عندما حصل محمد حسن المرزوقي على دبلوم الهندسة الإلكترونية من فرنسا عام 1993، وعاد إلى أرض الوطن التحق ثانية في عمله بالقوات المسلحة والذي تركه مؤقتاً بسبب الدراسة في الخارج، وفي الجيش حيث قضى سنوات طويلة من عمره تعلم النظام والالتزام والانضباط، والدقة في المواعيد،

وقبل ذلك بكثير وأثناء طفولته تأثر كثيراً بوالده الذي كان يتعامل مع عائلته بطريقة لم تعتدها البيوت الإماراتية، سواء كان ذلك في آداب المائدة والأكل بالشوكة والسكين، أو في استقبال الضيوف والتعامل معهم وتقديم الطعام والمشروبات لهم، أو في طرق الحديث والإنصات وغيرها من أساليب التعامل التي نقلها الأب من الأجانب الذين كان يعمل معهم في البنك البريطاني.

وكلما خرج مع والده في أحد الأماكن وبعد عودته إلى المنزل يبدأ والده في تصحيح بعض السلوكيات الخاطئة التي ارتكبها أثناء تعامله مع الآخرين، فنشأ محمد المرزوقي على قواعد معينة خاصة بالتعامل مع الناس سواء في المنزل أو المجتمع تعتمد على الثقافة الإنسانية الشاملة والمتعارف عليها في شتى أنحاء العالم،

ولم يكن محمد المرزوقي يعتقد انه سيصبح ذات يوم مدرباً لفن الاتيكيت والبرتوكول، لكنه أصبح كذلك بالمصادفة عندما دخل أحد المطاعم في دولة غربية واصطدمت عيناه بلافتة كتب عليها (ممنوع دخول العرب) مما أثار استياءه وفضوله،

ومنذ ذلك الوقت، سعى إلى تعلم هذا الفن كي يعلمه لأبناء وطنه خاصة وأن ديننا الإسلامي الحنيف حثنا على آداب التعامل والسلوك وهو أول من علم البشرية فن الاتيكيت، ويعتبر المرزوقي الآن أول خبير إماراتي يمارس تدريب هذا الفن.

ممنوع دخول العرب

التعبير الذي أثار استياء المرزوقي وجعله يشعر بالإهانة، فصمم على الالتقاء بصاحب المطعم كي يعرف منه السبب الحقيقي وراء تعليقه لتلك اللافتة المهينة وبدأ الرجل حديثه باقتناع تام لما قرره من عدم دخول العرب لمطعمه الشهير والذي يرتاده صفوة البشر،

وطلب المرزوقي منه أن يقنعه بوجهة نظره، فقال له صاحب المطعم إنّ لمطعمي الراقي نظاماً معيناً وهو مفروض على الزبائن الذين يرتادوه، فمثلاً تتكون الصالة من طاولات تتسع كل واحدة منها لتسعة أشخاص، فيأتي العرب وهم أكثر من هذا العدد بكثير وبدلا من أن يجلسوا في طاولتين منفصلتين يضمون الطاولتين مع الكراسي رغم رفضنا لهذا الأسلوب،

وكثيرا ما يأتي إلى الندلاء الذين يقدمون الطعام وهم يخبرونني بأن هناك مشكلة ما في المطعم، وعلى أن أتي لحلها، وعندما أذهب إلى أصحاب المشكلة أجدهم من العرب، وعندما أقترب منهم لمعرفة الشيء الذي يكدر صفوهم وجعل أصواتهم ترتفع، أجد انه لا يوجد مشكلة بل أنهم يتحدثون بشكل عادي، وعرفت فيما بعد أنهم اعتادوا على الحديث بصوت مرتفع وهذا كان يكدر الزبائن.

البداية كانت هواية

يواصل المرزوقي شعرت بالأسى لأنني أعرف جيداً أن العرب طيبون ومسالمون لكنهم اعتادوا على التعامل بفطرتهم، حتى أنني بعد أن بدأت في التدريب و تعليمهم كيفية التصرف في المجتمعات وجدتهم ينفون تماماً الأسلوب الذين كانوا يفعلونه لائقاً أم لا،

وكنت أعرف أن هذا الأسلوب خاطئ من والدي الذي كان يأخذنا ونحن صغار إلى المطاعم في دبي ويعلمنا كيف نأكل بالشوكة والسكين وكيف نتصرف إذا أردنا الامتناع عن الطعام وكيف نتصرف إزاء الطعام الذي يمكن أن يعلق بأسناننا، وكان والدي يصر على اصطحابي لمجالس الكبار حتى يعلمني كيفية التعامل مع من هم أكبر مني سناً وكيف أكون هادئا وملتزما بل ومؤدبا،

ووجدت أن ثقافة الاتيكيت التي تسود العائلة هي سلوكيات اكتسبناها من الوالد، الذي تأثرت به كثيراً و رافقته في كل مكان يذهب إليه بحكم أنني أكبر أولاده، ولم أكتف بشهادتي الهندسية وقررت الحصول على شهادة أكاديمية في فن العلاقات العامة والاتيكيت،

وكان لي ما أردت بعد دراستي في المعهد الفني في البحرين عام 1997، ثم بدأت تطوير مهاراتي العملية من خلال دورات تدريبية مع خبراء ومستشارين أساتذته في هذا المجال، ورغم ما أفعله إلا أنني لم أضع في خاطري أن أدرس هذا الفن عمليا، رغم حبي لتنظيم المؤتمرات ومشاركتي في جمعية العلاقات العامة في جامعة الإمارات، حيث شاركت في تنظيم العديد من المؤتمرات الطلابية،

وواصلت سعيي وراء تعلم المزيد في هذا المجال، ولم أترك مؤتمرا أو دراسة إلا والتحقت بها على نفقتي الخاصة، ثم بدأت الاحتراف منذ ثلاث سنوات تقريبا، من خلال إلقاء المحاضرات وتنظيم المؤتمرات والدورات، وكمرافق لوزير أو شخصية عامة، حتى أن الضيوف أصبحوا يطلبونني فيما بعد.

الاتيكيت بين الزوجين

ويؤكد المرزوقي أن الاتيكيت هو فن ينظم جميع العلاقات الإنسانية، وقد يعتقد البعض بالخطأ أن العلاقة الزوجية لا تحتاج لمثل هذا الأسلوب في التعامل بحجة أن السلوك المجتمعي فقط هو الذي يحتاج لنظام معين، ولكنني أقول أننا أذا قابلنا شخصا ما لمرة واحدة فأننا نتفنن كيف يبدو سلوكنا لائقاً أمامه،

فما بالنا بشخص نعيش معه طوال الوقت، لذلك فمن الأولى ان يتعامل الزوجان داخل المنزل بأسلوب يقوم على الاحترام والمودة وبشاشة الوجه وهذا ما حثنا عليه الإسلام،

وقد يعتقد البعض أن الاتيكيت يتعلق فقط بكيفية ترتب المائدة وكيفية الأكل، إلا أنه يتناول جميع السلوكيات التي نتعامل بها في المجتمع من خلال اللقاءات والولائم والأفراح ودعوات الطعام وغيرها، والاتيكيت عامة يختلف حسب ثقافة الشعوب فما يعتبره البعض سلوكاً حسناً قد يعتبره الآخرون سلوكا مستهجنا حسب ثقافة شعبة، إلا أن هناك قواعد ثابتة دولية متعارف عليها في العالم كله.

محمد حسن المرزوقي هو الخبير المواطن الأول في مجال الاتيكيت والبروتوكول وهو أحد أهم المدربين الذين يقيمون الدورات التدريبية في مجال العلاقات العامة وفن المراسم وأصول البروتوكول التي تهدف إلى إكساب المشاركين المعارف المرتبطة بتلك الفنون وتنمية مهاراتهم لممارستها وفقا للمداخل الحديثة في هذا المجال بكفاءة وفاعلية.

موهبة كسب الآخرين

ومنذ أكثر من 16 سنة جمعت الصداقة القوية بين المرزوقي وحامد الجفري الموظف في القوات المسلحة والذي يقول عنه، صداقتي بالمرزوقي ممتدة منذ أن كان موظفاً في القوات المسلحة وجمعنا العمل سويا، ثم استمرت بعد ذلك حتى وبعد أن تخصص في التدريب،

وغالباً ألجأ إليه لاستشارته في بعض القضايا والمسائل التي أرغب في أن أجد لها حلولاً مناسبة، فلديه قدرة فائقة على تبسيط الأمور، ومواجهة الصعاب بصبر، فمنذ البداية شعرت بأنه صاحب شخصية قيادية، يتقن عملة حد التميز، ولدية قدرة فائقة على اكتساب ثقة الآخرين ونيل حبهم واحترامهم له والتواصل معهم بسهولة.

وعندما كنّا نعمل سوية في الجيش كانت تبدو لنا الأمور صعبة من حيث تلقي الأوامر العسكرية وتنفيذها دون مناقشة إلا أننا عندما نتذكر ذلك الآن نضحك ونعتبرها من أحلي أيامنا على الإطلاق.

ويقول عنه صديقه طارق إبراهيم عياش مدير مركز البرامج الخاصة والتعليم المستمر في جامعة الإمارات فرع أبوظبي عرفته للمرة الأولى عندما كان مشاركا في احد البرامج التدريبية للعلاقات العامة خاصة بجامعة الإمارات، والتي القي بها فقرة عن أتيكيت الموائد،

وفوجئت به يقدم فقرة من أرقى ما شاهدته في حياتي سواء على المستوى المحلي أو العالمي، وبدأنا بعد ذلك نسند له تنظيم دورات في فن الاتيكيت والبرتوكول باسم الجامعة، وبدأنا العمل سوية من خلال فندق المها روتانا، وحضر هذا البرنامج 20مشاركا منهم عشرة من شؤون الرئاسة والباقي من مرافقي الشيوخ، وكان هذا أول برنامج بدأناه، وشعرنا وقتها بالخوف من عدم قبول المشاركين له،

إلا أن النتائج جاءت مغايرة ونال استحسان الحضور، وكنا من قبل نستعين في مثل تلك الدورات بسفراء سابقين أو ملحقين دبلوماسيين، لكن المرزوقي استطاع أن يربط بين قواعد البرتوكول والقرآن الكريم، وهذا ما مميزه عن كثير من المدربين في هذا المجال،

كذلك فهو أكثر من غيره من حيث درايته بالاتيكيت المحلي، من حيث ارتداء البشت والعباءة فلا أحد يعرف أن لهما مناسبات اجتماعية خاصة بارتدائها، ويعد محمد حسن المرزوقي المدرب الإماراتي الأول لفن الاتيكيت والبرتوكول والآداب الاجتماعية لجامعة الإمارات،

ويمتاز عن غيره بأنه يمتلك حضوراً قوياً وامتلاكه زمام الأمور في الدورات التدريبية التي يقوم بالمشاركة فيها، واستطعنا سوياً أن نقدم عدة دورات في الإتحاد النسائي، وشؤون الرياسة ومركز التدريب في الجامعة.

خبرة عملية

ويضيف طارق عياش هذا إلى جانب المشاركة في تنظيم المؤتمرات ومرافقة الوفود وتنظيم الاحتفالات، وفي معظم الدورات التي قدم فيها المرزوقي فقرات خاصة به شعرت بأنني مع مدرب يمتلك الخبرة العملية ولا يقوم بتدريس النظريات فقط، وفي فترة وجيزة أصبح واحدا من أهم المدربين الخليجيين في هذا المجال بعد أن أعتبر رائدا في فن الاتيكيت والبروتوكول في الإمارات.

صالح فهد الخبير الكويتي في فن الاتيكيت والبروتوكول وتنظيم المؤتمرات يتحدث عنه ضاحكا وهو يقول (علمته الرماية فلم اشتد ساعده رماني) وهو يعلل قوله بأن محمد التلميذ تفوق على أستاذة، ثم واصل قائلا يمتاز المرزوقي بفراسته التي تدله على بواطن الأمور، وهو من الأشخاص الذين لديهم استعداد فطري ومعطاء في مجال العمل في العلاقات العامة واستقبال الآخرين، ولديه قدرة على الاتزان الانفعالي، كماً هائلاً في مجال عمله.

مروة القرشي مدرسة لغة عربية ومتدربة سابقة في إحدى الدورات التي درس بها المرزوقي، ومؤخراً أقامت معه مشروعا لتدريب الاتيكيت لطلبة المرحلة الابتدائية في إحدى المدارس تقول إن أهم ما يميزه انه إنسان يعشق وطنه وهذا ما يحاول تعزيزه دائماً في المشاركين في الدورات .

إيمان قنديل