البدايات كانت هناك، عند مضارب الطفولة، وسط عائلة استأثر ذكورها بحق المعرفة والاطلاع، لم يكن الوضع يشي بالقمع والتسلط، لكن للزمن قوانينه آنذاك، وللتقاليد سطوتها المألوفة على عقل الإناث في حقبة الستينات.
أستاذة علم الاجتماع كانت على موعد مع شغف القراءة المبكرة، وكان القرآن الكريم والكتب المدرسية الأكثر تأهيلاً للقراءة العلانية. ولم يدخل الحرمان من تصفح كتب أخرى ضمن ما يسمى بالحجر على التثقيف قدر وجوده في سياق تخوف برره اعتقاد سائد بأن القراءة غير التقليدية تعني مزيداً من التحرر والانفلات، ما دفع الأم، بوصفها راعية البنات، إلى إحكام الحصار على بناتها خوفاً من اتهامهن بأنهن «تربية امرأة» وزاد من وطأة هذا الارتعاب من القراءات المتفتحة الخوف من التأثر بأخلاقيات الآخرين المسطورة في القصص والروايات.
لكن رغبة الطفلة موزة غباش وإصرارها الدفين على المعرفة جعلاها تلجأ إلى شقاوتها في مواجهة هذا الخطر، فكانت تنتبذ الأماكن المظلمة، مستخدمة كشافاً صغيراً، ليعينها على اقتناص المتعة المعرفية في كتب يوسف السباعي وإحسان عبدالقدوس، وبعض المجلات المصرية، وروايات الجيب.
وحين نصل في حديثنا مع الدكتورة موزة غباش إلى الأساس الذي بنيت عليه مكتبتها التي وصلت محتوياتها قرابة الخمسة آلاف كتاب، قالت:
حبي لعلم الاجتماع فتح لي آفاقاً من المعرفة الغنية بالبشر وما دمنا ذكرنا كلمة البشر فأنت على أبواب عالم منيع لا ينضب مهما اقتنيت له من كتب ومراجع، لذلك كانت نواة المكتبة حكراً على كتب علم النفس، وأخلاقيات الناس وسلوكياتهم وحياتهم، إذ كنت أهيئ نفسي لرسالة الدكتوراه.
وعندما التحقت بكلية الآداب جامعة القاهرة تأثرت كثيراً بالمثقفين هناك، وكان علي أن أجاريهم ما دمت اخترت صحبتهم، وكان هذا العامل من أكثر العوامل المؤثرة في اغناء مكتبتي، فقد كان لزاماً علي أن أسارع إلى مواكبة الوعي وترسيخ التكوين الذهني ومراكمة المعرفة.
وتواصل غباش قائلة: لكن عليك أن تعرف أن إلحاق مكتبتي برواق عوشة بنت حسين ساعدني على إثرائها، فعندما عرف الجميع الرسالة الحضارية التي تبناها الرواق انهمرت الكتب من مكتب الإنماء في الأمم المتحدة، وكثير من المنظمات العربية والدولية التي أتحفتنا بالعديد من إصداراتها المهمة، أيضاً لا أستطيع أن أنكر الدور الفعال الذي قام به الأصدقاء والمقربون والمتواصلون مع أنشطة الرواق.
وتعترف موزة غباش أن عشقها لعلم الاجتماع جعلها تدفع الثمن غالياً، إذ تقول: حبي للناس، كما ذكرت، أخذني بشغف إلى معرفة نفسياتهم، ونظرتهم للحياة، والآلية التي تحكم ذهنياتهم المختلفة، لكن كل هذا فاجأني في نهاية الأمر بمستويات قبح لا تصدق، فمن الصعب أن تطعن في حب أنزلته من علياء القراءة المعمقة إلى من سهرت الليالي كي تتواصل معهم.
لذلك تظل مكتبتي هي السند العاطفي والنفسي ضد نوائب الزمن. إنها صومعتي التي تحميني من جرح الروح، وكذلك تضميده أحياناً، لقد خُدعت كثيراً من طباع الناس، وتجرعت المرارة والأسى من جراء تصرفاتهم.
وترى صاحبة الرواق انه لا يوجد كتاب سيئ في حياتها، حتى لو كان يتعارض تماماً مع قناعات قارئه، فثمة أفكار طالعتها، وثمة تحريضات واستفزازات حدثت لعقلي، فأين السوء في هذه الحالة؟
لكن إذا أردت معرفة ما هو سيئ بالنسبة لمكتبتي فهو الإعارة التي أفقدتني كتباً مهمة، وهذا جانب آخر غيّر نظرتي للناس، باختصار لم أعد كريمة كما كنت في الماضي.
وفي جولة تصفحية لمحتويات مكتبة موزة غباش لاحظنا عدداً كبيراً من الكتب والمراجع الانجليزية التي تصب جميعها في علم الاجتماع، ذلك أن غباش ترى أن هذا العلم يتطور ببطء في العالم العربي، وأن الغرب لا يزال يضخ إصداراته في هذا السياق، وإن كان يبدو أنها كتابة على كتابة.
ورغم وجود بعض الكتب عن الكمبيوتر والاقتصاد، ودراسات عديدة عن مجتمع الإمارات، والمجموعة الكاملة لقصة الحضارة لمؤلفها دورانت، إضافة إلى سبعين جزءًا للموسوعة العربية التشريعية للاستثمار في الوطن العربي.
وكذلك مجلدات كتاب المنازل والديار للقائد الإسلامي أسامة بن منقذ، رغم كل هذا، إلا أن الملفت حقاً توافر كم هائل من كتب التراث العربي والإسلامي.
وجاء التفسير على لسان غباش التي أكدت أن علم الاجتماع، بوصفه ملاصقاً للبشر، يحتاج لعصارة الحكمة وخلاصة الفهم للطبيعة الإنسانية، وهي أشياء تجدها منثورة بكثافة في كتب التراث ورجاله الحكماء، يكفي أن تقرأ نهج البلاغة للإمام علي بن أبي طالب تجد نفسك قادراً على قراءة ذاتك وذات الآخرين.
وقبل ان نترك رواق عوشة بكتبه الغزيرة طلبنا من الدكتورة موزة غباش أن تخاطب مكتبتها، فقالت: كوني سندي كما ابتغيت.
مجدي أبو زيد

