بالرغم من انه في بداية السبعينات من العمر إلا ان الوالد سعيد علي حارب العجيد الكتبي (بومهير) يتمتع بذاكرة قوية وخصبة تستعيد أيام طفولته في منطقة حمدة بإمارة الشارقة، وكيف كان ينتقل منها إلى دبي والشارقة وأبوظبي لبيع الماعز وشراء المواد الغذائية، كما يتذكر الوالد (بومهير) عندما كانت الطويان متوفرة بكثرة وبكميات كبيرة من المياه العذبة.

ولا ينسى (بومهير) مشهد المياه الغزيرة وهي تجري في وديان منطقة حمدة والتي كانت تصل ارتفاعاتها إلى 40 قدما في بعض الأوقات، حيث كان المزارعون يستخدمون أدوات تقليدية لسحب المياه سواء من الطوي أو من الوديان مثل «الدلو»، و«الرشا».

ويقول الوالد سعيد حارب: كنت في العاشرة من عمري عندما شاهدت المياه تجري في الوديان وكانت تصل إلى أم القيوين مرورا بمناطق المنامة والذيد وفلي، حيث كان البدو يستغلون الزراعة المتناثرة على ضفاف هذه الوديان لرعي الأغنام والماعز.

ويظهر الحزن على وجه الوالد ويضيف: الآن جفت هذه الطويان والآبار والوديان ولم يعد فيها نقطة واحدة، وهو ابتلاء من الله سبحانه وتعالى واختبار للمؤمن، إذ يتكبد أصحاب المزارع المشقة والتعب للعثور على المياه لحرصهم على استمرار زراعتهم والتي تنحصر حاليا في النخيل.

ويضيف قائلا: كان البدو يسكنون قريبا من (الطوي) لاستخدام مياهها في زراعة النخيل ورعي الأغنام والماعز وخاصة أيام الصيف، أما باقي أيام العام فكان أهل المنطقة يسكنون المناطق الدافئة والمناسبة لهم ولرعي الحيوانات أيضاً.

ويعود (بومهير) بذاكرته إلى أواخر الأربعينات من القرن الماضي، عندما كان طفلا صغيرا لم يتجاوز العاشرة من عمره، ويقول: كنت دائم السفر مع الوالد إلى دبي والشارقة لبيع الغنم والماعز، ومنتوجات الحيوانات مثل (السمن)، إضافة إلى (البثيث) الذي كانت تصنعه الأمهات ويتم بيعه في الأسواق، إضافة إلى بعض انواع من الحطب والذي يستخدم في صناعة الفحم... وكان والدي يبيع الغنمة الواحدة بسبعة دراهم لا غير، وكان يشتري العيش (الأرز) والطحين والقهوة والملابس الخفيفة.

ويضيف (بومهير): كانت هناك ثقة في التعامل بين الناس والتجار، من خلال التعامل بالأجل، لم يكن هناك شيكات أو صكوك أمانة... انما الكلمة الصادقة هي التي كانت سائدة بين الناس والتجار في ذلك الزمان. حيث كان الوالد يشتري بكميات كبيرة من اجل موسم الشتاء وإذا لم تكف النقود فإن البائع ينتظر على حقه ونقوده للزيارة المقبلة لسداد باقي المبلغ.

وقال بومهير: عندما جفت المياه في الوديان والطويان كنا نقوم بحفر الآبار للحصول على المياه، وكان السبب الرئيسي لقلة المياه هو السحب الشديد للمياه بدون وعي لاستخدامها في ري المزارع بطريقة خاطئة، إضافة إلى ان قلة الأمطار ساهمت بشكل مباشر في جفاف الوديان وقلة مياه الآبار.

ويضيف: كانت المزارع في حمده تنتج العديد من المنتوجات الزراعية مثل البطيخ والشمام والطماطم، إضافة إلى البرسيم الذي يعتبر الوجبة الرئيسية للحيوانات، وكنا نبيع هذه المنتجات في الشارقة أو دبي، ولكن مع بداية الاتحاد تم إنشاء مكتب التطوير الزراعي الذي يعد من اكبر المكاتب الزراعية في المنطقة والذي استوعب أعدادا كبيرة من المواطنين فيه، ولكن لم يدم هذا المكتب طويلا، وتم إلغاؤه بعد ان تملك المواطنون المزارع الخاصة.

إضافة إلى توظيف العديد من الشباب في وظائف حكومية، وذلك بفعل جهود صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة الذي يصر على توفير الحياة الكريمة لأبناء الوطن، إضافة إلى توفير كافة الخدمات التي تلزم الإنسان مثل الكهرباء والمياه والمساكن المناسبة للمواطنين، ناهيك عن ذلك الأمن الذي وفرته لنا الحكومة للعيش بأمان وراحة بال.