لم يتعرف طلال معلا الفنان التشكيلي في زياراته على المدن فحسب، بل تعرّف على المعنى الذي تشكلت عليه هذه المدن، على البعد الرّوحي والجمالي للكائن الإنساني وهو يجسد روحه وخيالاته في الحجارة المشيدة على طريقة الحلم، وفي الأزقة التي يترك حروفه منقوشة على جدرانها، وفي الأنهار التي تقطرت من أوردة المدن.
المعلاّ سائح يختزل المدن بمساماته حين يغادرها. ومقيم ظلّ حالماً بالسفر منذ طفولته البعيدة التي أمضاها وهو يمدّ رأسه إلى الأعلى باحثاً عن «طائرة قد يتسلق ظلالها ذات ليلة ليسبح في فضاء المغامرة والاكتشاف، وعن ترحاله وتطوافه والحلم الذي راوده طويلاً وتحقق بقوة كان لنا معه هذا اللقاء:
أكثر الأحلام ارتباطاً بطفولتي، هو السفر والترحال، ولا أتذكر نفسي إلا مستلقياً على ظهري، أتأمل ليلاً الطائرات التي تمرّ فوق بيتنا، متخيلاً نفسي على إحداها. ولأنني نشأت في بيئة متوسطة الحال ولا شأن لها بالسفر، فقد كان حلم السفر ينمو بداخلي بحزن ورغبة عارمة.
يتوقف لحظة ثم يتابع عن لحظات سفره الأولى والمدينة الأولى التي حط بها رحاله.. يقول: جاء السفر متأخراً، لذلك فقد جاء قوياً، وأول رحلة كانت إلى روما، ولأنني حلمت طيلة عمري بالسفر، فقد انتظرت في المطار ما يقارب 18 ساعة بسبب عطل حدث للطائرة، المهم أننا بعد أن أكلنا كل ما في الترانزيت، وشربنا الماء كله، استبدلت الطائرة التي حملتنا بعد انتظار طويل في أول رحلة، غبت حوالي السنة في إيطاليا، لتبدأ بعد ذلك علاقتي الحقيقية بالسفر.
ثم يبدأ معلا بالتوغل في مسامات المكان وتفاصيله متوغلاً أقاصيه ومستكشفاً ظلاله وأبعاده الحميمة، يقول: في إيطاليا كان المكان الأول الذي أعيش فيه فترة طويلة خارج وطني، وقد عشت حوالي 3 أشهر لم أر مركبة أو سيارة، لأنني كنت مقيماً في المركز التاريخي لمدينة سينيا التي تعود إلى ما قبل القرن الثامن عشر، وتمثل موقعاً تاريخياً مهماً.
وهناك تحتاج إلى السيارة أكثر من نصف ساعة حتى تصل إلى أية حافلة أو مركبة، في الأيام الأولى كنت أعدّ حجارتها وأعتقد أن الرقم الأول كان (36000) قطعة حجر لكنني شككت في الرقم وبدأت العد من جديد، كانت تلك محاولة لاكتشاف المكان والتأقلم معه، فقد كانت العلاقات جديدة، أجساد الناس مختلفة، وبشرتهم مختلفة.
وكان مركز المدينة ملتقى لكل الجنسيات السائحة في العالم، وكأن في المنطقة سحراً، أو طاقة تشدهم إليها، وبمجرد وصول السائحين من الأزقة حيث تصب قوافل السواح فيها، كانوا يتخففون من ثيابهم ويستلقون على الأرض.
يعاود معلا حديث ذكرياته وكأنه يتنفس الأمكنة ويجوب أزقتها، لا أن يسرد سيرته على مدارجها، يقول: أتذكر أني رسمت جميع الأبنية التاريخية والمداخل والنوافذ التي تحيط بالساحة، وكنت أجلس في أحد أطراف الساحة لأرسم ما يقارب 6 إلى 7 ساعات يومياً.
ثم بدأت علاقتي مع كراج الباصات والقطارات ومع آخر باص كان لي هناك كنت اكتشف كامل المنطقة والمدن المجاورة بما فيها مدينة دافنشي العظيم وهناك حاولت اكتشاف الناس أكثر بتكرار بعض الأسئلة عليهم حول ليوناردو دافنشي.
وفي إحدى الزيارات التقيت فلاحاً بمدينة فنشي وبادرني القول إنه يعرف أن قصدي هو زيارة متحف الآلات الحربية والجسور لليوناردو، وأضاف لي أن الحديث معه أبلغ وأجمل وأكثر واقعية من الذهاب إلى المتحف.
وبالفعل تشبثت ذلك اليوم بمشهد حقول اللوز الشاسعة، وحاولت اكتشاف المنطقة وأنا أتأمل تلال توسكانا البديعة وحقول العنب حتى كدت أن أفوّت الحافلة الأخيرة التي تحملني إلى (سيينا)، ويرى المعلا أن ما شده في (سينيا) هو شيء مشترك نتغنى به في أشعارنا ونحتفي به في حياتنا وهو (الفروسية) و (البلاديو) الذي يقام مرة كل سنتين.
هو سباق يجري في الساحة ويجمع فرسان جميع أحياء المدينة، هو سباق حتى النفس الأخير، والبلاديو هو أهم الأحداث التي تعيش عليها مدينة سيينا، حيث ترى الفرسان وأعلام الأحياء وصور الخيالة، وتجد كل حيّ يفاخر بأبطاله، منذ تأسيسه وحتى اليوم، ويجري التحضير له بشكل مستمر.
حيث تقوم فرق الأحياء بقرع الطبول وهي ترتدي لباس القرون الوسطى وأعلام تلك الأيام وشعاراتها الخاصة، إذ إن لكل حي شكله أو شعاره المحدد، وكنت من أنصار حيّ البوم.
يتابع المعلا بحرارة واستغراق وهو يتذكر ذهابه إلى حي روميو وجولييت والتعرف على أعدائهم ومحبيهم والجدران التي لا تجد موقع حرف واحد عليها لكثرة ما ترك العشاق من كلمات، منذ أن تدلف إلى الحي وحتى تصل الشرفة التي كان يقف تحتها روميو.
يتوقف ويضحك قائلاً، أقصد طبعاً (صديقنا) روميو.
ويضيف أن أول معرض أقامه في إيطاليا كان بمناسبة مئة عام على ولادة الفنان الكبير تيسيان، الذي يقع بيته في جبال الألب شمال إيطاليا في بييفي دي كادوري.
ايطاليا متحف متكامل من شمالها إلى جنوبها، هكذا يراها المعلا وهو يقول إن الأشد لفتاً للنظر هو الطبيعة الإيطالية المبدعة تلك الصفة اللصيقة بهم والمتجلية في شتى مجالات الحياة ومختلف إبداعاتهم.
ومن إيطاليا إلى اسبانيا يحملنا المعلا، مأخذواً بنشوة الأمكنة ورعة الاكتشاف وبهاء الأرض، يقول: ايطاليا مكان عزيز على قلبي، إلا أن زيارتي المتأخرة لإسبانيا زاحمت إيطاليا كل المشاعر التي أكنها لها، فلم أكن أتوقع ان بداخلي هذا الكم من المشاعر الجياشة للتاريخ، واتجاه الفترة الأندلسية التي عرفتها من خلال الأدب والتاريخ.
هناك وقفت للحظة خارج التاريخ، حين كنت أتجول في قصر الحمراء أو في حقول الأرز اللامتناهية التي قام العرب الأوائل باستصلاحها. وفي كل المدن التي زرتها في إسبانيا.
والتي هي حظ السائح العربي المعروف، لا تمتلك إلا أن تقبل ظلال البيوت وأنت تسير في حر الصيف فمن أزقتها تفوح رائحة دمشق وأحيائها القديمة، وأزقة تونس والرباط وباقي المدن الشرقية التي خمرت بمغامرتها في فترة من الفترات، وخرجت عن مألوف العلاقات السياسية لتترك أثراً استطاع الانسان الاسباني ان يحافظ عليه بدقة ومحبة ليبقى شاهدا لكل من يحلم بالسفر إلى تلك المواقع.
وما يراه المعلا في الاسباني هو سبر واكتناه له وإدراك لمكوناته العميقة يقول: الاسبان شعب لا ينام إلا في فترة الظهيرة التي يسمونها (سييستا) وهي فترة مقدسة بالنسبة لهم ذلك أنهم متوسطيون حتى النخاع ولاتينيون في مرحهم وحبهم للحياة وملذاتها. وغالبا ما تجد الحياة في الليل أكثر من النهار ليس كسائح وانما بالتفاعل الذي تجده بينك وبينهم.
خاصة انهم قبلة ومحط ليس العرب فحسب وانما كل اميركا اللاتينية التي تتكلم الاسبانية والتي تجدها بكثافة تؤم القارة الايبرية ويضيف: شوارع مدريد، شوارع رحيبة تعيد إلى الذهن رحابة الامبراطورية الاسبانية وبريق الذهب الذي كان يتوافد اليها من كل انحاء العالم. ولعل أكثر ما يجعل المشاعر تتأجج حضورك لحفلة من حفلات الفلامنكو بأصواتها الرخيمة الحزينة ورقصاتها التي تدق الأرض، وعنف الجسد البشري وهو يخرج عن صمته وحيائه.
يتابع بشاعرية افاضت من الأمكنة التي تنساب من الذاكرة كمشهد حي قائلاً: من القطار تشاهد الأراضي التي تشبهك في كل شيء. ومن احدى نوافذ قصر الحمراء العالية تطل على مدينة غرناطة، وكأنك تقف في قاسيون.
ثم يأخذنا معه الى مدينة اخرى ونكهة اخرى حيث يهبط هذه المرة في باريس. يقول: في باريس يختلف الأمر، اذ تنتابك مشاعر على صلة بالحرية مجرّد أن تحط عجلة الطائرة، ومع أول خطوة على أرض باريس تشعر أنك أحد الذين ساهموا في تكوينها، ومع أول فنجان قهوة ترتشفه مع اطلالة الصباح وغبش الزجاج الشتائي، تسمع أصوات الجرائد وهي تتقلب بين أيدي المثقفين وفي باريس كل الناس مثقفون.
ثم يذكر قضاءه فترات طويلة في متاحف باريس الشهيرة وتجوله في حواريها وأزقتها سيراً على الأقدام وهو يلتقط الصور للأماكن والزوايا فيقول هناك في كل زاوية تاريخ مبدع وجرائد سارتر مازالت ملقاة على طاولته المخصصة له أمام المسرح.
ثم يتحدث عن تجواله الحرّ بين الدول الأوروبية دون أن يسأله أحد عن تأشيرة دخول.
وهو يشعر بمرارة وغصة كلما تذكر الحدود بين الدول العربية، ثم يعرج على رومانيا وعلى مدينة بوخارست التي كانت خارجة من الزمن الاشتراكي إلى زمن الليبرالية، حيث يقول: في بوخارست قادتني ناقدة فنية فقدت بصرها، بسبب المرض للتعرف على معالم بوخارست القديمة، وكانت تدلني على المواقع الأثرية التي هدمها تشاوشيسكو وكانت تشير باصبعها على المواقع وكأنها تراها بحرقة ما بعدها حرقة.
ثم يذكر كيف التقى هناك بالعديد من الفنانين والمبدعين الذين عاودوا عرض نتاجهم الذي كان ممنوعاً في زمن تشاوشيسكو وتحدث عن لقائه بالنحات الشهير (غاغا) الذي كان يعاني مرض السرطان، لكن وجده يعمل بحماس وقوة، على الرغم من معرفته بأنه لن يعيش أكثر من شهر.
ومن رومانيا إلى طهران يتذكر المعلا عشقه للمدينة وأسفه لعدم تمكنه من القاء بحثه الذي فاز به على 80 باحثا في أنحاء العالم، لعدم وجود مترجم آنذاك، ثم يعرج بنا إلى مصر تلك التي فقد فيها الإحساس بالزمن، واختلط المعاصر بالماضي في خان الخليلي والأزقة الخلفية لمسجد الحسين.
وعلى شاطئ الإسكندرية التي رأى فيها نوافذ اللاذقية وطرابلس تشبه بعضها البعض وأن الصيادين الذين يرتقون شباكهم هناك، يتحدثون ذات الهموم وتلفحهم ذات الشمس ويمارسون ذات العشق للمتوسط الذي لا يستطيعون الابتعاد عنه.
ومن المغرب إلى تونس إلى اليمن ثمة حكايا كثيرة تتقافز إلى ذاكرة المعلا إلا أنه ثمة شيء لا يستطيع تصديقه حتى الآن وهو أن الذي بنى صنعاء القديمة هم الناس، والمعلا يقول:
أعتقد أن قوة من الجن كانت تساعدهم، إنها عبقرية أن تتحدى الجاذبية، وأن تحاول مد بصرك إلى أبعد مدى ممكن، ويرى أن هذا ما يفسر أن الأب في العائلة كان سكنه في الطابق الأعلى، وأنه كلما زوج ولداً كان يبني طابقاً ليرتقي من جديد إلى الأعلى.
ثم يتذكر على شاطئ رامبو في عدن، أشعار ذلك المتمرد والمغامر وعلى شواطئ مدينة زوارا في ليبيا، محطة المياه المعطلة منذ سنوات طويلة، كي يهجر البربر مدينتهم، ويضيف المعلا: هناك سمعت لأول مرة عبارة « العربي اسمع له ولا ترد عليه».
ويقول في النقاط الخمس وفي مدينة الوطيا التي سجلت أعلى درجة حرارة في العالم عرفت معنى أن يكون الإنسان وحيداً في صحراء ليس بها أكثر من أفاعي الكوبرا، وعلى شواطئ مدينة صفاقس عرفت معنى العمارة المتقشفة ومعنى كلمة المدينة المغلقة بأسوارها على العالم الخارجي والمنفتحة على ذاتها.
ثم يحط المعلا رحاله من سفر الذاكرة وتجوال الروح وأنفاس المسام متذكراً الدار البيضاء وروعة تلك المدينة وزواياها الصوفية وطقوسها السرية.
اسماعيل الرفاعي:


