الإنصات لكائن مسترسل في سرد ذكرياته وتداعياته، تجربة تفتح لك مستويات أخرى لفهم العلاقة الإنسانية، والتعاطف الذي تولده المشاركة في التجربة، ينتقل بالحديث من مجرد استذكار، إلى خلاصة للحياة وتبصّر في تفاصيلها ومراحلها، التي تبلور من خلالها الإنسان وتجذرت ملامحه، والحديث مع نجاة مكي ومحاولة الإحاطة ببعض تفاصيلها ومكوناتها الذهنية والفكرية والإنسانية، تعدى ذلك إلى الوقوف على حساسيات مرهفة وظلال خالطت نبرة صوتها وبريق عينيها.
وحركة كفيها التي كانت تقلبهما مع تقلبات الأحوال وفصول العمر التي مرت بها، حتى أنتجت نجاة مكي نفسها بنفسها مستعينة بإيمانها بمشروعها الفني ومصيرها الإبداعي ومأخوذة بدقة والدتها وحسها الجمالي العالي، ومحاطة بالأصدقاء المحبين الذين لم يوفروا لحظة للوقوف إلى جانبها منذ أن ظهرت البوادر الأولى لموهبتها واتضحت ميولها، وحتى الوقت الذي أصبحت نجاة مكي من الأسماء التشكيلية الحاضرة والمتميزة في المشهد الإبداعي الخليجي، كامرأة من أوائل اللواتي درسن التشكيل وتخصصن بحقول فنية لم تقدم عليها المرأة الإماراتية.
وهي تدرس وتتابع وتنتج وتؤسس لمشروعها الجمالي الذي تغذى من جماليات عديدة ومن تأصيل أكاديمي تعاملت معه بكل دقة ومثابرة، تمكنت من خلاله أن تتجاوز خجلها وعزلتها، وأن تندمج مع زملائها في كلية الفنون الجميلة في القاهرة. بعد أن انتقلت من كنف عائلة محافظة إلى غمار الحياة العملية والبحث عن التحصيل الأكاديمي، واكتشاف الذات وتطويرها.
والدها علمها احترام الآخرين واحترام الذات وعلمها أن (القناعة كنز لا يفنى)، وهي لا تزال تعتبر القناعة نعمة كبيرة. ووالدتها قطّرت في دمها الحنان الفائض وروعة التنسيق الذي كانت تقوم به سواء في ترتيب الأواني والخزفيات، أو طريقتها في التطريز وخياطة المفارش، في منزل تحتشد فيه الجارات وتروى فيه الحكايات والقصص التي لا تزال مختزنة في ذاكرتها.
فتستعيد سرد تلك الحكايات في أعمالها الفنية، أو في نماذج الدمى التي تصنعها أو المجسمات التي تنفذها، وتقول نجاة إنها مازالت تحتفظ بحرارة تلك الأيام وروعتها، وأنها ستظل ماثلة في كيانها، تنهل منها وتعيد إحياءها المرة تلو المرة.
ومن منزل الطفولة القديم إلى معروضات سوق العرصة التي سحرتها بغناها وتنوعها، من الأقمشة بألوانها البديعة (شعر صباح، أبو طيرة..) إلى أشكال المصوغات الذهبية (الهلال، النجمة، المريّة، المرتعشة..) تلك التصاميم المختزنة في ذاتها والتي انعكست على حد قولها في أي عمل فني أنتجته، سواء في اللوحة أو في التمثال.
ومن الحارة إلى المدرسة إلى المشاركة في المعارض والأنشطة الفنية وحصولها على أول جائزة في مسابقة( وزارة الشباب والرياضة) في المرحلة الإعدادية التي عمقت فيها هاجس الفن والاهتمام به، ثم فضل دولة الإمارات في تأمين منحة لدراسة الفن في جامعة القاهرة، بعد أن أنهت مرحلة دراستها الثانوية..
وهناك بدأت تتعرف على عالم جديد وبيئة جديدة، برفقة بعض الزملاء من الإمارات وبعض دول الخليج كعبد الرحيم سالم ومنى الخاجة، وتعترف نجاة مكي بأنها أمضت السنة الأولى من دراستها، بين الكلية والأتيليه، بينما انخرط زملاؤها في إيقاع الحياة الجديدة، وتعرفوا على المتاحف وصالات العرض، حتى السنة الثانية التي خرجت فيها من عزلتها وأقامت روابط اجتماعية مع زملائها وبدأت بالتعرف على الأمكنة المحيطة بها.
وتآلفت مع النسيج الاجتماعي، واجتازت الكثير من الأمور التي كانت تسبب لها الإحراج كرسم الموديل العاري في دروس الفن التي تراه من الدروس الأساسية لفهم تشريح الإنسان والتعرف على النسب الصحيحة والأبعاد الصحيحة في الرسم. وتتذكر نجاة مكي بمرارة أحداث السنة الثالثة التي فجعت خلالها بوفاة والدها.
ذلك الحدث الذي أصابها بصدمة كبيرة، وشعور هائل بالخسران والإحباط، بالإضافة إلى شعور كبير بالمسؤولية بعد أصبحت فجأة مسؤولة عن والدتها وشقيقاتها الأربع، خصوصاً وأنها كانت الأخت الكبرى.
وقتها أدركت بأنها قد انتقلت إلى مرحلة جديدة في حياتها، وأنه لا سبيل إلى التراجع، فحاولت أن تجتاز محنتها بالجد والمثابرة والصبر، حتى تخطت هذه المحنة وأنهت دراستها الأكاديمية التي فتحت أمامها الكثير من الفرص الحقيقية، وبلورت تجربتها وإمكاناتها الفنية.
في عملها في وزارة التربية والتعليم تبلورت تجربتها، واكتسبت العديد من الخبرات من الكادر المبدع الذي كان يحيط بها حيث كان إلى جانبها، د.عبيد الهاجري، حمد السويدي، محمد يوسف، عبد الرحيم سالم، أحمد قاسم، سيد رمضان، محمد عبد الرحمن، محمد عيسى، أحمد حيلوز، ظاعن جمعة، وهم أسماء لها ثقلها في الحركة الفنية والثقافية في الإمارات.
فيما يتعلق بمسرح العرائس تقول نجاة مكي بالإضافة إلى تصميمها للعديد من الشخصيات الخاصة ذات الطابع المحلي والأزياء المحلية، فقد اكتسبت خبرات جديدة في (تحريك الدمى) والسيناريو وفن الأداء والصوت، ولا تنسى وجود قامات إبداعية كبيرة كالفنان المرحوم عبد اللطيف الصمودي، وحسن شريف وبشير السينوار وعبدالرحمن زينل وغيرهم.
تلك هي البيئة الإبداعية التي أحاطت بنجاة، و هذا هو المختبر الأساسي والواقع العملي الذي تمرست فيه وطرحت من خلاله مشروعها الإبداعي سواء عن طريق اللوحة أو المنحوتة أو الوظيفة، أو الورش والندوات التي كانت تقوم بها.
وخارج الجموع والمشاريع واللقاءات والمشاركات، تحدثت نجاة عن جانب آخر شكل عامل طمأنينة لها ومصدراً لإنتاجها، إنه البحر.. تقول: « عندما أنظر إلى البحر أشعر بنفسي وقد تحررت تماماً، هناك أحيا الجمال الخالص والمتعة الخالصة، من خلال مشهد النوارس وهي تحلق فوق البحر، وروعة الأمواج، وعظمة البحر وهيبته ».
إذن نجاة مبدعة لا يمكن الفصل بين حياتها الاجتماعية و المهنية، وبين نتاجها الإبداعي وإخلاصها لإبداعها وتقصيها الدائم لمكامن جديدة تغني من خلالها تجربتها الإبداعية وهواجسها الإنسانية، التي عاشتهما بانسجام تام وبساطة شديدة وتفان كبير، جعل اسمها مقترناً بأغلب الأنشطة الإبداعية والاجتماعية .
نجوم الغانم وحسن شريف: تؤمن أن للفن دورا اجتماعيا
نجوم غانم وحسن شريف كتبا في نص مشترك: نجاة مكي من مواليد 1956 في دبي وهي ابنة العطار الذي كان يملك دكاناً لبيع العطور والأعشاب الطبيعية التي لها علاقة حميمة بالعادات المحلية، وربما لهذه الأسباب لوحات نجاة مبتهجة دائماً وممزوجة بالعلاقات العميقة وتمتلك هذه اللوحات في طبيعتها المتعة الحسية من خلال تفجير الحاسة.
نجاة تستخدم في بعض لوحاتها مواد مثل الزعفران والحناء وبعض المواد الشعبية الأخرى، وخلافاً لكثيرات من زميلاتها المدرسات أظهرت نجاة براعتها الفنية في مجال الرسم منذ الصغر، منذ أن كانت طالبة في المرحلة الثانوية.
حيث شاركت في بعض المعارض الفنية التي كانت تقام على مستوى مدارس الدولة، ومنذ ذلك الوقت قررت دراسة الفنون الجميلة دراسة أكاديمية، وهو أمر صعب الحدوث بالنسبة لعائلتها مع ذلك هي واحدة من القلائل أو ربما الوحيدة من النساء التي أرسلت من قبل الحكومة الاتحادية في بعثة دراسية للتخصص في مجال الفنون الجميلة خارج الدولة عام 1977 .
وفي العام 1982 حصلت على بكالوريوس في مجال النحت تخصص نحت بارز إضافة إلى ميدالية تقديرية من جامعة القاهرة للفنون الجميلة، وفي عام 1997 حصلت على الماجستير، ثم الدكتوراه وأصبحت أول فتاة إماراتية تحمل هذه الدرجة العلمية في مجال الفنون الجميلة.
نجاة تدرك جيداً وظيفتها الاجتماعية كفنانة في المجتمع وتؤمن بأن للفن دوراً اجتماعياً ولهذه الأسباب أسهمت في الحقل التعليمي لتشجيع الشباب من الفنانين وتعليمهم أساسيات علم الرسم والنحت في هذا المجتمع وهي لا تكتفي فقط بإنتاج أعمال فنية.
ولكنها تسهم أيضاً في تدريس الفنون وتنظيم الندوات ورعاية الأطفال في مجال الفنون على بعض الدورات في مجال النحت والرسم التي أقامتها الجمعية النسائية في دبي ومسرح الشباب القومي للفنون... تقول نجاة :«الفن مهم جداً للأطفال إنه ينمي إدراكهم اتجاه الحياة والإنسانية ويجعلهم أقدر على تلمس مهاراتهم».
وتدرك نجاة مكي جيداً الدور الاجتماعي للفنانة حيث تتبنى في بعض أعمالها التدفقات الناتجة عن مشكلة المرأة في المجتمع.)
عبدالرحيم سالم: مبدعة متميزة ومكافحة.
وفي حديث الذاكرة واستعادة الماضي المجبول بالحنين والروعة، يتذكر عبدالرحيم سالم بعض الجوانب التي عرفها في نجاة من خلال دراستهما المشتركة ومن خلال تواجدهما الدائم في المشهد التشكيلي والوسط الثقافي والإبداعي يقول:
كنا نسميها الملكة، فقد كانت تمثل لنا الأخت والصديقة وزميلة الدراسة والعمل والمبدعة المثابرة والمتأنية في إنجاز أعمالها الفنية والشغوفة بكل ما يضفي إلى تجربتها أبعاداً أخرى، ويضيف، كانت تمتاز بطيبة كبيرة وقد أبدت مهارة عالية في دراستها، وكنا مجموعة ترافقنا مع زملاء العمل في زيارة المتاحف وصالات العرض ودخلنا في حوارات عديدة حول الفن والحياة العملية التي تنتظرنا في بلادنا، ثم يتابع بابتسامة :
نجاة أيضاً كانت تمثل لنا (المؤونة) فقد كانت تمدنا دائماً بالحلاوة والكاكاو وإلى آخره من الأشياء التي لا تفرغ منها جعبتها، ثم تحدث عن عملهما المشترك في وزارة التربية بعد تخرجهما .
حيث عملت نجاة بتصميم العرائس والتي أضافت إليها ملامح جديدة من بيئتها، وشكلت مجموعة جديدة من العرائس أبدت فيها نجاة فهمها لطبائع وخصائص موروثها وبيئتها المحلية الخاصة، وهمومها الدائمة في تطوير تجربتها وترسيخ دورها كمبدعة لها إضافتها في المشهد الإبداعي المحلي.
ويرى أنها كانت من المساهمات في تأسيس جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، وكان لها دور فعال في استقطاب العديد من الفنانين، و هي جزء من مجموعة أصدقاء الفن، كما أنها لم تكن تحتمل وجود أي خلاف بين الفنانين فقد كانت تبادر إلى حل الخلافات التي قد تنشأ بين أصدقائها الذين يعملون في الحقل نفسه.
والتي كانت ترى أنه من غير اللائق أن يكون ثمة خلافات بين المبدعين، سيما وأنهم مسؤولون عن تعميق الأبعاد الإنسانية في المجتمع وتطوير مكوناته الجمالية، ثم يلخص الفنان عبد الرحيم سالم رأيه في نجاة مكي بقوله: نجاة مكافحة، متميزة، تحب الخير للآخر كما تحبه لنفسها، لها مواقف لا تنسى وقدرة كبيرة على العطاء، وهي بكلمة واحدة (تشبّع ديرة) كما يقال.
إسماعيل الرفاعي

