ونحن نحتفل مع شرطة دبي بيوبيلها الذهبي، ارتأت «الجذور» أن تلقي الضوء على مسيرة خمسين عاماً من العمل المتواصل والجهود المبذولة للارتقاء بالعمل الشرطي والأمني في إمارة دبي، وإذا كان المشهد الآني يملأ نفوسنا بالفخر والسعادة بما وصلت إليه شرطة دبي من رفعة في الأداء وما حققته من نجاحات يشار إليها بالبنان.

فإن هذا المشهد لم يكن وليد صدفة وإنما هو نتاج مشاهد عدة سابقة رفعت جميعها شعار التحدي بالعمل المتميز ولا شيء غيره، وتعاون مع الجمهور على أساس علاقة هدفها أمن المجتمع والوطن، ولا فرق في ذلك بين مواطن ومقيم.

وحسبنا أن ينطق المشهد الآني بما تعجز الأقلام عن وصفه، ابتداء من أروقة القيادة العامة لشرطة دبي ومكاتبها ومراكزها التي تستقبل الجمهور، ومروراً بمعاملة المتهمين والمحكوم عليهم في القضايا، وانتهاء بالشارع وهو المحك الحقيقي لتبيان علاقة أي جهاز شرطي مع الجمهور، هل أغفلنا إدارات المرور وحقوق الإنسان والخدمات الإلكترونية وغيرها الكثير؟ بالطبع لم ننس ولكن طبيعة المشهد الآني تحتاج لقراءة أخرى وبشكل مغاير.

نعم خمسون عاماً مرت على تأسيس شرطة دبي، كان عمره آنذاك خمسة عشر عاماً، بالكاد.. صبي على عتبات الشباب، لكن الصبا وقتها كان مرحلة لصناعة الرجال الأقوياء، راح يبحث عن عمل وهو لم يكمل بعد الثانية عشرة من عمره، تقدم للالتحاق بالخدمة لدى الجيش البريطاني كواحد من جنوده العسكريين أو للعمل في المرافق الخدمية، ولكنه استبعد نتيجة لصغر سنه، وبعد مرور عام قبلوه لأداء أعمال خفيفة في منطقة النخيل في مدينة العين.

وعندما سمع بتأسيس جهاز شرطة في دبي عام 1956، كان من أوائل المتقدمين للعمل فيها، فقط سبعة أشخاص سبقوه في التسجيل ليحمل هو الرقم ثمانية، والآن وبعد مرور خمسين عاماً من العمل المتواصل، تدرج خلالها من رتبة إلى أخرى، ها نحن نفتح نافذة نطل منها على تجربة شخصية ثرية شهدت مراحل التأسيس والتطوير لشرطة دبي مع العميد خليفة بن ضاعن المهيري مدير مركز شرطة ند الشبا.

من تجربته الشخصية وحبه للعمل الشرطي منذ صغره يبدأ العميد خليفة حديثه بتوطئة يشرح فيها الحالة الاقتصادية التي كانت تشهدها البلاد، فلا توجد وقتها فرص عمل إلا من خلال مزاولة الحرف التقليدية أو التجارة، بينما كانت طموحاته الطفولية أن يصبح جندياً أو شرطياً، هذا الطموح قاده في سن مبكرة لمحاولة الالتحاق بالجيش البريطاني، وأعاد الكرة مرة أخرى إلى أن تم قبوله.

وعندما جاءته فرصة الالتحاق بشرطة دبي تشبث بها، ليتجسد حبه للعمل الشرطي وطموحاته الطفولية في أعمال قام بها على أرض الواقع، يقول:

افتخر بأنني الثامن في ترتيب من التحقوا بالعمل في شرطة دبي، نعم كنت من الأوائل، لكن العدد ازداد في غضون شهر ووصل إلى مئتي شرطي، وقد كان عدد السكان وقتها قليلاً ومنحصراً في منطقة ديرة وبر دبي، إضافة الى منطقة جميرا، وكان العرف السائد هو الاحتكام إلى شيوخ القبائل وكبار السن لحل النزاعات والمشكلات الطارئة،

وعندما تأسس جهاز الشرطة لم يكن الأمر سهلاً على الناس لتقبل الفكرة في بعض المناطق، وكان عمليا يقتصر على حراسة الأسواق وبيت الدولة، وعندما أنشيء جهاز الشرطة كان مركز نايف هو المقر الرئيسي، إضافة الى مخفر بر دبي، أما الأسواق التي كنا نقوم بحراستها فهي سوق البنيان وسوق القراشية في بر دبي، وسوق السيرة والسبخة في منطقة ديرة، مع العلم إننا كنا نقوم بالعمل تحت قيادات بريطانية بدأها في عام 1956 «كيلتون»، ولم تكن هناك أية تدريبات حقيقية لأفراد الشرطة.

مسيرة استعراض القوة

كنا نرتدي «الكندورة والغترة والعقال» ونربط حول خصرنا حزاماً أحمر ونمسك بعصا القانون، وهذه العصا هي الوسيلة الوحيدة التي نشهرها في وجه المخالفين، ولكن بعد عامين تولى «لورمان» القيادة، وجاء بمدربين أكفاء لرفع مستوى أداء الشرطي.

وأذكر انه نظم أول مسيرة شرطية بالخطوة العسكرية على أنغام الموسيقى من منطقة جميرا إلى بر دبي، وهي مسافة كبيرة جداً، وأذكر أيضاً ان السكان كانوا ينظرون إلينا بخليط من الفرح والاستغراب، فقد كان مشهداً جديداً عليهم تماماً.

واعتقد ان الهدف من وراء تلك المسيرة هو إشعار الناس بأن هناك جهاز شرطة حقيقيا يقوم بعمله وواجبه نحوهم، خصوصاً سكان منطقة جميرا الذين لم يتقبلوا الأمر في البدايات، لكنهم بالتدريج وعلى فترات متفاوتة بدأوا بالإندماج والتعاون مع جهاز الشرطة الذي ألبسه «لورمان» زياً عسكرياً لأول مرة وكان ذلك في عام 1958م.

مواقف خطيرة من أجل الأمن

على الرغم من ان عدد السكان كان قليلاً في فترتي الخمسينات والستينات إلا أن الجرائم التي كانت تحدث آنذاك تمثل رعباً للمجتمع حتى وان كانت قليلة، وكانت ترتكب بطريقة بدائية يغلب عليها البلطجة والقوة، وهذا ما كان يسبب الذعر للناس في الأسواق وأثناء الليل.

إضافة الى ان الشرطة في ذلك الوقت كانت في بداياتها، ولا تملك بين يديها الرادع القوي الذي يصد المجرمين، هكذا يصف العميد خليفة الأوضاع ويقارن بينها وبين ما حدث من تطوير بعد ذلك في جهاز الشرطة.

ولأنه كان محباً للعمل الشرطي فقد أوقعه هذا الحب في مواقف ومآزق خطيرة كادت ان تودي بحياته، لقد كانت عملية مطاردة المجرمين محفوفة بالمخاطر أكثر من أي وقت لاحق، ومثالاً على ذلك يذكر العميد خليفة كيف أصيب بطعنة سكين في ذراعه أثناء مطاردة في الساعة الثانية بعد منتصف الليل.

عندما سطا شخصان على محل ساعات لرجل الأعمال أحمد صديقي في سوق البنيان بمنطقة بر دبي، وكان اثنان من رجال الدرك يقومان بالحراسة أحدهما خليفة، وعندما شك في أمر شنطتين يحملهما اثنان من المشبوهين، تقدم خليفة يسألهما عن وجهتهما في هذا الوقت المتأخر.

فما كان منهما إلا ان لاذا بالفرار للاختباء في أحد البيوت المهجورة، وبدأت المطاردة التي انتهت باستعادة الشنطتين المحملتين بأربعمئة ساعة ثمينة استولى عليها الجناة، وخرج الشرطي بجرح سكين بعد مواجهة دافع فيها عن نفسه بقطعة خشب وعصا القانون، لم يكن معه سلاح بل لم يكن مصرحاً بحمل السلاح وقتها، أما الحادثة فلم تنته بعد، فقد فر الجانيان وبقيت مهمة الشرطي خلفان في البحث عنهما.

ولأنه كان بارعاً في عملية اتباع الأثر، فقد رصد وقع أقدام أحد اللصين إلى ان وصل الى أحد المنازل فطرق الباب، وسأل المرأة عن رب البيت فقالت انه عند صديقه، وتم القبض على الاثنين في ليلة الحادث نفسها.

بعد التعرف عليهما من خلال ملابسهما الممزقة وبقع الدماء عليها التي سالت على ذراع العميد، ويذكر العميد خليفة ان جميع من في المخفرأنبوه على تعريض نفسه للخطر على هذا النحو، ويذكر أيضاً ان الخبر وصل الى المغفور له الشيخ مكتوم بن راشد الذي غضب من تصرف العميد خليفة ولكنه اثنى عليه في الوقت نفسه، وكان جواب العميد خليفة ان أمن المجتمع واجب بل هو شرف يفتخر به كل شرطي حتى وان عرض حياته للخطر.

حادثة أخرى تلقي الضوء على نوعية الجرائم المرتكبة آنذاك، يرويها العميد خليفة، فقد قام أحد المجرمين بخطف طفل وتوجه به في سيارة لنقل المياه إلى حدود الشارقة، وكان هذا الشخص يحمل مخدرات معه، في ذلك الوقت 1967، كان أفراد الشرطة يحملون السلاح ولكن ليس مصرحا لهم باستعماله.

وعندما اقترب خليفة من سيارة الهارب أمره بالتوقف فلم ينصع للأوامر، فأطلق عليه النار وأصابه في مقتل، هذه الواقعة أغضبت القائد بروكس الذي أمر بإيقافه عن الخدمة سبعة أيام، وبعدها أعاده للخدمة بناء على أوامر المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، لكن لم يسمح للعميد بحمل السلاح.

في هذه الفترة أراد محمد سعيد الغيث وكان وقتها ملازماً في مخفر بر دبي ان يستعين بخليفة.. وكان يعمل في مركز نايف في ديرة للقبض على مجموعة أشخاص يعملون بتهريب وتجارة المخدرات، فأجابه خليفة بأنه ممنوع من حمل السلاح، لكن محمد الغيث استلم السلاح على مسؤوليته وخرج الاثنان في عربة جيب لترصد المهربين في الصحراء، إلى أن تم القبض عليهم.

ومثلما حدث في المرة الأولى فقد أصاب العميد خليفة أحد المهربين وارداه قتيلاً، أما الحادثة الأخرى وليست الأخيرة التي أبدى فيها العميد خليفة شجاعة وإقداما، فقد كانت جريمة قتل راح ضحيتها اثنان من الأبرياء قتلهما شخص باكستاني وهرب إلى الصحراء باتجاه أبوظبي.

وبعد مداولات في المخفر رفض أحد أن يخرج مع العميد خليفة لاقتفاء أثر القاتل والقبض عليه، فخرج وحيداً يحمل عصا القانون فقط في يده رغم التحذيرات بأن الهارب يحمل سلاحاً وراح يقتفي الأثر متوغلاً في الصحراء في مطاردة استمرت لساعات طويلة.

وعاد أخيراً بالقاتل موثوقاً بالغترة والعقال، غير أن الشق الآخر الذي يوضح كيفية معاملة المذنب في ذلك، الوقت إن هذا القاتل تم إيداعه السجن، إلى أن جاءت أسرة القتيلين وتسلمت القاتل وعادت به إلى باكستان، فلم يكن وقتها قد صدر قانون بمعاقبة المذنبين، وظل الوضع على هذه الحال إلى أن أصدر القائد بربكست قانون الشرطة في عام 1966.

ممنوع من الترقية

كان العميد خليفة يأخذ العمل الشرطي مأخذ الجد منذ التحاقه بالشرطة، يتفانى في أداء واجباته إلى حد بعيد، كان لا يعترف بترك مجرم هارب تحت أية مبررات، حتى وإن أدى ذلك لتعريض النفس للخطر، كان مقتنعاً بأن عدم وجود سلاح في يد الشرطي لا يمنعه من تتبع المجرمين والقبض عليهم.

وأن حمل السلاح في وقت لاحق لن يكون للزينة فقط، وإنما لاستخدامه إذا اقتضى الأمر، هذه القناعات وضعته في موقف المدافع عن نفسه وعن سلطة القانون، وعندما أراد المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم أن يمنح خليفة رتبة رقيب في عام 1972، رفض القائد بروكس هذا الاقتراح، لكن إرادة الشيخ راشد كانت هي الأقوى.

أما النقلة النوعية التي شهدتها شرطة دبي فقد جاءت على يد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، بعد تخرجه وتسلمه قيادة الشرطة.

ومنذ ذلك اليوم وحتى الآن تجري الأمور بتوجيهات منه شخصياً، ويرى العميد خليفة أن ما تشهده شرطة دبي الآن من تطوير في الأداء ومعاملة كافة أفراد المجتمع من مواطنين ومقيمين معاملة حسنة قوامها الاحترام والتعاون المشترك، ما هو إلا نتاج لتعليمات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد.

وقد شهد الجميع حالة الاضطراب التي اجتاحت العالم في الفترة الأخيرة، وكانت التعليمات بعدم التعرض لأي شخص بحجة الاشتباه أو الانتماء إلى تيار معين، وهكذا أسس سموه شرطة دبي برؤية جديدة مغايرة لما كان موجوداً في السابق، وها نحن نرى النتائج بأم أعيننا ولا نحتاج للتأكيد على شيء.

وكل إنسان موجود على هذه الأرض الطيبة بإمكانه أن يحكم بنفسه على أداء شرطة دبي دون الحاجة للدخول في المجاملات على الإطلاق، وهذا ليس نهاية المطاف، فالتعليمات مازالت مستمرة للوصول إلى ما هو أفضل، والإنسان الناجح لا يرضى بالوقوف عند نقطة معينة ويتغنى بنجاحاته، وإنما يسعى دائماً لأن يكون نموذجاً للآخرين.

هكذا يفكر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وقد تجلى فكره في الشخصيات التي اختارها لقيادة الشرطة، سواء كان ذلك في عام 1975 عندما اختار عبدالله بن هول أول قائد وطني للشرطة والذي قام بدوره على أكمل وجه في تنفيذ التعليمات إلى أن سلم الراية للفريق ضاحي خلفان، وهو بدوره يقوم بواجبه حتى الآن بطريقة تدعو للفخر والاعتزاز بكوادرنا الوطنية.

عز الدين الأسواني