فيما تتأمل المشهد من داخل القاعة الفخمة داخل فندق بستان روتانا المكتظة على رحابتها بفسحات متنوعة مدارات العمر المتباينة تكسر بعين المتأمل حاجزي الزمان والمكان.

ثمة مشاهد مماثلة في أماكن متباعدة تنطوي على المفارقات نفسها المثيرة للفضول. ثمة علامات استفهام كبرى تجدها معلقة على بوابات القاعات والمسارح المغلقة منها والمفتوحة على الفضاء لفنانين وفنانات زمن الفساد المعاصر.

هذا عالم هيولي فيه أجراس ولكن نعتقد أن ذلك الرنين المثير للشجن وهناك حشود يتدافعون دون خطى، سماء ضيقة على الأجنحة، وحناجر (ذهبية) صدئة تصّم الآذان وتستنفر الأبدان. تلك هي الجنان التي ننعم بها، والواحات التي نستظل بها، حين خرج الكائن عن جلده، والعازف عن نايه، والشاعر عن نفسه.

وما نراه اليوم نراه على عجل لأنه بلا هيئة، وما نطرب له اليوم يندرج تحت عنوان الأغاني الخفيفة والحناجر المصنعة والإيقاعات الصاخبة.. والأغنية الدارجة في عمومها، هي أغنية بلا صوت، بلا كلمة، بلا موسيقى.

ومرحى للفيديو كليب، وعمليات التجميل، واستعراض الجسد، وحركات البورنو المحتشمة. ومرحى لكل ما يلتصق بالسطح دون الجوهر، لكل ما يثمن الرخيص، ويمجد الزائف، ويحتفي بالهزيل.

هنا لسنا بصدد تقويم المسارات.. أو عرض الخلاصات التي تظلل أكثر مما تشير، وتقصي أكثر مما تدني، وما يهمنا حقاً، هو كيف تشكلت آلية تذوق هذه النوعية من الفنون التي اجتاحتنا، حتى أصبحت من المكوّنات الأساسية لهذا العصر؟. فبالتأكيد إن البنية الجمالية والمعرفية للإنسان لا تفترق عن معطياته الحياتية، أو عن جملة المفاهيم الفكرية والروحية التي يتحرك ضمنها، وتتشكل طبيعته واهتماماته في سياقها.

كما إننا لا نريد أن نرثي الحال التي آلت إليه الأمور، أو نبكي أيام زمان التي ولت دون عودة.. لكننا نغبط الجمهور العريض قدرته على الوصول إلى النشوة والانسجام الذي يبديه، والذي تعدى جيلاً معيناً أو بلداً معيناً أو شريحة خاصة لها علاقة ب(النيو لوك) أو(الكول).

هنا لا أجد لذة أكثر من لذة الاستسلام للعيون الناعسة والأصوات الذائبة والأجساد المائسة، وهي تتلوى كأفعى تغريك بتذوق سمومها المقطرة على الطريقة العصرية.

وهنا أيضاً تنحصر خياراتنا، لصالح ما يطرح ويكرّس، وتنبنى الذائقة بآلياتها العامة، وضمن أطر الاستهلاك الذي يغذ السير على غير هدى. على كل حال ثمة مساحة تتسع لخطوة خارج السياق، وكلمة تستحق أن تغنى، وصوت يستحق أن نترنم به ونتسلق مساحاته الشاهقة، وثمة وقت يمضي بنا عكس عقرب الساعة المسعور.

إسماعيل الرفاعي