أن تجوب العالم، وتنتقل من قارة إلى أخرى، ومن أرض إلى أخرى، يعني أنك في رحلة داخل نفسك أولاً، تتعرف على مجاهيلها، وكنوزها، ويعني أنك بصحبة الأكوان والأزمان، تبصر بعين جديدة، وتنبض بقلب جديد، أمام الاكتشافات الصغيرة والكبيرة، لجغرافية الأرض والإنسان، الذي تصافحه لأول مرة، وتتعرف على طبائعه، وحساسياته،ولكنته، وجمالياته، وتتذوق نكهة أطباقه.

وأنت تراقب هذا الزخم والغنى الهائل للموروث الإنساني والأثر العظيم الذي أبدعته الشعوب على اختلاف ألوانها وقاراتها. وتكتشف أن لكل بحر لونه الخاص، ولكل أرض رائحتها، ولكل طبيعة فتنتها، والتي تجتمع وتتوحد في بؤرة واحدة، هي روعة الأرض، وتنساب في الأوردة المتعطشة إلى الفتنة والسحر اللصيق بالطبيعة.ولأن السفر يعمق الأحاسيس ويطلق المشاعر، ولأنه جناح تحلق به خارج همومك اليومية، وأعباء عملك، وفرصة لإشباع العين والروح والمعرفة، آثرنا أن نلتقي الأستاذ الباحث عبدالعزيز مسلم، الذي كتب مراراً عن رحلاته والذي جاب العديد من دول العالم، مأخوذاً بدقائق الأشياء، وتفاصيلها الصغيرة، ومتتبعا اللكنات والعادات والمميزات الخاصة لكل شعب أو قبيلة أو مدينة زارها وتعرف على أهلها ومائها وهوائها.

بدأ المسلّم حديثه عن رحلاته، قائلاً: لا أعتقد أن هناك شيئاً قريباً إلى قلبي مثل السفر، فقد زرت العديد من دول العالم، وفي كل زيارة كنت أتعرف على أشياء جديدة، وأتعلم أشياء جديدة، ومن أكثر المدن التي زرتها، روعة وغرابة، هي زنجبار أو «أرض الأحلام» .

كما رأيتها، فزنجبار ساحرة بكل تفاصيلها، تجتمع فيها جميع الأطياف الدينية والعقائد والمذاهب في نسيج اجتماعي واحد ومتآلف دون أن تلمح أثراً للتزمت أو العصبيات، فهناك تجد البوذية والزرادشتية والإسماعيلية والشيعة والسنة بمذهبيها الشافعي والمالكي، بالإضافة إلى بعض المذاهب الصوفية المتداخلة مع طقوس ومذاهب دينية أخرى، حتى أنني ذهبت مرة لحضور حفل زرادشتي، بصحبة أحد الأصدقاء الزنجباريين المسلمين.

وقد عملت مسرداً للكلمات العربية السواحلية، فهناك نسبة كبيرة من الكلمات ذات أصل عربي، بالإضافة إلى التداخل والتشابه في العادات والفلكلور والذاكرة الشعبية، فعلى سبيل المثال، رقصة (الليوه) المعروفة عندنا، ترجع إلى زنجبار.

ويضيف.. مرة دعاني أحد المعمرين في زنجبار وهو ناصر بن أحمد المزروعي، وهو من أصول عربية، إلى (تَرَب) ولم أفهم بادئ الأمر معنى هذه الكلمة، وحين وصلنا إلى مكان في الغابة، وجدت الجميع في حفل غنائي واستمعت إلى العديد من الأغاني والألحان التي تشبه كثيراً الأغاني العربية إنما بلهجة زنجبارية (سواحلية)، وأدركت أن كلمة (تَرَب)، هي ذاتها (طرب).

ومن الأشياء الغريبة التي تذكرها عبد العزيز مسلم عن زنجبار، رؤيته الخاطفة لأحد الحيوانات الغريبة.. يقول: مرة كنا في غابة في منطقة (تانجا) فرأيت حيواناً يمر أمامنا بلمح البرق ولم أستطع أن أتبين ملامحه وسألت عنه فأجابني أحدهم بأن هذا الحيوان هو ( أنغاوا)، وله اسم آخر هو (زباد) وأنه أكبر من القط وأصغر من الكلب.

ولم أستطع تخيله، حتى رأيته محنطاً في أحد المتاحف، وعلمت بعدها بأن بعض الأغاني القديمة في الإمارات كانت تترنم بـ عطر الزباد، والذي يصنع من فضلات هذا الحيوان. كما علمت أن من طقوس الحيوان هو عشق شجرة واحدة، لا يترك فضلاته إلا عندها، وأن الكثيرين قد جعلوا من فضلاته تجارة لهم.

حيث يباع عطر الزباد في(لوق) وهو من محارتين مغلقتين على هذا العطر الرائع. وفي زنجبار أيضاً ترى نبات الهوغو الذي يشبه الموز المقشر والذي يؤكل نيئاً ومطبوخاً وتتنشق الرائحة الفريدة لأشجار الكينا والكاكاو والزعفران، ويؤكد المسلم مرة أخرى بأن زنجبار هي حقاً (أرض الأحلام).

ومن زنجبار إلى أرمينيا، يحملنا عبد العزيز مسلم على جناح ذكرياته وعن ينبوع العشاق في أحد شوارع أرمينيا ـ الذي ترتشف مياهه السحرية النقية وأنت تضمر امرأة ما أو حبيبة مرتقبة، حتى يحملها النبع إليك على شراع الأمنيات المحققة، والرغبات المستجابة.

يقول المسلم، في أرمينيا أنت في حضرة الجمال والروعة والناس الطيبين والعلاقات الطيبة والمشاهد الطبيعية الآسرة، ويضيف : الجميع هناك يحبون العرب، ومرة كنت أجلس مع أحدهم، فأخبرني حكاية جعلتني أشعر شعوراً غامراً بالفرح والتعاطف مع هذه الشعوب الرائعة..

وهذه الحكاية مرتبطة بمعتقداتهم، وتتلخص بأن الأرميني لو رأى عربياً في منامه فهذا يعني له بأن الخير قادم، وأن الدرجة الأخرى من الحلم الذين يتفاءلون به هو رؤيتهم للجمل، ومن ثم رؤيتهم للنخيل.. في أرمينيا تعرفت على العديد من الجوانب التاريخية للمنطقة والفولكلورية والفنون الشعبية في مناخ من الحميمية والود.

ويتابع المسلّم بأنه في جميع رحلاته كان يشتري الكتب الخاصة بالمنطقة، وبطاقات المعايدة، والعديد من الأشياء الخاصة بكل منطقة، وأنه قد كتب عن جميع سفراته التي تجاوزت ال57 دولة على صفحات الجرائد وفي إصداراته الخاصة، وأن هواية جديدة نشأت لدية وهي جمع البطاقات القديمة للمدن، حتى بات لديه أعداد كبيرة منها.

ومن زنجبار في تنزانيا إلى أرمينيا، إلى كينيا، إلى مراكش وكازبلانكا في المغرب وزيارة الزوايا الصوفية فيها، إلى بنغلور في بومباي وحيدر آباد في الهند والتي تحتوي على أهم وأقدم مطبعة حجرية في الهند وإلى أتلانتا في الولايات المتحدة الأميركية وباريس ولندن وإيطاليا وأزقة فينيسيا المائية وإلى طرابلس الغرب وطرابلس الشرق.

كان عبد العزيز مسلم ينتقل من مدينة إلى أخرى يحمله حديث الذكريات الخاصة ولحظات العمر النادرة ومقارباته التي كان يجريها بين صور العمانية مثلاً وصور اللبنانية والتوأمة الغربية بينهما، كمدينتين فينيقيتين متشابهتين في الطبائع والمهن والعمارة وكلؤلؤتين بحرييتين، عرفتا بالتجارة وصناعة القوارب والسفن الشراعية وإلى دمشق وحاراتها القديمة وحواريها المشبعة برائحة الياسمين، وبيروت وجبالها البديعة.

وصور وعاليه ونبع الصفا ودير القمر.. كل هذا والمسلّم مسترسل في سرد ذاكرة المدن وخباياها وأسرارها، والغبطة التي تعرفها هنا وهناك والمعرفة التي تعمقت لديه، وهو ينتهي إلى أن أهم ما تعلمه من السفر،أن يحب الناس جميعا،لأنهم يستحقون المحبة.

اسماعيل الرفاعي