قد يكون الاقتراب من المثقفين، أو المبدعين المتواجدين بشكل دائم على خارطة الإبداع المتداولة، مسألة تحتمل الكثير من المطبات والمنزلقات التي تحوّل هذه الشخصية أو تلك، إلى مجموعة من العبارات المكرورة، والمقولات التي تم تداولها كثيراً على صفحات الجرائد اليومية، وفي المحافل الرسمية.
من هنا حاولنا أن نمضي مع عبد الرحيم سالم، إلى مساحة لم يشغلها أحد من قبلنا، وتفاصيل لم يبح بها، أو إفاضات وجدانية، متأصلة في كيانه، بدأت تتسرب بحميمية، وحرارة ما أن بدأ حديثه معنا، مستهلاً ذلك الفيض بمرحلة دراسته الأولى التي أمضاها في البحرين، وظهور الكثير من الهوايات والمواهب التي أخذت تتجاذبه.
فمن شقاوة الطفولة إلى ألعاب الكرة، إلى المحاولات الأولى في الرسم، كان عبد الرحيم سالم، يقضي طفولته ويتعرف على نفسه وعلى إمكانياته، في كنف جدة كان يعتبرها ومازال المعلم الأول في حياته.
يقول بداياتي كانت في البحرين، وهناك درست حتى المرحلة الثانوية، وكنت أرسم كغيري من الأطفال قبل المرحلة الابتدائية و جدتي كانت معلمي الأول، علمتني كيف أرسم، فقد كانت تراقب رسوماتي، وتعطي ملاحظاتها الدقيقة.
وكنت أقلد الرسوم في كتب القراءة التي كانت آنذاك تأتي من مصر في الصف الخامس والسادس، وكنت أشارك في المسابقات المدرسية، التي لاقت استحسان الجميع في ذلك الوقت، ثم ازداد اهتمامي بالرسم في المرحلة الإعدادية، وكنت أنحت وأرسم في الوقت نفسه، كنت أذهب إلى البحر وأجلب الصخور و أنحت منها أشكالاً ومجسمات مختلفة.
طباخ هدى شعراوي
بحرارة كبيرة وبامتنان شديد يتذكر عبد الرحيم سالم الأساتذة الأوائل الذين أثروا فيه سواء في مراحله الأولى، أو في مرحلة الدراسة الأكاديمية حيث يقول: من المدرسين الذين أعتز بهم، إسحاق أفندي الذي كان خزافاً.
وكان يدفعني للرسم ويحثني على المشاركة في جميع الفعاليات والمسابقات المدرسية، وهو من دفعني للدراسة في القاهرة، وهناك درست مادة النحت بشكل تخصصي وتعرفت على العديد من الزملاء والفنانين المبدعين، والتقيت بأشخاص لعبوا دوراً كبيراً في حياتي، وأثروا علي تأثيراً مازال حاضراً بقوة في حياتي.
فقد كان معنا زميل يدعى شريف عبد البديع، وكان والده من الفنانين الكبار الذين درسوا في الفترة المسائية وكان يتميز بطبيعة خاصة، وبروح كبيرة وموهبة فائقة، ومن الطرائف التي تحضرني والتي تدل على مقدرة عبد البديع الاستثنائية في النحت، حكاية لا تغادر ذاكرتي حدثت معه حين كان يعمل مساعد طباخ لدى هدى شعراوي، وجرت بينه وبين كبير الطباخين، الذي على ما يبدو أنه كان بينهما نوع من المشادات والحساسيات.
فقد كان يأخذ حبة بطاطا وينحت منها فأراً يدسه أسفل رئيس الطباخين ذاك، الذي ما أن يراه حتى يصاب بالفزع، إلى أن اكتشف الأمر وحمل فأر البطاطا إلى هدى شعراوي، التي ذهلت حين رأت تلك البراعة في النحت، فأخبرت بديع وقتها بأن محله ليس المطبخ.
وأن عليه أن يلتحق في كلية الفنون الجميلة، وهي التي دفعته للدراسة المسائية، التي كان يتردد إليها، على طريقته الخاصة، ولم تؤثر على طبيعته الفطرية، فكثيراً ماكنا نراه، يحضر بجلابيته، وزيّه الشعبي.
وبديع من الشخصيات التي تأثرت بها وأحببتها، والتي أتمنى، أن أصل إلى قدر قليل من إمكانياتها ومهارتها، فقد كان يتمتع بطيبة كبيرة، ويفيض بالمشاعر النبيلة، وقد كان باستطاعته أن يكون مليونيراً من خلال أعماله البديعة التي كان ينجزها، لكنه كان يرفض، أن يصب نسخاً من منحوتاته.
ومن أعماله المذهلة التي أتذكرها، والتي أدهشت كل من رآها، عمل نحتيّ يمثل طفلاً إفريقيا التفّ حوله ثعبان، وبسبب دقة التفاصيل والبراعة الشديدة في معالجة السطح والملمس والكتلة، فقد كتب عنه في بعض الصحف، بأن هذا النحات قد سكب تمثاله على طفل إفريقي حقيقي، حتى استطاع أن يبرز قوة التشريح ودقته بهذه الطريقة.
وقد كان يصنع لنا أدوات النحت ويعلمنا كيفية إمساك الإزميل وكيفية التعامل مع الغرانيت والحجر.
ويضيف عبد الرحيم سالم بحرارة بأن هذا الإنسان كان مبدعاً حقيقياً تضافرت في شخصيته كل العوامل، التي جعلت منه مبدعاً خارج الأنساق المعتادة، والادعاء الكاذب التي يحول الفنان إلى صورة شكلية فقط.
ثم روى حكاية عن آخر زيارة له، قبل أن يسمع بموته الفاجع ،يقول: زرته منذ خمس سنوات فوجدته في مشغله يرتدي القبعة الخاصة بالعمال والتي يثبت عادة ضوء في مقدمتها، والطريف في الأمر بأنه حين كان يرتدي القبعة، كان ثمة سلك موصول بالكهرباء قد تفرع من القبعة.
بالإضافة إلى أنه كان مرتدياً نظارة متعددة العدسات، فقد تراجع بصره، الأمر الذي أحزنه وأخافه كثيراً، وقد عبّر عن خشيته قائلاً بأنه لافرق عنده إن قطعت قدمه، لكن المهم أن تبقى عيناه ويداه سالمتين كي يبقى قادراً على ممارسة النحت.
موت مفجع
وعن موته المأساوي، الذي تذكره عبد الرحيم سالم بحزن وحسرة، على طريقة الموت المجاني والمفجع الذي انتهت به حياة أحد المبدعين الكبار، والقامات النادرة في الأرض فقد انتهى بأن داهمه بعض اللصوص لاعتقادهم، بأن هذا الرجل الذي يعمل ليل نهار لابد أن تكون لديه ثروة حقيقية، فذبحوه ونبشوا بيته ليعثروا على 60 جنيها.
وبعد أن روى سالم هذه الحكاية صمت عدة لحظات تابع بعدها بكلمات حزينة، عن تأثره الشديد به وعشقه للفن من خلاله، قائلاً، لقد علمني أن أنظر إلى نفسي كقيمة كبيرة وعلمني، الصبر في العمل، و يضيف عبد الرحيم سالم عن أستاذه الحقيقي :
كان يقول لي تعامل مع عملك الفني على أنه سينتهي بعد سنة وليس الآن فهذا سيجعلك تبني علاقة خاصة وحميمية بينك وبين عملك الإبداعي. ثم يتابع عبد الرحيم بأن هذا ما يدفعنا للاستمرار ويجعلنا نشعر أن هناك أشخاصاً سكنوا بدواخلنا وهم مازالوا يدفعوننا إلى الأمام.
صدمة الجمهور
الانتقال من مرحلة الأكاديمية، إلى الواقع العملي، هو اختبار لكل مايتعلمه الإنسان، وإشارة دالة على الطاقة الإبداعية التي امتلكها والمخزون الجمالي الذي اكتسبه، من خلال متابعاته واطلاعه على المنجز الجمالي والإبداعي.
وعبد الرحيم سالم كان مشغوفاً بمتابعة المعارض وارتياد المتاحف الفرعونية التي شكلت على حد تعبيره مرجعاً كبيراً لتكوينه الإبداعي، مكنه من الإفادة من الفن الفرعوني العظيم والاطلاع على خصائصه ومكوناته الاستثنائية، وعن مرحلة العودة التي أثبت فيها عبد الرحيم سالم حضوره منذ اللحظات الأولى مع مجموعة من الأصدقاء والخريجين.
حدثنا عن معرض الأكاديمية الأول الذي اعتبره بمثابة شهادة أخرى غير الشهادة التي حصل عليها من مصر، ويتابع قائلاً: بعد هذه المرحلة بدأنا نتفاعل مع اتجاهات جديدة بالنسبة لجمهور الإمارات، فحسن شريف عاد بقوة وبدأ بتقديم أعمال فيها الكثير من الدهشة وتحتوي على المواضيع الفكرية.
وكان تفكيرنا بأن الجمهور يحتاج إلى الصدمة وأقمنا معرضاً في السوق المركزي وكنا نراقب الجمهور لنرى إن كان العرض يشد الجمهور ولاحظنا أن الأطفال هم وحدهم الذين اهتموا وانشغلوا بالعرض، ثم استمرت العروض والمشاركة في الفعاليات.
وتطورت الحركة التشكيلية وتعمقت الحياة الاجتماعية، حتى حققت الإمارات انعطافة كبيرة على كافة المستويات والأصعدة، وبذلك تكونت وترسخت البينة الأساسية لتطور الفنون وتطور الوعي الجمالي وارتقاء الذائقة الفنية.
حارس مرمى
لو لم يكن عبد الرحيم سالم فناناً، لأصبح حارس مرمى، فقد مارس هذه الهواية بمهارة، وانضم إلى العديد من الفرق المحلية، فقد لعب في البحرين ولعب مع نادي الشارقة ونادي الشعب، في الإمارات، وعن هواياته الأخرى المتعلقة بالقراءة والمطالعة، يقول لدي شغف كبير في مطالعة كتب السحر، وأنا أهوى هذه المناخات والماورائيات التي أشعر بأنها تشبع رغبة ما في داخلي.
وتغذي مخيلتي وذاكرتي بصور لعوالم غريبة، ثم مضى عبد الرحيم سالم في الحديث عن شقاوته البالغة في مرحلة الطفولة التي وصفها، بالشيطنة والشقاوة، فقد روى لنا، كيف كان أولاد الحارة يمسكون له عصا طويلة ويثبتونها على الأرض، ثم يبدأ هو بتسلقها بسهولة كبيرة.
و(خضرا) التي كانت تدافع عنه في الحارة، معتبراً بأنها كانت من الشخصيات الحميمية والأساسية في حياته، حتى انتهى الأمر به إلى الاعتراف لنا بسر يبوح به للمرة الأولى قائلاً:
ما يجهله الكثيرون عني، بأني كنت أمشي في نومي، وحتى المرحلة الإعدادية، وكنت أجهل هذا الأمر، لكني كنت أشعر بشيء ما غير طبيعي، يحدث معي، ومرة صادفني أحد جيراننا وأنا سائر في نومي وأعبر الشارع آخر الليل وعلى غير هدى، فأخبر والدتي وصاروا يربطونني إلى السرير، لكن لا عليك فقد كنت أنجح أحياناً في فك الحبال والمشي على هواي، بعد هذا وبابتسامة بادية ينهي عبد الرحيم سالم حديثه عن حوارنا هذا قائلاً:
والحمد لله أن أمي لا تقرأ ولا تكتب ولا تتابع الصحف.
إسماعيل الرفاعي

