مع اشراقة صباح كل يوم جديد، ينساب صوته عبر الأثير ليدغدغ اذان السامعين، ينقل شكواهم ويخفف آلامهم، معروف بنشاطه وحيويته.. ها أنت تجلس خلف مقود سيارتك تحتسي الشاي وتطرد بقايا النعاس عن عينيك.
بينما يأتيك صوته عذباً صافياً عبر اذاعة دبي مقدما لك الارشادات المرورية وخبراً طريفاً ينعش حواسك بابتسامة واسعة، أخلص لعمله فنال أوسمة المحبة من ألوف المستمعين، قلة هؤلاء الذين يتحدون هيمنة الصورة على المشاهد وينتزعون النجومية من خلف الميكروفون فقط.انها نجومية المعرفة واللباقة والتماس مع نبض الشارع وهمومه ومشاكله، نجومية الباحث عن وضع أفضل لأبناء وطنه، وأخيراً هي نجومية المشاكس مع الدوائر الحكومية والمؤسسات لإيضاح أمر ما يخص مواطنا أو مقيما على أرض الدولة.من هنا صنع راشد الخرجي نجوميته واستطاع أن يحفر اسمه في القلوب، لكن هذه النجومية لن تتأتى الا بعد مسيرة حياتية حافلة بالجهد والمثابرة والتنظيم، أو هكذا يفترض.
العودة إلى طفولة راشد الخرجي تأخذنا إلى إمارة أم القيوين، وإلى فناء بيت يلهو فيه الاخوة السبعة ـ راشد الثاني في الترتيب بين أشقائه ـ ووالد يعمل في تجارة المواد الغذائية والأدوات المنزلية.
هكذا في أسرة ميسورة الحال في وقت كانت في الحياة أبسط بكثير مما عليه الآن ، نشأ راشد الخرجي في اوائل عقد الستينات من القرن الماضي تحت شعار العلم أولاً وأخيراً، وهذا الشعار يفسر عدم اشتغال راشد أو أحد من اخوته في التجارة مثل والدهم.
بل كانت الخطوة الأولى في مدرسة الأمير، درس فيها المراحل الابتدائية والاعدادية والثانوية يوم ان كانت هذه المدرسة تحت اشراف الكويت على التعليم بين مدرسة الأمير وصحبة أولاد «الفريج» ترعرع راشد وتفتحت عيناه على الحياة.
كان هادئاً ملتزماً في طفولته وصباه، يحفظ عبارات والده عن ظهر قلب ـ أريدكم رجالا تحملون العلم كأجدادكم وتتحملون المسؤولية من الآن ـ نصائح الآباء لأولادهم كثيرة، وقد يؤخذ بها أو ينفضها الطفل عن أذنيه ليعيش طفولته.
لكن راشد وازن بين الأمرين، اقبل على الدراسة بشغف، ومارس جميع الألعاب سواء في النشاطات المدرسية أو مع الأصدقاء خارج المدرسة، لكن كانت هناك حدود وشروط وخدمها لنفسه، لا مشاكل مع الآخرين، هذه الحدود يحافظ عليها راشد حتى الآن في علاقته مع من حوله، ولم يحدث قط أن اغضب احداً أو العكس إلا في حدود بسيطة.
لاعب واداري رياضي
راشد الخرجي رياضي من الطراز الأول، مارس حراسة المرمى في كرة اليد وكان بارعاً في ذلك واستهوته اكثر من كرة القدم، ومع ذلك هو مشجع متعصب لنادي النصر حتى الآن.
ومارس الكرة الطائرة وكان لاعبا في فريق ألعاب القوى بالمدرسة، ووصل مع فريقه إلى نهائي ألعاب مختلفة على مستوى النشاطات المدرسية بالدولة، وشغل في نهاية الثمانينات منصب نائب مدير اللجنة الثقافية بالنادي العربي في أم القيوين، والغريب أن راشد الخرجي وعلى قدر حبه للرياضة وممارستها لم يشأ أن يمارسها كلاعب في الأندية وفرقها رغم سهولة الأمر.
لكن الاستغراب يزول عندما نعرف ان تقاليد العائلة لا تسمح بذلك، لتظل الهواية قاصرة على الممارسة في المدرسة والملاعب الخلفية في الأندية.
وللسباحة قصة طريفة يرويها راشد الخرجي وهو يضحك، فقد كان أكثر الأطفال خوفاً من البحر، رغم ان شواطيء أم القيوين كثيرة واللهو على رمالها يعتبر رياضة بديهية، غير انه كان يكتفي بالجلوس على الشاطيء يراقب اخوته وأصدقاءه وهم يسبحون في المياه ويقفزون هنا وهناك.
وفي إحدى المرات تآمر عليه الأصدقاء ودفعوه بملابسه الى الماء حتى يشجعوه على الانخراط معهم، وقد كان موقفاً لا ينساه أبداً اذ لحق به الأصدقاء الذين يجيدون السباحة ولم يتركوه إلا بعد ان تشجع وأصبح سباحاً مثلهم، هذه الواقعة جعلت راشد يلتصق بالبحر أكثر، ويخرج في رحلات صيد أيام العطلات، أما هواية الرحلات البرية والرماية فهذه قصة أخرى.
أحب راشد مادة الجيولوجيا التي كانت مقررة في المرحلة الإعدادية، ولأنه ابن بيئة بحرية وبرية في آن واحد راح يتفحص الصخور والأصداف البحرية ويتأمل فيها، كان يحاول تطبيق الدراسة النظرية على واقع بيئته، وما من رحلة برية يقوم بها مع الأصدقاء إلا ويقتنص الفرصة ليتمعن في التشكيلات الصخرية ومحتوياتها.
كذلك النظر الى السماء الصافية والتفكير في مواقع النجوم، أما الرماية وهي رياضة يمارسها في البر، فقد جاءت صدفة عندما عثر بين الأشياء الضيقة في البيت على بندقية تعود إلى جده، كانت من نوع يطلق عليه اسم «سجبة» وهي لصيد الطيور، وراح يتدرب على الرماية وحبها.
لكن حبه ازداد بعد ان قام جاسم بوعصية وهو صديق لوالده وجاره في الوقت نفسه بتدريبه وتشجيعه وتنظيم المسابقات ذات طابع التحدي، لقد وصل التحدي إلى إصابة إبرة على مرمى مسافة ليست قصيرة، وراح راشد يمارس الرماية بعد ذلك أثناء الرحلات وفي مزارع الأصدقاء.
إضافة الى ذلك كله فهو ممارس لرياضة الفروسية ويعتبرها مهمة جداً لمن يريدون انقاص وزنهم، والاستمتاع بجمال الخيول وارتباطها بالإنسان، خصوصاً عندما تبني علاقة مع أحدها أثناء التدريب.
عثرات في الطريق
مسيرة راشد الخرجي الدراسية والمهنية حافلة بالتحديات الكبيرة، والمفارقات العجيبة أيضاً، أما التحديات فقد وقع تحت ضغط عبارات والده مذكرة إياه بأن أجداده شيوخ علم وعليه الاقتداء بهم، سواء جده لأبيه أو جده لأمه عبدالرحمن بن عتيق، واجتهد راشد في دراسته ورغم اجتهاده مر بمرحلة قاسية عندما طبق نظام الشهادة الابتدائية لأول مرة وهو في الصف السادس، رسب راشد ولم يصدق نفسه.
لكنه حاول مرة أخرى ليحدث معه الشيء نفسه مع الشهادة الإعدادية، هنا فكر راشد بجدية في ترك الدراسة لولا تدخل عمه وأصدقائه، كانوا واثقين من ذكائه واجتهاده وحبه للتعليم، وقد كانت ردة فعله ايجابية بدخوله الجامعة وتخرجه من كلية الإعلام التي اختارها عن قناعة تامة بعد ان لعبت الصدفة لعبتها في توجيهه إلى الإذاعة وعشقها.
في طفولته التصق راشد بالمذياع وهو الوسيلة الإعلامية المتاحة والأكثر انتشاراً في ذلك الوقت، كان يجلس بالقرب من والده أمام المحل التجاري وقد تحلق الكبار من الجيران يستمعون للأخبار والأعمال الدرامية، علقت في ذهنه أسماء كثيرة من مذيعي إذاعة صوت العرب يذكر منهم ثائر حلاوة وسعادة عودة وغيرهما.
كان المذياع بالنسبة له شيئاً مبهماً يريد فك طلاسمه، بفتحه من الخلف باحثاً عن أصحاب الأصوات الصادرة منه، ويلهو بالمؤشر حتى تنقطع خيوطه، متسائلاً عن معنى الموجة القصيرة، وأي بلاد تعبر حتى تصل إليه، ومع ذلك لم يفكر مطلقاً أن يكون مذيعاً في يوم من الأيام، ومرت مراحل التعليم الابتدائية والإعدادية.
شارك في معظم الأنشطة لكنه لم يتقرب من مجال الإذاعة المدرسية، في الوقت الذي كان فيه شقيقه الأصغر عضواً في فريق الإذاعة يقف كل صباح أمام الميكروفون، ولما جاءت السنة الثانية في المرحلة الثانوية تغير مسار راشد الخرجي تماما ، فقد حدث ان مرض شقيقه خالد، وأوصاه بأن يخبر المدرس المشرف على الإذاعة ان يبحث عن بديل.
وذهب راشد مبكراً حتى التقى المدرس وأخبره بالأمر، فما كان من المدرس إلا ان قدم راشد بحجة ان لا بديل أمامه الآن، وجلس معه يراجع الاخبار وطريقة قراءتها، مشجعاً إياه ليتغلب على خجله وخوفه، وقد كان، برع راشد في التقديم، وانهالت عليه عبارات الإطراء عن المدرسين والزملاء، مادحين نبرات صوته المميزة والجميلة.
من هنا اختط راشد لنفسه نهجاً جديداً، وتغير مسار حياته وتعليمه بعد ان أصبح عاشقاً للعمل الإذاعي، التحق بجامعة الإمارات ليدرس الإعلام، لكن إذنه ظلت مع إذاعة دبي وبرنامج البث المباشر، يستمتع بأصوات وأداء علي سالمين وفارس قرعان وجاسم يوديث، إلى ان تخرج في عام 1987 ليختار بين وظيفتين، الأولى موظف في وزارة الإعلام بأبوظبي، وقد جاءته الموافقة من الدكتور عبدالله النويس، أما الثانية فهي حلمه بالعمل في إذاعة دبي ولكن عليه ان ينتظر الفرصة.
وكما يحب إذاعة دبي فقد أحبته هي الأخرى، وأفسحت أمامه المجال للعمل فيها، في الوقت الذي كان بإمكانه العمل في إذاعة أم القيوين، وهي قريبة من بيته مقارنة ببعد المسافة بين سكنه ومبنى الإذاعة في دبي، لكن فلسفته حتمت عليه الاستفادة من أصحاب الخبرة في إذاعة دبي، من يعمل في مجال الإعلام يتوجب عليه الاحتكاك والاستفادة من ذوي الخبرة.
ومن هذا المنطلق تبلورت شخصية راشد الخرجي الإذاعية بعد ان عمل مع صلاح عويس وعمر أبو سالم وعاطف حلاوة وسهير الحارثي.
زوجة من داخل الاستوديو
نجاحات ونجومية حققها راشد الخرجي، لكنه غير راض تماماً عن مسيرته الدراسية المتخصصة، كان يتمنى ان تكون دراسته للإعلام في جامعة أوروبية حيث الإمكانيات والتقنية الحديثة، والدراسة الإعلامية الشمولية التي تضع الإعلامي على المحك مع سائر الفروع، كما انه تمنى دراسة الإخراج بتعمق الى جانب المذيع.
وقد حاول مراراً العودة الى مقاعد الدراسة من جديد، لكن ظروف العمل اليومي والالتزام ببرنامجه حالت بينه وبين رغبته، اما على الصعيد الاجتماعي والعاطفي فراشد متزوج ولديه طفل أكمل السنتين سماه عمر، زوجته أمل محمد زميلة تعمل في تلفزيون دبي، وقد جمعهما أكثر من برنامج إذاعي قدماه سوياً.
وكما يرى راشد فإن الاقتران بزوجة تعمل في المجال نفسه يعطي فرصة أكبر للتفاهم والانسجام، ومساحة لتفهم الطرفين لبعضهما البعض، وأمل تعطي مثالاً لهذا التفاهم، ولها توجيهاتها الخاصة على طريقة أداء زوجها، لكن الحديث عن العمل لا يأخذ مساحة كبيرة في البيت حيث الشأن الحياتي والعلاقة الأسرية.
وعن رؤيته لمستقبل ابنه عمر واذا ما كان سيوجهه إلى الإعلام من عدمه يرى راشد ان هذا الأمر سابق لأوانه، ويضيف مبتسما بعد ان فطن لمغزى استفسارنا.
ان العمل الإعلامي شاق ويتطلب قدراً كبيراً من المحبة له قبل التخصص فيه، وأنا راض تماماً عن تجربتي مع انني كنت اطمح للمزيد، واذا رغب ابني العمل في المجال فهذا شأنه، وأنا لن أتدخل في اختياراته أبداً، وعموماً نحن لا نعرف ماذا سيحمل المستقبل من مستجدات في العلوم والتقنية.
رجل ضد الفوضى
عبدالله منزول مدير الشؤون بأم القيوين صديق قديم جمعته براشد علاقة دراسة وجيرة، يضع اصبعه على أهم ما يميز شخصية راشد، ويؤكد على ان مبدأ الألتزام مهم جداً في حياته الشخصية والعملية، هادئ لا يحب الأمور الفوضوية، لكنه صاحب نكتة وسريع البديهة، يعلق على الرسائل القصيرة بعبارات جميلة.
كذلك تعليقاته الساخرة على أي مشهد أو موقف تتعرض له المجموعة، يحب الرحلات البرية بشكل خاص، والتنقل باستمرار بشكل عام، لا تمضي عطلة الأسبوع إلا ويقترح وجهة جديدة تقضي فيها العطلة المقبلة، وكنا إذا خرجنا إلى رحلة برية نرفض تناول الوجبات الجاهزة، وكان لزاماً علينا أن نحضر الطعام بأنفسنا.
وراشد يحب الإشراف على كل شيء بما في ذلك الطهي، وإذا حدث وقام بإعداد الطعام فأقل شيء يقال أن من لديه الرغبة في الأكل وجائع جداً ليتحمل ويأكل، لكنه يظل صاحب الروح الخفيفة والمقالب الظريفة، ذات مرة وهو يقدم الأستديو المباشر عرج على ذكر اسم صديقنا محمد الذي كان يعمل مدرساً.
وقال «ايه.. صاحبنا محمد الآن يتجول على شواطئ الفجيرة ويستمتع بوقته.. هنيئاً له»، وانهالت المكالمات على محمد تسأله لماذا يترك الدوام، مع أن الرجل كان على رأس عمله، هكذا هي مداعبات راشد الخرجي مع أصدقائه، ويحسب له أنه لا يغضب من أحد، لأنه في الأساس لا يقوم على مضايقة الآخرين، ويحافظ على علاقة الود والاحترام بينه وبين الأصدقاء، هذه ميزته التي عرفها فيه من أيام الصبا وحتى الآن.
متصالح مع نفسه
أحمد إبراهيم الذي تربطه براشد علاقة صداقة قديمة متجددة، يراه شاباً كثير الحركة يحب التنقلات والرحلات، مرحا ومقبلا على الحياة، كارها للأساليب الملتوية وكتوما جداً على أسراره الخاصة.
لا يتحدث عن نفسه أبداً ويترك الآخرين يقيمون شخصيته من خلال أفعاله، ولهذا أراه مسالماً لأبعد حد ويكره الصدامية، وهو مثال للإنسان المتصالح مع نفسه ومع محيطه، جمعتنا رحلات برية كثيرة وهو محب لها، كذلك رحلات سياحية إلى ماليزيا وغيرها، يهتم بالتفاصيل الصغيرة أثناء الرحلات.
ويحاول الاستفادة معرفياً وثقافياً من التراث الشعبي للبلدان التي يزورها، أما الجانب الرياضي في شخصيته فهو عاشق لنادي النصر، يشجعه منذ فترة طويلة، ويحرص على متابعة مبارياته إما في الاستاد أو عبر شاشة التلفاز، ورغم حبه الشديد لناديه إلا أننا لم نشعر بتعصب مبالغ فيه أثناء النقاشات حول المسائل الرياضية، وعلى مستوى الممارسة فهو من الرماة الممتازين، ويمارس الرماية كلما سنحت له الفرصة.
راشد الخرجي مثال للإعلامي الملتزم بمواعيد العمل، جمعتني به أحداث كروية كنا نغطيها سوياً، كان أول المستيقظين صباحاً، يقرأ الصحف ويتابع آخر الأخبار حتى يلملم مادة الرسالة التي كنا نبعث بها من البحرين أثناء تغطية أحداث دورة الخليج، هكذا يبدأ صلاح تهلك شهادته عن زميل العمل والصديق راشد، منوهاً بأنه يحب العمل أكثر من أي شيء آخر.
ومن الطرائف التي أتذكرها، الرسالة التي كان يبعث بها من البحرين، فقد كان ينهيها دائماً بذكر اسم المخرج محمد حسن، مع أننا نكون نائمين أثناء كتابة راشد للتقرير بما فينا المخرج.
أما المخرج محمد حسن فيثني على أخلاق راشد وسرعة بديهته، ويذكر أن راشد التحق بالعمل في إذاعة دبي وعمل معه شخصياً منذ عام 1987، كان مواظباً على الحضور في المواعيد المحددة.
مؤكداً على انه كان محظوظاً بالعمل مع كوادر إعلامية متميزة، وقد استفاد راشد كثيراً من ذوي الخبرة الذين تعامل معهم واحتك بهم، وقد كان حريصاً على فهم أدق التفاصيل الخاصة بعمله، لا يستحي من السؤال أبداً، ولذلك أصبح مذيعاً متألقاً حجز مكانه بكل اقتدار.
أما على المستوى الإنساني فهو كريم، دمث الأخلاق، يحافظ على علاقاته الاجتماعية ويحرص على أن يكون الاحترام المتبادل بينه وبين الآخرين هو صلة الوصل، حتى في جلسات السمر يختار كلماته بكل دقة وعناية حتى لا يغضب منه أحد، ومع ذلك فإن مداعباته تنال الرضى والاستحسان عند كل أصدقائه، فلا تجريح لأحد في عباراته، وعندما يشعر بأن الحديث قد اتخذ جانباً آخر فهو لا يشارك فيه خشية من الانزلاق في مهاترات لا تفيد.
عز الدين الأسواني

