أثار العمود السابق الذي نشرناه موجة من الآراء المخالفة لما ورد فيه. نحترم آراء الجميع، وبصراحة كنت سعيدة جدا لقراءة آراء القراء. فنحن ككتاب أعمدة لا تفيدنا الآراء الإيجابية، بقدر ما تفيدنا الآراء المخالفة لأنها تثير النقاش.

اعتبر قارئ أن ما طرحته في العمود يمثل ثورة وأخرى اعتبرته نكرانا لجميل الدولة، كما أنها ظنت أنني أطالب بمساواة المرأة بالرجل في حين لم أطالب إلا بحق أقره القرآن لها. أعتقد أنه يتعين علينا أن نعيش على أرض المستقبل وليس الماضي أو الحاضر، فالعالم في تغير مستمر.

وإن كانت بعض الآراء رأت توجهاتنا بمثابة الثورة، فذلك لأن المجتمع الذي تعيش فيه تلك الآراء لم تصل بعد إلى تلك المرحلة فهي تعيش الحاضر فقط، ولا تستشرف المستقبل. بصراحة، يتأرجح رأيي شخصيا بين الرفض والموافقة لقانون الأحوال الشخصية، ليس بسبب تزعزع ثقتي لما رأيته من مخالفة للآراء.

ولكن لأنني امرأة، وأعرف كيفية تفكير النساء - خاصة الشابات منهن - عندما يأتي الأمر للحب والزواج، في زمن التصحر العاطفي والتضخم المادي، والذي ما أن يلقي رجل بكلمات معسولة في أذن امرأة إلا وتجد أكثرهن ينجرفن وراء عواطفهن، معطلات لعقولهن للأسف.

المرأة ليست بحاجة لأن تكبل حرياتها المفروضة شرعا بالقوانين بسبب الاعتقاد بسذاجتها وتحكم العاطفة بها بقدر حاجتها للتوعية والتنوير، بمغبات زواج كهذا، من خلال عقد ندوات ودورات في المدارس والجامعات وأسواق العمل.

المرأة بحاجة لمن يبحث عنها في تجمعاتها النسوية ليفتح مداركها على كل سلبيات زواج كهذا، حتى إذا اختارت بكامل إرادتها القيام به، تكون على علم مسبق بما قد تواجهه. النساء اللواتي في مواجهة مع أخذ ذلك القرار المصيري، بحاجة لسماع قصص عن زواج المواطنات من أجانب، وتلك القصص تزخر بها المحاكم. للأسف غالبا ما تكون المرأة ضحية للرجل، ضحية من خلال عدم تنويرها واتخاذ قرارات عنها كقرار الأحوال الشخصية.

نحن على علم بأن ملفات القضايا أكوام في المحاكم بسبب زيجات من أجانب، ونعلم بأن هذا القرار لم يصدر عبثا، صدر القرار بسبب كثرة المشاكل التي تعج بها ملفات تلك القضايا، ولكن هل هذا القانون هو الحل لوضع حد لتلك القضايا؟ لا أوافق على كون قانون كهذا حلا إلا إذا كان حلا مؤقتا، تعمل خلاله الجهات المعنية على الأخذ بيد المرأة لتنويرها ثم فتح الباب لها على المصراعين بعد تسليحها بالتفكير المتعقل.

إلا إذا كان هذا القرار من ضمن الرفاهية التي تمنحها الدولة لمواطنيها، تماما كما تفعل عندما تصيد السمكة عنهم من البحر المتلاطم وتقدمها لهم جاهزة. إن تقدم أي دولة يقاس بعلم شعبها وثقافته ووعيه.

في مجتمعنا اليوم نساء تربطهن أواصر القربى مع أجانب من دول الخليج - كما يعتبرهم القانون- بحكم النسب والمصاهرة، ومع أجانب من دول عربية وغير عربية بحكم التجنيس.

في مجتمعنا اليوم عدد لا بأس به من المواطنين «وثائقيا»، في حين أنهم من أصول عربية وغير عربية. فكيف سيسري ذلك القانون عليهم يا ترى؟ هل سيطلب من تلك الفئة من النسوة عدم الزواج من أبناء عمومتهن وأخوالهن وخالاتهن بحجة أنهم أجانب؟

إن تنوير المرأة بمشاكل هذا النوع من الزواج لن يفيدها فقط في زواجها من أجنبي، بل سيفيدها أيضا في زواجها من مواطنين. يتعين على المرأة أن تتعلم كيف تسحق قلبها تحت قدميها وتتبع عقلها إن كان ذلك القلب سيجرها إلى هدر كرامتها، وإلى مشاكل لا أول لها ولا آخر، سواء كان زواجها من أجنبي أم مواطن، وذلك لا يتأتى إلا من خلال تنويرها وفتح آفاق عقلها لما هو مغيب عنه.

laila_badri@yahoo.com