عجلة الزمن الدائرة وأحوالها المتبدلة، لا يمكن لها أن تنتزع من ذاكرة الإنسان جذوة الحنين، التي ارتبطت بجذوره البعيدة، تلك التي يترصدها ويستعيدها، في لحظات عمره ودقائق حياته الثمينة، فالحنين ليس حالة عارضة، أو مزاجاً شعرياً يمر بالإنسان، في حالات وجد عابرة، إنما هو ذلك التكوين العاطفي الذي شكل (المعنى) في مسيرة الإنسان، والآلية التي تجذرت من خلالها انسانيته وعمقت انتماءه.

بهذا المعنى نحاول رصد تلك الصور العصية على الزمن والتي لم تستطع تراكمات الحياة، ووجوهها الجديدة، أن تمسح عن ذاكرتنا وعن أعيننا تلك البؤرة التي نتشرب منها صورتنا الأولى، ونحن نحاول أن ننفض الغبار عن تفاصيل حياتنا القديمة، ومكامن جمالياتها الآسرة، الحياة تلك بإيقاعاتها البطيئة، التي تمنحك الفرصة لتأمل الأرض التي تسير عليها، والأشجار التي تستظل بها، والسماء التي تبتهل إليها في ثنايا يومك الذي تعيشه لحظة بلحظة.

والحياة تلك التي نمضي معها إلى استذكار نكهة الرطب، وأنفاس الغوص العميقة، وصوت الخيل، والنسمة الباردة تحت ظلال السعف، وأنت ترتشف رشفة من مياه الينابيع الباردة، التي تقصدها في طقوس حميمية، تمزج المتعة بالعمل، والمواسم بحركة الكون، واتساقاته البديعة، إنها الصلة السرية، التي تشكل نبض الإنسان، ومنها نحاول أن نمضي مع ذاكرة الأرض، أو عيونها التي تفجرت كأروع ما يكون في واحات العين ومياهها السائغة.

ومنذ القدم، ارتبطت واحات العين، بوجدان أبناء مدينة العين، التي أخذت اسمها منها وارتبطت بوجدان أبناء الإمارات بشكل عام، خاصة الجيل القديم منهم، والذي ارتبط بعلاقة حميمية بها كمكان وفضاء إنساني، وكان شاهداً على مرحلة تاريخية شكلت فيها الواحات موئلاً ومجالاً للالتقاء والتزاور والتعارف، وقضاء أوقات ما تزال مخلدة في حكايات أبناء ذلك الجيل من الآباء والأجداد ومروياتهم الشفهية وأشعارهم النبطية التي يتداولونها ويروونها إلى اليوم.

وبالرجوع قليلاً إلى فترة الستينات والسبعينات، حين زارت بعثة مجلة العربي الكويتية واحات العين. عامي 1961 و1971، كتب حينها الصحافي سليم زبال موفد المجلة يصف ما كانت عليه العين، بادئاً من صعوبة الطريق الموصل إليها، والذي وصف له بأنه طريق العذاب.. يقول في شهادته عن تلك الأيام:

«حاولوا عبثاً إقناعنا ان الطريق إلى العين هو طريق العذاب والصعاب، مؤكدين كلامهم بأن رحلة الذهاب على ظهور «المطايا» حسب وصفه، من أبوظبي إلى العين تستغرق ستة أيام بلياليها. وهذه الرحلات من أبوظبي إلى العين كانت تقوم بها العائلات في مطلع صيف كل سنة. فما تكاد بشائر الصيف تلوح حتى تشهد أبوظبي حالة استنفار شاملة.

في الحقيقة لم تكن أبوظبي وحدها تصاب بحالة الاستنفار تلك بل كانت معظم مناطق ما كان يعرف قديماً بساحل عُمان، تتجه صيفاً إلى الدواخل، بما عرف بالمقيض، هرباً من حرارة ولهيب الصيف ورطوبة البحر فكانت العين من أهم الأماكن التي يتجه إليها المصطافون في ذلك الحين، لذلك كانت عائلات كثيرة تمتلك بساتين فيها.

ومنهم من يستأجر من أهالي مدينة العين. كانت بساتين النخيل تلك بظلالها الوارفة، وما توفره مياه الأفلاج العذبة من برودة محببة، تكمل المشهد، حيث كانت تستخدم للشرب وسقي المزروعات، ويعمد البعض أحياناً إلى رشها على الملابس طلباً للبرودة.

كانت العين تعد من مقايض أو مصايف ذلك الزمان المشهورة، فالآلاف من شباب ورجال مدن السواحل وخاصة أبوظبي كانوا يتوجهون إلى مغاصات اللؤلؤ، ويمضون ثلاثة شهور في عرض البحر، يغوصون في أعماقه بحثاً عن اللؤلؤ المنشود.

تبدأ الرحلة إلى المقيض باستئجار المطايا، كل عائلة تستأجر ما بين عشرة إلى عشرين جملاً لركوب النساء والأطفال وحمل ما معهم من مفروشات ومعدات ومؤن وغذاء. وكانت القافلة تنطلق على الطريق المتعرج الطويل (160 كم) تقف خلاله خمس مرات للنوم والمبيت في العراء، منتظرة قافلة من نوع آخر، تلحقها قافلة الأغنام والماعز الخاصة بالعائلة التي تتأخر في السير عن قافلة الجمال.

وعند الوصول إلى العين، تقيم العائلة طوال الشهور الثلاثة. والبعض الآخر كان يستأجر «العرشان» الأكواخ من المزارعين، يستأجر معهاعدة اشجار من انواع النخيل التي يختارها، وكان ايجار كل شجرة في ذلك الزمان بما قيمته روبيتان. وكان يطلق على جموع المصطافين القادمين إلى العين في تلك الأيام التسمية المحلية الدارجة «الحضار».

وروى المرحوم الوالد عبدالله بن هلال الكويتي الذي عمل لفترة طويلة في مزارع والده في العين، وكان يتولى مسؤولية الإشراف على الأفلاج والعناية بها في العين من قبل الشيخ زايد بن سلطان رحمه الله، للباحث عبدالله عبدالرحمن، أن مزارع النخيل في واحة العين كانت مصدر الدخل الأساسي والأول لإنسان هذه الواحات غنياً كان أم فقيراً.

فلقد كان الأهالي يمتلكون المزارع بمعدل مزرعتين إلى ثلاث مزارع للواحد وقد يصل العدد إلى عشر مزارع ايضاً، وتضم كل مزرعة ما بين 50 ـ 150 نخلة مثمرة معطاءة.

وكان صاحب المزرعة يستعين عادة «ببيادير» وهي التسمية المحلية للمزارعين، مقابل عذق تمر واحد عن كل نخلة يختار الكبير منها، بينما يتولى صاحب المزرعة وأبناؤه بقية المطالب والأعمال والمصاريف اللازمة لرعاية مزرعته. وفي شتاء كل عام كان يقوم بحرث مزرعته بواسطة الثيران ملك «الهياسين» المواطنين، وكذلك بعمليات التسميد اللازمة.

ومع بداية موسم الصيف وحين يرحل أغلب رجال أبوظبي للغوص تبدأ قوافل الجمال المحملة بالأطفال والنساء بالوصول إلى واحات العين للاصطياف فيها عدة شهور، ويكون اصحاب المزارع من أبناء العين قد رحلوا للإقامة بين النخيل فتحل العائلات القادمة للاصطياف «الحضار» بين تلك البساتين، حيث يشترك أصحاب المزارع في بناء عشش لهم من سعف النخيل.

ويتم تأجير نسبة من أشجار النخيل التي قرروا الإقامة فيها، بل ونسبة من ثمارها، مقابل روبيتين فقط لكل نخلة حسب اختيارهم، أما بقية منتجات بساتين النخيل من الرطب وكذلك من الليمون فإن القوافل من الجمال تقوم بشحنها وإيصالها إلى أسواق أبوظبي ودبي في رحلات تستغرق 14 يوماً ذهاباً وإياباً بين العين ودبي و12 يوماً بين العين وأبوظبي، ومن هناك تعود القوافل محملة باحتياجات الأهالي من المؤن المختلفة.

كما أن كميات كبيرة أخرى من منتجات النخيل تتحول إلى تمور تحفظ نسبة كبيرة منها للاستهلاك الخاص في بقية شهور السنة وحتى الصيف القادم، ويتم بيع جزء كبير من التمور «للحضار» وهم العوائل المصطافة، وتصدر كميات كبيرة منها لأسواق أبوظبي ودبي. وهكذا تحولت واحات العين مع مرور الأيام، إلى رمز من أبرز رموز ذلك الزمن العذب. وطرزت ذكريات الكثير من أبناء الإمارات بألوان الحنين إلى بساطة وروعة تلك الأيام.