الكتاب خير جليس، أما المكتبة فهي غذاءالروح، بما تحمله من فكر واتجاهات وثقافات مختلفة. المكتبة في البيت خرجت عن إطارها الديكوري، وهي الأساس الذي تبنى عليه ثقافة الأسرة. تقول الكاتبة والقاصة باسمة يونس:

البيت الذي لا توجد فيه مكتبة ليس أكثر من مجرد معرض للأثاث، ويفتقر للخصوصية والهوية اللتين تجعلانه مكاناً حميما لصاحبه، ويعتقد البعض أن هذا الرأي خاص بمن يحبون الكتب والقراءة فقط، بينما الواقع يقول: إن المكتبة في البيت هي الخط الواصل بين الفكر والشعور بالوجود، ويقال أيضاً: إن دخول المرء منزلاً فيه مكتبة يجعله يثق بأنه سيلقى عقولاً قادرة على التوافق والتحاور معه. عن أهمية الكتاب تقول باسمة: بالنسبة لي أهتم بكافة أنواع الكتب، ولا احصر قراءاتي بموضوع معين، وأدرك جيداً من خلال إدارتي لرئاسة التأليف والنشر في اتحاد كتاب وأدباء الإمارات في دورتين متتاليتين، أن أهمية الكتاب لا تأتي فقط من عنوانه ولكن من محتواه ومضمونه، والكتاب في نظري يؤصل تاريخاً عميقاً من التواصل والمعرفة بينه والقارئ.

يصعب على المرء أن يتذكر أول كتاب اشتراه في بداية عمره، لأنني شخصياً نشأت وترعرعت بين الكتب، وكانت الرحلة الحقيقية والترفيهية الوحيدة التي تصحبنا إليها أمي في دبي في مرحلة السبعينات كانت إلى المكتبة العامة، كنت آنذاك في سن السادسة من عمري.

ولكن أرفف المكتبة الضخمة وعناوينها المتنوعة وموسوعاتها المختلفة كانت كل عالمي المعرفي، وبناء على هذا الإحساس قلت مراراً أن وجود المكتبة في المنزل، يؤسس لثقافات مختلفة ليس فقط عند الكبار، ولكن أيضاً عند الصغار الذين عليهم الحصول على الكتاب بيسر وسهولة، وليس هناك أيسر من وجود مكتبة في البيت، ولكي أنشئ مكتبتي لا بد أن تجلب يدي كل يوم كتاباً جديداً ليضاف إلى ما هو موجود في المكتبة.

كتب مهمة

لمن أقرأ وأي نوع من الكتب تستهويني أكثر، أقول: أحببت كثيراً قراءة كتب غادة السمان، وعبدالرحمن منيف، وجبرا إبراهيم، هذه هي البدايات التي أهلتني لعالم المشاهير، أما في طفولتي فقد كانت الروايات الروسية تقتحم عالمي الصغير وتتآلف مع عشقي للخيال والحكايات التي تشبه الحقيقة، وأؤكد أن الكتاب الجيد يفرض نفسه ويجبرك على قراءته.

وليس بالضرورة ان يكون كتاباً لمؤلف مشهور، ففي أحايين كثيرة يكون عملاً واحداً هو الذي يشكل شهرة الكاتب ويضعه على خارطة النجاح، وتوفر العديد من عناوين الكتب في مكتبتي لا يعني أن أتوقف عن شراء كل ما هو جديد، بل هناك الكثير الذي لا يزال أمامي شراؤه.

ولن أتوقف عن تمني امتلاك مكتبة ضخمة في بيتي، بالرغم من تزايد الاهتمام بالتكنولوجيا الحديثة ومهما غلب الظن على أن المكتبات التقليدية يجب أن تقلص وان تتحول إلى شرائط ممغنطة وحواسيب آلية يبقى الكتاب الخارج من المطبعة للتو شبيهاً بالفراشة الجميلة التي تمزق شرنقتها لتبرز جمالها وحسنها.

لم أتخيل أن اقتناء الكتب يحتاج إلى فلسفة معينة ،أو أنه يعبر عن سبب معين ربما الفلسفة الوحيدة التي تنطبق على مثل هذه الحالة هي شعور الإنسان بأنه يعثر على نفسه وعلى صورة طبق الأصل منها بين الكتب.

وفي اعتقادي يجب أن ننظر إلى الكتاب على انه استكمال لوجودنا في الحياة، بل هو الحلقة الوسطية التي تعلقنا بحب الحياة، فمتى نظرنا إلى الكتاب من هذه النظرة، فسوف نتحول جميعنا إلى مثقفين وقارئين جيدين، وبالإمكان بعد ذلك أن نغير من الواقع ليصبح أكثر جمالاً وإيناساً.

قصة «بائعة الكبريت» كتاب قرأته في طفولتي وتأثرت به كثيراً إلى درجة أني كتبت قصة على غرارها، وعشت مع الطفلة وكأني أراها وأعيش مأساتها، هذه القصة لا تزال تعيش معي حتى اليوم، ولذلك أكثر من سبب ،فالقصة عندما تتحدث عن قضايا المجتمع وتعمل على إبراز آلامه ومعاناته فهي لا تفرق بين مجتمع غربي أو عربي، فالطفلة التي تعيش الجوع والفقر.

وتموت وهي تفتش عن لقمة تسد بها رمقها هي نفسها الطفلة التي قد تكون في لبنان أو فلسطين او أي بلد عربي، وهناك كتاب آخر من كتب سلسلة أدب الرحلات، لكني حتى اللحظة لم ابدأ في قراءته وأتمنى إلى جانب ذلك أن اقرأ جميع كتب هذه السلسلة التي تصدر عن دار السويدي لأنها فعلاً تحمل روعة أدب الرحلات وجمال الوصف.

أنا حريصة على كتبي وأخاف عليها، وأتردد كثيراً أمام فكرة الإعارة، ثم أتراجع عنها نهائيا وأحياناً أوجد التبريرات والأعذار لكي لا اضطر إلى إخراج كتاب من مكتبتي وأصبحت متيقنة من رفضي فكرة أن يأخذ احد ما كتاباً من عندي ولا يعيده لي، وهناك حقيقة أخرى تعكس الأنانية في إعادة الكتاب، فمرة حصلت على كتاب للقراءة كإعارة لكن لم أعده بسبب أن صاحبه لم يطالب به.

إهداء الكتب عادة كانت قائمة واندثرت مع الأشياء الجميلة التي غابت عن أعيننا وتقول باسمة: أرى أن إهداء الكتب أجمل عادة يجب أن نعززها ونقويها أكثر ،وبرأيي إن كتاباً جيداً أفضل من هدية قيمة لا تحمل في مضمونها غير قيمتها المادية، أما الكتاب فهو الممتع والمؤنس، يمسح القلوب بعذوبته، ويدفئ النفوس ويعالج الوحدة، وليت الناس تعود إلى ظاهرة إهداء الكتب، فلعلنا نحيي تقاليد كانت قائمة وأصبحت نادرة.

جميل محسن