: «متى أنتهي من إنجاز ذاتي».


