الجفير، المكبة، المزماه، المخرافة، القفّة، أسماء لأشياء قد لا يعرفها الجيل الجديد، وإن عرفها فهو لا شك لا يتعاطى معها خاصة وأن التقنية الحديثة زودته بآخر صيحات التجديد في كل شيء.

ومع انحيازنا لمفردات الزمن الجميل، نستحضر كيف كان الأولون يسيرون أعمالهم مستخدمين أدوات صنعتها أيديهم من المواد الطبيعية حولهم، وكيف أنهم سخروا مقولة «ان الحاجة أم الاختراع» متشبثين بأطراف خيوط مهن في طريقها إلى الانقراض.

نعم قد يسخر البعض الآن من رؤية شخص يحرك الهواء بالمهفة في لحظات القيظ، وقد يضحك إن رأى إحدى السيدات تحمل «قفة» على رأسها، لكن هل فكر للحظة كيف كان أجداده يتعايشون مع الطبيعة من دون أجهزة تكييف مثلا؟ وبماذا كانوا يفترشون الأرض، وكيف يحفظون الطعام بعيداً عن الأتربة والذباب؟

أسئلة كثيرة تجيب عليها مهنة «السفافة» أو أشغال الخوص التي تقوم بها النساء، فلا يكاد يخلو بيت ـ قديماً ـ من هذه المشغولات حتى تستقيم الحياة المعيشية، بدءا من الحصير على أرضية الغرف، وانتهاء بألعاب الأطفال.

كل شيء كان في متناول اليد مادام سعف النخيل مظللا البيوت والمزارع، فقليل منه يتحول في لحظات بين الأيادي الماهرة إلى «مكبة» يغطى بها الطعام، أو «مخرافة» لجمع الرطب، أو لعبة على هيئة جمل أو حصان ترضي طفلا باكياً.

في ركن صغير تجلس مريم علي أحمد منهمكة مع ضفيرتها، ترسل نظرة بين الحين والآخر لترى ما أنجزت يداها، تستعين بخوصة حمراء تزين بها جزءا من الضفيرة، ثم خوصة أخرى خضراء تلحقها بسابقتها بمهارة تدهش من يراها.

عجيبة سرعة أنامل مريم وهي تدخل الخوصة وتخرجه بحركة أفقية، لتزداد الضفيرة طولا، نستوقفها باستفسار عن الخوص الملون، وكيف تختار مواضعه، تضحك معاودة عملها مستندة إلى الخبرة الطويلة التي اكتسبتها.

أي فنان تشكيلي بارع يسكن رأس مريم الأم والجدة؟ وأية بساطة تلك التي تنجز مشغولات تناثرت فيها الألوان بكل عناية ودقة؟ أسئلة عقيمة ولا معنى لها عند مريم، لكنها لا تخفي سعادتها كوننا تذكرنا خوصها المتناثر حولها على هيئة مشغولات قيمة،

هذه «القفة» للفواكه، وأحيانا نستعملها للحفاظ على أدوات الخياطة، تمسك بأخرى كبيرة وتضعها على رأسها، هذه القفة نستخدمها عندما نذهب إلى السوق، نضع فيها مشترياتنا من الفواكه والخضروات.

وهذه يا الوالدة؟ هذي «قفة» صغيرة بعلاّقة، نستخدمها لتوزيع الحلوى في الأفراح والمناسبات، ولا تزال مطلوبة حتى الآن، و«هذي» «مهفة» ـ نهف بها على وجوهنا في أيام الصيف، نصنعها من الخوص اللين ـ قلب النخلة ـ ونختار لها ألوانا زاهية، والألوان هي صبغة نشتريها من المحلات في المدن، وقديما كانت تأتينا من الهند مع التجار.

وتستنكر مريم أن تتحول هذه المشغولات إلى شيء تراثي يستخدم في الزينة فقط، وأن تفرغ من مضامينها، مؤكدة على عدم وجود بدائل لهذه الصناعة إلا أن نركض خلف ما يأتينا من خارج البلاد، رغم ان الأجانب تستهويهم هذه المشغولات ويقبلون عليها بشكل ملحوظ، وتستشهد مريم بمشاركتها في معارض أقامتها الدولة في تركمانستان وعشق آباد،

ولاحظت اعجاب الناس هناك وتهافتهم على الشراء، أما هنا فلا تزال المدارس تشكل مصدرا مهما لمبيعاتها إضافة إلى حرص البعض على تزيين بيوتهم بهذه المنتوجات اليدوية.

وتتمسك مريم بمهنتها حتى آخر لحظة من عمرها، رغم كل المتغيرات من حولها. تشعر بمتعة لا توصف وهي تمارس عملا درجت على ممارسته منذ طفولتها، مدفوعة بوفائها للأيام الخوالي، وربما هو الحنين لذكريات الأمس الدفينة، تستنطق ضفيرتها على خلفية بكاء طفلها الأول، أو تستحضر أول زركشة أضافتها على «مزماه» صغيرة.

«السفافة».. مهنة مارستها النساء منذ القدم، لا فرق إن كانت موظفة لغرض البيع والشراء أو لسد احتياجات البيت، المهم أنها مهنة لا تزال تقاوم التيار التغريبي بكل معطياته.

«المكبة»، «المخرافة»، «القفة»، لوحات في غاية الجمال تعيدك إلى هناك، حيث الجدات والأمهات منشغلات بإعداد الصبغة الحمراء والخضراء، يجمعن الخوص الملون كل لون على حدة، يصنعن حصيرة جديدة فقد اهترأت القديمة ولم تعد صالحة لاستقبال الضيوف.

«السفافة» آخر معقل لمشغولات الخوص، لا تزال تقاوم المنتوجات البلاستيكية والزجاجية، مدعومة بسحرها الخاص وتشكيلاتها المتنوعة، لكن إلى أي مدى يا ترى ستصمد في وجه المستجدات، خصوصا وأن بنات اليوم لم تكلف إحداهن نفسها عناء تعلمها حتى ولو على سبيل الهواية ؟