شخصية مفعمة بالحياة تعرف كيف تقتنص الفرص لاستنشاق أريج الزهور في الواحات، وتعرف كيف تستمتع بجمال الطبيعة فتطبع لوحاتها في ذاكرة قوية تستحضر التفاصيل الصغيرة، وهبتها القراءة مفاتيح المدن فراحت تدق أبوابها وتستكشف الشوارع والوجوه.
ولا عجب أن تتوقف ملياً لترصد حركة الناس وتراقب عن كثب ما يفعلون، فهي خريجة علم الاجتماع، وإعلامية مثقفة متفتحة على آفاق رحبة تموج بجماليات الفن التشكيلي وعشق المسرح، وتمثل السياحة جانباً حيوياً في شخصيتها لالتقاط الأنفاس بعد فترة عمل لتعود من جديد بذهنية صافية، ولاكتساب خبرات ومعارف جديدة تضاف إلى رصيدها المعرفي والثقافي.
هكذا خرجنا بقراءة من حديث رولا نجم معدة البرامج في تلفزيون دبي وهي، قراءة تحيلنا إلى أهمية السفر كلما كانت الفرصة مواتية، «نحن جزء من عالم لا بد أن نتعرف عليه»، هذه عبارة تجسّد فيها رولا نجم فلسفتها السياحية، فمن أية تجربة تبلورت هذه الفلسفة؟
البدايات كانت من بيروت مسقط رأسها حيث تفتحت عيناها على طبيعة تستحق الاكتشاف، طفلة تأخذها قدماها إلى حيث الجمال، رحلات سرية تعدها بمثابة فتح شهية وتوطئة لرحلات أكبر وأبعد، فراحت تنظم الرحلات على زملاء وزميلات الدراسة لتطوف في أنحاء لبنان، تستحضر الماضي في رحاب المناطق الأثرية.
وتستنشق عبق الحاضر بين الخمائل والمزارع والحقول، ويظل المستقبل «في تلك الأيام» حلماً يكبر يوماً بعد يوم بزيارة إلى مدينة الضباب، لندن إحدى عواصم الفنون والمسارح.
لم يبق شبر في لبنان لم تطأه قدماها، فهي ترى أن السياحة لا بد أن تبدأ من الداخل ليتعرف المرء على بلده ويستمتع بطبيعته، وإلا كيف يستوي أن يفتخر الإنسان برحلاته حول العالم وهو لا يعرف شيئاً عن طبيعة بلاده وتاريخه.
أما الخروج من لبنان فقد كان إلى سوريا ثم إلى لندن الحلم المتجدد، غير أن مطار «هيثرو» صدمها بوجوه لأناس لم تتوقع أن تراهم بهذه الكثافة، ولم تتوقع في يوم من الأيام أن يجمعها بهم مكان واحد، وراحت تعمل عقلها في كيفية التصرف إذا ما حتمت الظروف أن تتعامل مع أحدهم، فهم مغتصبو الأرض وقاتلو الأطفال في الجنوب وفي فلسطين،
تبتسم رولا وهي تحكي تفاصيل هذه اللحظات التي وجدت نفسها فيها على المحك الحقيقي لاختيار الذات، فالمشاعر الوطنية داخل بلدك شيء، والتعامل مع الآخر في الخارج شيء آخر يتوقف على ثقافتك القومية وحنكتك في الخروج من المآزق الطارئة.
لكن صدمة مطار «هيثرو» لا شأن لها بانطباعات رولا عن المطارات التي مرت عليها، فكل المطارات متشابهة في نظرها من حيث وجوه المسافرين القلقة، أما من ناحية التسهيلات فيبقى مطار دبي هو الأقرب إلى نفسها وقلبها،
وما عدا ذلك فهي لا تهتم كثيراً بالواجهات الفخمة بقدر ما تهتم بسلوكيات البشر في أية مدينة تزورها، في الفنادق متوسطة الحال تستقر حقائبها، وإلى مسارح المدينة تكون وجهتها المسائية، أما فترات الصباح فهي للتجول في الشوارع، ترصد حركة العابرين، وتحادث الباعة المتجولين، تأكل الوجبات السريعة والشعبية من الباعة على نواصي الشوارع، وتكره الالتزام بالموائد الفخمة في المطاعم الشهيرة..
إذا أردت أن تستمتع بسياحة حقيقية فعليك بالاقتراب من الناس في المناطق الشعبية، فهي ترى أن مراكز المدن والمباني الفخمة والفنادق الشهيرة ما هي إلا نسخة تتكرر في كل المدن.
كان شعورها بزيارة لندن مزيجا من مداعبات الذاكرة الطفولية الحاملة وواقع الحلم الذي أصبح حقيقة، تتذكر كيف رسمت شوارع المدينة في مخيلتها وتطابق بين المخيلة وما تراه عيناها، استمتعت بفن المسرح، وحفلات الموسيقى، وتعتبر مسارح لندن من أهم المسارح في العالم بتقديمها أعمالاً في غاية الروعة، رولا نجم أحبت مدينة لندن، وتعترف بأن مدناً كثيرة لم تزرها بعد، ولكن إذا عرض عليها أحد اختيار مدينة لتزورها ستكون لندن بالتأكيد.
إلى مدينة صوفيا ببلغاريا كانت وجهة رولا نجم في رحلة سياحية جديدة، وراحت تمارس هوايتها بالسير في الشوارع والمناطق الشعبية، إلى أن وجدت نفسها في السوق الشعبي الذي أخذ من وقتها الكثير، تتجاذب أطراف الحديث مع الباعة وتتعرف عليهم وعلى ثقافتهم ومنتوجاتهم الشعبية،
والغريب أنهم راحوا يهدونها وابنتها هدايا تذكارية وهم عادة لا يفعلون ذلك على حد قولها، فهذه سيدة تعلق خرزة حول رقبة ابنتها لتحميها من الحسد، وأخرى تهديها صدفة بحرية للزينة وهكذا.
وتعلق رولا على مفهوم الحسد عند البلغاريين بأن التراث الإنساني متشابه إلى حد بعيد وإن اختلفت طرق التعامل مع الجزئيات، ومن يطوف العالم ويقترب من الأحياء الشعبية سيجد الكثير من الأشياء التي ستذكره حتماً بمشهد أو مثل أو مفهوم رآه أو سمعه في مكان ما، ربما في قريته أو في مدينة زارها من قبل.
في منطقة شعبية توقّفت رولا أمام مجموعة من الرسامين يفترشون الأرصفة عارضين أعمالهم، ومنهم من هو منهمك في رسم لوحة جديدة. أعجبتها لوحات أحد الرسامين الذي يجسّد الشخصيات في الأعمال الروائية، وتوقفت ملياً أمام لوحة «دون كيشوت» ولوحات أخرى مستوحاة من مشاهد وصفية للأمكنة في الأعمال الأدبية، غير أن الذي لفت انتباهها هو عشق البلغاريين للكلاب وللحيوانات بشكل عام، فلا أحد يضربها أو يطاردها.
وتتناول رولا نجم الفرق بين الإنسان العربي والأوروبي والتعاملات الإنسانية، مؤكدة على خصوصية العربي وتفرده بالنواحي العاطفية في شخصيته، وتحكي قصة مرض صديقة كانت تقيم معها في أحد فنادق سويسرا، هاتفتها الصديقة من غرفتها في الثالثة صباحاً وهي تشتكي من الآلام، فهرعت إليها رولا وهي ترتدي ما صادفها من ملابس،
ثم قامت بالاتصال بصديقة لها سويسرية حتى ترشدهما إلى أقرب مستشفى، وتأخرت السويسرية إلى أن جاءت بعد فترة وهي في كامل زينتها مرتدية ملابس الخروج، وتستفسر في برود شديد عن أهمية الذهاب إلى المستشفى، هذه الواقعة تحكيها رولا بغيظ شديد وكأنها تحدث معها الآن.
رولا نجم قارئة من طرز فريد، تستهويها الأعمال المسرحية والروائية، وتختار زيارة المدن عن طريق قراءاتها المتواصلة، قرأت أعمال ميلاد كونديرا وتعلقت بها، وأحبت مدينة براغ من وصف كونديرا لها في أعمالها الروائية، لتظل «براغ» مدينة تحلم بزيارتها لترى شوارعها وأزقّتها وحواريها التي وصفها كونديرا،
أما البلد الآخر الذي أعجبت به وتتمنى زيارته فهي مملكة «بوتان» التي قرأت عن سلوكيات شعبها المبتسم دائماً، وتبقى أيضاً بلدان أميركا اللاتينية بطبيعتها الخلابة ومدنها الرائعة تشكل هاجساً للزيارة على أجندة رولا السياحية.
وعن استعداداتها للسفر والأشياء التي تحرص أن تكون في حقيبتها تؤكد رولا على أهمية الكتاب في المقام الأول، فهو الذي يشغلها طوال رحلة الطيران، وتكتفي بحقيبة صغيرة تتسع للأشياء الضرورية فقط، أما الملابس فتشتريها من المدينة التي تذهب إليها،
وتضع في حساباتها أن مشترياتها كثيرة فتفضل الذهاب خفيفة لتكون العودة محملة بالهدايا التذكارية والملابس والكتب والتحف النادرة، وعن الأشياء التي جاءت بها من لندن، فقد تصدرتها الكتب بعناوينها المختلفة، منها كتب وقصص لابنتها الصغيرة، إضافة إلى الإكسسوارات والتحف الصغيرة التي تجسّد معالم مدينة لندن،
أما الشيء الذي اشترته بكميات كبيرة من مدينة صوفيا فهو العسل والفخاريات، تضحك رولا وهي تعدد مزايا العسل البلغاري من حيث الجودة ورخص سعره، أما الفخاريات فهي جميلة ومزركشة بطريقة فنية رائعة تجبرك على اقتنائها ووضعها في بيتك،
غير أن المشتريات من التحف والإكسسوارات لا تذكرها بالمدن بقدر ما تذكرها الصور، ففي الصورة ترى نفسها من جديد في الأمكنة التي زارتها، وتعيش اللحظات وكأنها تقف هناك، حيث الوجوه والشوارع والأزقة.
عزالدين الأسواني



