مع سرعة إيقاع العصر الحديث تدخلت التقنية في إعادة صياغة الكثير من طرق تعاملنا مع أنفسنا ومع الآخرين، وإذا وقف الكبار الأولون موقف المتضرر مما يحدث لذاكرتهم التراثية والشعبية من قبل مستجدات العصر فعلينا أن نحترم موقفهم، لكن أجيالاً من الشباب خرجت إلى أحضان الآلة لا تعرف سواها.
وأجيال من الأطفال نشك في قدراتهم على التواصل مستقبلاً مع موروثهم الشعبي استناداً إلى تجربة جيل سبقهم يجهل التراث إلا قلة قليلة ما زالت تتشبث بمعرفة أساليب معيشة الأجداد وألعابهم وأمثالهم المغلفة بالحكمة.
غير أن الصراع بين القديم والجديد هو صراع أزلي لا ينكره عاقل، وتظل المقارنة بينهما ظالمة إلى حد بعيد. هذا موضوع يخص أطفال الوطن، يستعرض جذور الألعاب الشعبية في الإمارات وأنواعها وكيفية ممارستها، وسبل المحافظة عليها.
كنا نبحث عن رجل صاغته الفنون، محب لها بقدر عشقه للموروث الشعبي ومسيرته الطويلة في خدمة المجالين، هو رجل ينتمي بسنه إلى الزمن الجميل، لكنه غير متعصب لذلك الزمن بقدر امتلاكه للحجة والمنطق في طرح الأفكار، عبيد راشد بن صندل، تاريخ من المشاركات الفنية والرياضية والتراثية على مستوى الدولة وبلدان الخليج، اخترنا جانباً من اهتماماته التراثية الذي أفرد له حيزاً من الكتابة بين مؤلفاته: الألعاب والأهازيج الشعبية في الإمارات، إضافة إلى إشرافه على بيت الألعاب والمأثورات الشعبية في منطقة المريجة بالشارقة.
عبيد بن صندل شعلة نشاط لا تعرف الكلل أو الملل، يتنقل بين مجسمات الألعاب شارحاً اللعبة والمواد المصنعة منها وطريقة اللعب، سألته عن تاريخ هذه الألعاب وما إذا كان لها مثيل في بلدان أخرى فقال بنبرة واثقة:
اللعبة في أي مكان هي إفراز للبيئة، وإذا كانت هناك ألعاب مشابهة في بلدان أخرى فثق أن البيئة أيضاً متشابهة، وأعطيك مثالاً حياً من داخل الإمارات، فنحن لدينا ألعاب تمثل البيئة البرية ويلعبها الأطفال المقيمون في الصحراء، ولدينا ألعاب تمثل البيئة البحرية .
وهي القريبة من البحر، أما تاريخ الألعاب فهو غير دقيق بالمرة، ولا نستطيع أن نعطي زمناً لظهور لعبة معينة، فالألعاب الشعبية متوارثة عبر أجيال متعاقبة، وقد يحدث أن تستجد لعبة لكن استمرارها مرهون بمدى انتشارها بين الأحياء ومدى حب الأطفال لها.
أطفال يصنعون ألعابهم
عبيد بن صندل شخصية متحمسة لماضيها، رحت أشاكسه بسؤال عن رأيه في اندماج أطفال اليوم مع الألعاب الإلكترونية الحديثة، في حين انه ما زال منتصراً للألعاب القديمة، وبهدوء شديد يفرق بن صندل بين ممارسة الألعاب ومعرفتها، يقول:
إن كنت متحمساً للماضي فأنا أنتصر للأصالة، ويحزنني أن أرى الموروث الشعبي لبلدي موضوعاً على الرف في المتاحف، نحن ننادي بأن يدخل التراث إلى المناهج التعليمية في المدارس لتتعرف الأجيال على ماضيها وإرثها الشعبي، نحن ننادي بالمعرفة فقط، أما أن يمارس أطفال هذا الزمن الألعاب الحديثة فهذا أمر طبيعي، لكن إن سألتني عن الفارق بين الألعاب الشعبية والحديثة فالفارق كبير جداً، الألعاب الشعبية كان يصنعها الأطفال بأنفسهم، كل طفل أو طفلة يصنع لعبته ويتفنن في أن تكون الأفضل والأجمل بين ألعاب الأقران.
والجميع يحافظ على ما صنعه ويستطيع إصلاحه إذا ناله عطب، ومن هنا تأتي محبة الطفل للعبته وارتباطه بها، كذلك إعمال عقله وذكائه في ابتكار شيء جديد يضيفه للعبة، ناهيك عن المجهود الذي يبذله الطفل في البحث عن المواد التي يحتاجها لصناعة لعبته، أرى شيئاً من ذلك يحدث الآن، وليراقب كل واحد منا طفله.
وهو يتعامل مع اللعبة الحديثة، وكيف يقذفها هنا وهناك ثم يحطمها ويسأل عن لعبة جديدة، أما الأمر الثاني وهو الأخطر والأهم، فإن من بين الألعاب الشعبية ما تمارسه الجماعة، أي لعبة جماعية يشترك فيها أكثر من شخص، وهذه النوعية من الألعاب تخلق الترابط والانسجام بين الأطفال.
وتنمي فيهم روح الجماعة والتعاون، فأين هذا في ألعاب اليوم، فكل طفل يلهو بلعبته وحيداً، وكثيراً ما يتشاجر الأطفال عندما يعتدي أحدهم على لعبة صديقه، أما ألعاب الكمبيوتر فحدث ولا حرج، فهي تأخذ الطفل من أصدقائه وأسرته ومن نفسه أيضاً، أنا لا أهاجم الألعاب الحالية ولكن فقط أوضح الجوانب الإيجابية والسلبية وعلى كل إنسان أن يقيم الوضع بمعرفته.
توقفت أمام عربة مصنوعة من الصفيح وضحكت، كنت مغرماً في صغري بصناعة مثل هذه العربات لنفسي ولأولاد الجيران، والحق أنني وجدت نفسي متفقاً عاطفياً ووجدانياً مع رأي عبيد بن صندل، لكني أردت استفزازه واستفزاز نفسي عندما حدثته وأنا أضحك عن عربات بألوان زاهية وأحجام مختلفة تتحرك عن بعد بالريموت كنترول، فهل نحن قادرون على إقناع طفل بعربة من صفيح كان يلعب بها مثيله في الماضي؟
غير أن بن صندل بسعة أفقه وثقافته يتخطى حاجز الاستفزاز ضارباً مثلاً بوسائل المواصلات القديمة والحديثة والفارق بينهما، نحن نقرأ في تاريخ الأسلاف ونتعرف على طرق معيشتهم ولم نرها بأم أعيننا، نحن نستخدم وسائل المواصلات الحديثة لكننا في نفس الوقت نعرف أن الجمال هي وسيلة مواصلات الأجداد، وقياساً على ذلك يجب أن يتعرف الأطفال من خلال الألعاب الشعبية على تاريخ أجدادهم منذ الصغر، وهذا ما نطالب به، فقط أن تتعرف الأجيال الجديدة على موروثها الشعبي.
يد واحدة لا تصفق
عند هذه النقطة تحول الحديث إلى سؤال شخصي لعبيد بن صندل عن دوره ومجهوداته لتحقيق هذا الغرض، فقال: اليد الواحدة لا تصفق، وهذا الموضوع يحتاج إلى مؤسسات حكومية للنهوض به، وأعتقد أن وزارة التربية والتعليم يمكن أن تلعب دوراً مهماً في تعريف الأجيال بموروثهم الشعبي.
والأمر لا يتطلب أكثر من إضافة مادة على المنهج الدراسي لتنتشر المعرفة بين الجميع، أما عن مجهوداتي الشخصية فأنا أحاول أن تكون مؤلفاتي جميعها حول التراث والمأثور الشعبي، إضافة إلى أننا في بيت الألعاب ننظم الدورات للأطفال والشباب، نشرح لهم الألعاب، ونشرف على ما يصنعونه منها، ونشكل فرقاً رياضية للمشاركة في المناسبات والفعاليات الثقافية.
ولا يخلو مهرجان واحد من تقديم فقرات للألعاب الشعبية الفردية والجماعية، ونراعي في مواعيد الدورات أن تكون مناسبة لأوقات الدراسة حتى لا يتشتت الطفل بين الاثنين، ونكافئ الطفل المجتهد في دراسته والمواظب في نفس الوقت على عضويته في الفرق الرياضية، كذلك أشرف على المسابقات التي ننظمها بشكل دوري على مدار السنة للمنافسات البحرية، أما طموحي فهو العمل على جمع الموروث الشعبي في موسوعة شاملة تكون بمثابة مرجع للباحث وطالب العلم والمعرفة.
وأود في هذا المقام أن أشكر صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة على جهوده في الحفاظ على التراث والموروث الشعبي، ومنحنا مكاناً في متحف إحياء المأثور والموروث الشعبي بمنطقة «المريجة»، هذا المكان الذي يشهد إقبالا من الأطفال الإماراتيين من بينهم من فضل بعد إنهاء الدراسة تعليم الأطفال الجدد على كيفية صناعة الألعاب الشعبية.
عسكر وحرامية
أمام كل مجسم أو لعبة يضمها بيت الألعاب الشعبية يتوقف عبيد بن صندل شارحاً اللعبة وموضحاً أهدافها، تماماً كما هي الحال مع لعبة «عسكر وحرامية» التي تعود الشباب على حماية ممتلكاتهم وأحيائهم ممن يريد بها السوء، وهي تربي الشباب على الرجولة والشهامة والذود عن حدود الوطن، وفي هذه اللعبة يتجمع الشباب في مكان واسع بالقرب من «الفريج» .
ويؤخذ من كل «فريج» مجموعة وتبدأ اللعبة بانطلاق اللاعبين إلى أحيائهم ويتخفون مترصدين للاعبي الأحياء الأخرى حتى يمسكونهم، وتبدأ عملية الكر والفر وربما تتطور الأحداث إلى شجارات ويتدخل الأهل لفضها في الحال، أما لعبة «الضرابة بالعصي» فهي أيضاً تعلم الشباب كيفية التعامل مع الأعداء وتكسبهم المهارة وسرعة البديهة.
وهي لعبة جادة إلى حد بعيد باختيار المناطق الخطرة للضرب، وتمارس اللعبة بين اثنين وتبدأ بالمناوشات الخفيفة بعصي من الخيزران مصبوغة بالحناء مع وجود حكم يقرر من هو الفائز في النهاية، ومن لعبة «ربيعنا أو ربيع القوم الحمرا» يتعود الشباب على قوة التحمل الجسمانية والصبر والنفس الطويل، وتلعب في أرض رملية خالية من الرطوبة وتحتاج إلى «وزار أو غترة» .
حيث يتقدم أحد اللاعبين ويغطي وجهه، ثم تحفر له المجموعة حفرة ويضعون رأسه فيها ثم يردمون الرمل عليه ويسألونه «ربيعنا أم ربيع القوم الحمرا»؟ فيجيبهم «ربيع القوم الحمرا»، فتعود المجموعة بإضافة الرمال فوق رأسه إلى أن يقول «ربيعكم».
هكذا يشرح بن صندل أهداف بعض الألعاب الشعبية التي كانت تمارس في السابق، وأنها لم تكن للتسلية فقط، وإنما لزرع روح المغامرة والمنافسة بين الشباب، كذلك اكتسابهم للشجاعة والصبر والقوة البدنية، ربما كانت بعض الألعاب عنيفة، لكنها تأتي في سياق بيئتها ومعطيات الحياة المعيشية آنذاك.
لكن كانت هناك أيضاً ألعاب للتسلية مثل لعبة التيلة وهي فردية تحفر لها ثلاث حفر بقطر 7 سم ومتوسطة العمق، وتبعد كل حفرة عن الأخرى مسافة متر، وتسمى الحفرة «كون»، أما التيلة فهي مصنوعة من الزجاج كروية الشكل، ويملك كل لاعب مجموعة منها ويشارك في اللعبة من اثنين إلى ستة لاعبين.
ويقوم اللاعب الأول بدفع التيلة بإصبع اليد الأوسط بطريقة التصويب باتجاه الكون الأول، وفي حال عدم تمكنه من إدخالها يلعب اللاعب الثاني، وفي حال اقتراب التيلة الخاصة باللاعب الأول يسأل اللاعب الذي يليه «تريد التيلة أم الكون»، فيقول مثلاً الكون، فيقذف الأول بالتيلة داخل الكون ثم يحاول بعد ذلك إصابة تيلة اللاعب المنافس.
وكلما أصاب اللاعب تيلة المنافس يأخذها. لعبة أخرى يمارسها الأطفال بعد أن يصطفون إلى جانب بعضهم البعض ويقفون في وضع الثبات، ويقوم لاعب من الخلف بالقفز على أكتاف اللاعبين كل واحد منهم على حدة بعد أن ينادي عليه «حديد ولا جريد» فيقول حديد، أي أنه ثابت وقوي ولن يتحرك أو يسقط، فإن تحرك أو سقط يخرج من اللعبة، وهكذا إلى أن يفوز الأقوى.
ألعاب البحر
أما سباق السفن فهو من الألعاب البحرية المقلدة لرحلات الآباء في عرض البحار، ويقوم كل متسابق بصناعة سفينته من مخلفات الصفائح وعيدان الخشب والقماش، وعادة تجري مسابقة لأفضل سفينة .
حيث يتفنن البعض في صنع المجسمات وزخارفها، وبعد أن ينهي عمله يقوم بطلاء سفينته بشحم السمك حتى تقاوم رطوبة الماء وتصبح أكثر سرعة أثناء السباق الذي يقام في البحيرة أو الخور تجنباً للأمواج، ثم تحدد مسافة معينة حسب اتجاه الرياح ويبدأ السباق بوجود حكم.
ومن الألعاب التي يمارسها الأولاد والبنات يذكر بن صندل لعبة «المريجانة» وهي لعبة يمارسها الكبار والصغار وخاصة الفتيات، حيث يقمن بربط حبل بين شجرتين متقاربتين، وتجلس الفتاة عند منتصف ثنية الحبل وتقوم الأخرى برفعها إلى الأمام والخلف.
ويمكن لفتاتين أن تقفا على الأرجوحة في وضع متقابل وتقومان بالدفع كل واحدة في الاتجاه المعاكس وسط أهازيج وأغان يقمن بترديدها، كذلك لعبة «وين دخل الديب» يلعبها الأولاد والبنات، ويقومون بعمل دائرة من اللاعبين بتشابك أيديهم مع بعضهم البعض.
واللاعب الذي وقعت عليه القرعة يمثل الديب ويحاول دخول الدائرة وهو يردد «وين دخل الديب» فتقول المجموعة «منى» إلى أن يستطيع الدخول مع عدم سماح اللاعبين له بالدخول، وإذا نجح في ذلك يقول «وين طلع الديب» فترد المجموعة «منا»، وإذا لم ينجح في الخروج وأمسكت به المجموعة يأخذ لاعب آخر مكانه.
لعب الفتيات
أما الألعاب الخاصة بالبنات فقط فهي كثيرة يذكر منها بن صندل لعبة الصفلة واللقفة والعرائس، ولعبة المحاماة التي تلعبها الفتيات داخل ساحة المنزل، حيث يجلسن جلسة القرفصاء واضعات أيديهن على أرجلهن ويكون الجسم مستنداً على أطراف أصابع القدمين، ثم يبدأن بالقفز مثل الكنغر وهن يحاولن رفع بعضهن والتلامس بالكتفين.
وعند وقوع إحداهن تخرج من اللعبة، وتقوم إحدى اللاعبات أثناء ذلك بالضرب على أرجلهن، وليس لهذه اللعبة وقت محدد، كما أن الفتيات يرددن الأهازيج والأغاني المناسبة لحركات اللعبة مثل «يمى يمى يمايا.. ولد العرب ما باه.. آبا ولد عمي من خنيره ورداه.. ما هد خطام الصفرا.. ولا ضيع عصاه».
ويقسم عبيد بن صندل الألعاب الشعبية إلى فئات منها ألعاب الشباب والتي تحتاج إلى قوة جسمانية ويمارسها من فوق عمر السادسة عشرة مثل لعبة «الهوسة» و«الهول» أو الدائرة، ولعبة «المعشال»، كذلك لعبة «التبة» والتي يمارسها عشرات الشباب فوق الثامنة عشرة، كذلك الحال بالنسبة للعبة «حبيل الزيين» ولعبة «هدوة المسلسل» و«سبعة شدد» وألعاب أخرى كثيرة.
أما ألعاب الأطفال فهي خوصة بوصة والخراريف والخال ولعبة الهشت وسيف من تخطاك والمقنع والغميضة، ولعبة الكركوان وموتر بودست وموتر بوعجل أو عجلتين وموتر بوعربانة، والألعاب التي يصنعها الأطفال من سعف النخيل مثل المراوح، كذلك لعبة الفروسية بسعف النخيل، ولعبة الدحروج، ولعبة الجمال بالكرب ويقلد فيها الأولاد الجمال بجمعهم كمية من كرب النخل على أن تكون قريبة الشبه من أشكال الجمال، ثم يقلدون الكبار بنقل الأمتعة على ظهورها.
ألعاب كثيرة يذكرها عبيد بن صندل، لكن هل مارس هذه الألعاب وهو صغير؟ يضحك بن صندل مؤكداً على ممارسته لهذه الألعاب وحبه لها، ويتذكر موقفاً في غاية الصعوبة عندما وقع في بئر وهو يلعب لعبة «الجمال بالكرب» فقد كان يقوم بسحب جمله المحمل بالأمتعة وبين حين وآخر ينظر إلى الخلف ليتأكد أن حمله لم يقع.
وإذا به يقع في بئر وراح يصرخ إلى أن جاءت والدته وراحت بدورها تستغيث، ولسوء الحظ إن اليوم كان يوم الجمعة والوقت هو صلاة الجمعة، وما من أحد يسمع نداءها، إلى أن جاء شيخ ضرير سألها أن تدله على البئر، لكن الرجل الضرير سقط بدوره وأنقذه من المأزق وظل داخل البئر إلى أن حضر الرجال وأخرجوه.
عز الدين الأسواني