طموحها في نيل العلم لا حدود له، فمنذ طفولتها نشأت في بيت يقدر فيه الوالدان العلم، ويحترمان عمل المرأة كقيمة هامة في المجتمع، لذلك لم تكتف بالحصول على بكالوريوس الهندسة المعمارية من جامعة الإمارات عام 1992، و وجدت أن باستطاعتها أن تواصل تحصيلها العلمي لتصل إلى مكانة علمية أفضل مما نالتها مؤكدة لذاتها وللجميع من حولها أنه مازال في جعبتها المزيد.
ورغم تنقلها في أماكن متعددة لممارسة العمل سواء كان ذلك في أحدى المكاتب الهندسية الاستشارية، أو معيدة في الجامعة، إلا أنها وجدت أن قسم هندسة المشاريع وصيانة المباني في القيادة العامة لشرطة أبوظبي هو أنسب أماكن العمل على الإطلاق. ومن هذا القسم تحديدا انطلقت المهندسة نوال خليفة الحوسني إلى بريطانيا وتحديدا إلى جامعة نيوكاسيل لإعداد الماجستير والدكتوراه التي كانت الأولى من نوعها في العالم في مباني السجون، و لتعود ثانية إلى أرض الوطن عام 2002 وهي تحمل لقب الدكتورة نوال.
ثم تعاود الذهاب إلى عملها من جديد، لتتدرج في عملها خلال أربع سنوات تترأس قسم الإدارة الذي بدأت العمل فيه، وتصبح رئيسة قسم الدراسات والتصميم، ولتكون أيضا أول امرأة تتولى هذا المنصب. وعلى ما يبدو اعتادت الدكتورة نوال أن تكون الأولى في كل شيء فقد كانت أيضا البنت الأولى في مجموعة من الأبناء و التي تضم تسع بنات وثلاثة أولاد.وأصبحت الأولى في العالم بأسره عندما نالت شهادة الدكتوراه في (تصميم واجهات مباني السجون وإعادة التأهيل) حيث توصلت في دراستها إلى نتيجة هامة.
وهي تخفيض معدل استهلاك الطاقة في السجن بنسبة 14 % ولتثبت للجميع أنها محل ثقتهم، واستطاعت خلال فترة قصيرة أن تحقق إنجازا علميا سيفيد حتما البشرية فيما بعد، وأيضا كانت الأولى في دورة القيادات الأولى التي التحقت بها مؤخرا.
الأقدمية والمؤهلات
تقول النقيب المهندسة الدكتورة نوال الحوسني: توليت هذا القسم بحكم الأقدمية والمؤهلات الدراسية العليا التي حصلت عليها في هذا المجال، فقد عملت به في البدايات و كان قسما جديدا مستحدثا في الشرطة.
ثم تطور الأمر و أصبح أدارة وبعد حصولي على الدكتوراه توليت منصب رئيس قسم الدراسات والتصميم في ادارة هندسة المشاريع وصيانة المباني، وهذا القسم يختص بجميع التصاميم والدراسات لكل المشاريع الهندسية التي تقوم بها القيادة العامة لشرطة أبوظبي.
من انشاء مبان جديدة وصيانة مبان قديمة، واعداد المخططات ووثائق المناقصات اللازمة لكل ما يقوم به القسم من مشاريع، ويوجد في القسم الذي أتولى رئاسته عشرون موظفا منهم أربع مهندسات ومدخلة بيانات واحدة.
وبحكم عملي أشرف على ما يقوم به القسم وجميع التقارير لابد ان تحمل توقيعي، وأتابع بنفسي تلك المشروعات على الواقع العملي فبل أن أوقّع بالموافقة، وللعلم أيضا فقد درست دورة عسكرية للحصول على دبلوم العلوم الشرطية.
ثم التحقت بدورة قيادات للترفيع الى رتبة رائد، وكانت التجربتان مثيرتين للاهتمام فقد تعاملت مع مجموعة كبيرة من البشر وهذا ما جعلني أكثر قدرة على التعامل مع طبائع البشر.
وفي الدورة العسكرية الثانية والتي حصلت فيها على المركز الأول لم أجد حساسية من الرجال المشاركين في الدورة لأنني امرأة، بل وجدتهم يقولون انني جديرة بهذا المركز بسبب انضباطي وقدرتي على التحصيل بشكل مناسب، بل وانهم حكموا علي منذ البداية بأنني سأنال هذه المكانة بسبب ما رأوه مني وما استمعوا إليه من مناقشات دائمة لي مع الأساتذة.
اختيار موضوع الرسالة
وتقول الدكتورة نوال الحوسني: عندما أردت إكمال دراستي العليا، وافقت الإدارة العامة لشرطة أبوظبي على طلبي، شرط أن تكون الدراسة خاصة بالمجال الذي أعمل فيه حتى تعم الاستفادة.
وكان قرار الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان بإدخال المكيفات إلى السجون، أساسا اعتمدت عليه الفكرة التي تبلورت في ذهني وهي كيف يمكننا أن نخفض استهلاك الطاقة، خاصة وأن تلك المباني أكثر استهلاكا للطاقة مما يكلف الدولة أموالا طائلة.
وذهبت إلى بريطانيا لاستكمال دراستي العليا وبدأت الدراسة في جامعة بليموث، ثم انتقلت لدراسة الدكتوراه في جامعة نيوكاسل وهناك قابلت المشرف على الرسالة.
وقد كنت أعرفه من قبل حيث كان أستاذي في جامعة الأمارات وهو الدكتور هشام القاضي وهو بريطاني من أصل مصري، وتناقشنا سويا في موضوع الرسالة خاصة، وأنني مؤمنة بأن الهدف من المبنى كعقوبة لابد وان يتوازن أيضا مع اعادة تأهيل السجناء، لأنهم رغم مااقترفوه من جرائم يعاقبون عليها يجب الا ننسى أنهم من الموارد البشرية وهم أيضا ضمن مسؤولية المجتمع.
وخلال البحث الذي قمت به ورد إلى ذهني الوصول إلى فكرة الدمج بين مباني السجون واستهلاك الطاقة، وناقشت المشرف على الرسالة على ما توصلت إليه فوافق على الفور، وعندما بدأت فعليا في جمع مادة الرسالة اكتشفت أنه لم يسبق لأحد في الإمارات أو في العالم بأكمله ان تطرق لهذا الموضوع.
حيث تناول من سبقوني موضوع الطاقة في المباني والمكاتب فقط، ولم يتناول أحد الطاقة في مباني السجون من قبل، وقد أخذت في اعتباري بجانب توفير الطاقة والمحافظة على البيئة العوامل الاجتماعية، خاصة وأن السجن لإعادة تأهيل المساجين.
مواصفات مبنى السجون
وضعت في اعتباري أولا أن معاقبة المخطئ لا تعني تعذيبه، وذلك بحكم أنه بالفعل هناك خطأ ارتكبه لذلك يقضي العقوبة التي أوجبها عليه القانون وفقد بها حريته إلا أنه في نفس الوقت أحد الموارد البشرية التي يجب أن نعتني بها لأنها تقع ضمن مسؤولية المجتمع، اذ لابد من توفير الراحة لهؤلاء السجناء مع ادخار استهلاك الطاقة التي نزود بها هذا المبنى .
وذلك من خلال تصميم واجهة مثالية نحدد فيها أبعاد النوافذ ونوعية الزجاج المستخدم كذلك أبعاد الغرف، وتغيير مواصفات الحوائط بالعازل الحراري واستخدام كل المواد التي من شأنها ان تعطي تبادلا حراريا قليلا للمبنى وهذا من شأنه ان يوفر الطاقة.
ولم أنس أيضا تحديد الأماكن التي ينبغي للسجين أن يمارس فيها أنشطته بحيث يتحركون في المبنى بشكل انساني مع توفير الطاقة في نفس الوقت، بمعنى أن يكون المكان مناسبا من ناحية الحرارة في ذلك الوقت الذي يمارسون فيه أنشطتهم. وقد توصلت في رسالتي إلى تخفيض نسبة استهلاك الطاقة بنسبة 14%.
واستطعت أن أنجز رسالة الدكتوراه خلال 3 سنوات فقط، ويعد هذا الزمن قياسيا بالنسبة للآخرين، وقد تم ذلك بعد أن وجد أساتذتي بعد قراءة متأنية للبحث الذي نويت تقديمه في البداية ان أحول رسالتي إلى الدكتوراه مباشرة، والحمد لله استطعت انتزاع اعجاب واحترام زملائي وأساتذتي وكنت نموذجا مشرفا لبنت الإمارات القادمة من مدينة خور فكان.
وتشير الدكتورة الحوسني إلى أن الفكرة التي كانت سائدة في جامعة نيوكاسل هي أن معظم الطلاب العرب غير جادين وذلك بسبب وجود بعض النماذج اللامبالية، والتي تستسهل الدراسة، لكن الفكرة تغيرت تماما بعد أحداث 11 سبتمبر.
حيث تحول بعدها عدد ضخم من الطلاب العرب إلى بريطانيا للدراسة، ومع وجود هذا العدد الهائل من الطلاب العرب الجادين فعلا في الحصول على شهادتي الماجستير والدكتوراه وبأسرع وقت ممكن، تغيرت النظرة إلينا وتحولت الفكرة السائدة عنا من سلبية إلى إيجابية.
وتقول الدكتورة نوال الحوسني: في الأصل تعودت ان أتحمل المسؤولية بحكم أني الابنة الكبرى، ودائما أشعر بأن الجانب الجاد في حياتي هو أحد سمات شخصيتي والتي أعتبرها قوية نوعا ما، وربما زاد هذا الأمر بحكم دراستي، ووظيفتي، إلا انني أفضل دائما أن أضع الأمور في نصابها الحقيقي، فهناك وقت للجد يجب ألا نخلطه مع الهزل، فلا يمكن أن يكون الإنسان على وتيرة واحدة طوال الوقت.
كما انني أمتاز بالوضوح وبالإلتزام، لكن أؤكد أيضا ان طبيعة العمل والزي العسكري يجعلاني أكثر التزاما، فمن المفروض ان أكون قدوة دائما، وألا أخالف القوانين، والآن أفكر ألف مرة أذا طلبت مني خدمة ما وأتساءل ما هو المقابل وهذا العمل الذي سأقوم به يتناسب معي كعسكرية أم لا ؟ فأصبحت حذرة بشكل زائد عن اللزوم.
وعن مشروع مبنى السجن الذي كانت الشرطة تتولى بناءه تقول: المشروع كبير ويتكلف حوالي 260 مليون درهم وهو في مرحلته النهائية وان شاء الله سنفصح عن تفاصيله بعد الانتهاء منه قريبا.
وعن عودتها للعمل في الجامعة تشير إلى أن العمل في الإدارة العامة لشرطة أبوظبي أنسب الأماكن بالنسبة لها، خاصة وأن هناك أهدافاً محددة واستراتيجية واضحة للقسم الذي تعمل به وهذا يجعلها تشعر بأن هناك تحديات كثيرة ومتجددة تقودها للإبداع دائما في مجال عملها المتغير بشكل يناسب الأهداف التي تسعى الشرطة إلى انجازها، وهي أيضا جزء من أهم أهداف الدولة.
إيمان قنديل


