ثمة حماس نلحظه يتدفق حين تتحدث ميسون عزام المذيعة بقناة العربية، عن سفرياتها السياحية أو المهنية، ربما يكون هذا الحماس مرده أن ذاكرتها تختزن الكثير من الانطباعات البارقة عن بعض الدول التي زارتها، وربما بعض الأحاسيس المزعجة عن دول أخرى.
كانت فنزويلا أول الأماكن التي قفزت إلى ذاكرة ميسون حتى بدت هذه الدولة على تخوم البصر وهي تسرد لنا عن جبالها وطقسها الغامض الطالع من بين الغيوم مع قرب هبوط الطائرة.
ورغم ضيق الوقت المتربص برحلة ميسون إلا أن مطار كراكاس خطف انتباهها صوب الأفلام الأميركية القديمة حيث السيارات ذات الموديلات العتيقة والمدهونة باللون الأسود وكأنها أمام فيلم عصابات المافيا أو مشهد من «الأب الروحي» مارلون براندو.
ما زاد من عجائبية هذه المدينة هو ذلك التناقض الصارخ بين دولة نفطية لها مكانتها في منظمة أوبك والأبنية غير كاملة البناء والتشطيبات ومع ذلك تس كنها أسرُ بإمكان المارين في طريق المطار مشاهدة تفاصيل حياتها المنزلية بشكل واضح.
ولقد كان الطقس الفجائي أحد السمات التي تقدمها الطبيعة دون سابق إنذار، تماما مثل التحذيرات الأمنية التي تزيد من غموض الأماكن والتوقيت اللذين يطل منهما الخطر، ولا يمكن للمرء.
كما تقول عزام، إلا أن يعيش الرعب لحظة بلحظة. ومع ذلك فإن ميسون تعترف أن مهمتها الإعلامية في فنزويلا حرمتها من جمال الطبيعة التي سمعت عنه كثيراً، وأن كل ما فازت به في هذه الرحلة العاصفة اقتنائها بعض المشغولات اليدوية والأساور المنقوشة بأسماء مشتريها والتي اشتهرت بها كراكاس.
أما البلد التي كانت على موعد سخي مع البوح الشهي لذاكرة ميسون فهي اسبانيا، ذلك المكان الذي أفاض بكامل ترنيماته الإنسانية على ذكرياتها. حيث لاحظت مدى الود الجارف الذي يطل من الإنسان الاسباني، والملامح اللغوية والمكانية ذات التأويل العربي، فعندما زارت ميسون منطقة «اليكانتيه» .
حيث يعيش خالها هناك، تناهى إلى سمعها أن أصل التسمية يرجع إلى عبارة «علي يغني» ورغم عدم وجود دليل على هذا الربط إلا أن إحساسها بالفرح والاطمئنان جعلها لا تستبعد حضوراً عربياً أندلسياً في هذا المكان.
وتسرد ميسون بعض المواقف الطريفة التي لا تنساها في هذه الرحلة، منها ان زوجة خالها، وهي اسبانية، قالت لها بعربية ركيكة محببة، وهي تشير إلى أحد القلاع: «هذه قلعة مال جدو، مال جدو، مال جدو، مال أنت»..
وفي موقف آخر حين أرادت زوجة خالها أن تستفهم عن معنى كلمة عنصرية باللغة العربية، فسألت زوجها: «شو معنى عنصرية بالاسبانية» هذه المواقف العابرة جعلت ميسون تشعر بدفء العلاقة التي يبديها الاسبان مع الآخرين وخاصة العرب.
ومن الأشياء أيضا التي لا تفارق ذاكرة عزام عن اسبانيا هو كرم شعبها في إعداد مائدة الطعام للزائرين، وهي هنا تفرق بينهم وبين الشعب الانجليزي الذي يعد مائدة الضيوف بحساب دقيق على قدر عدد الموجودين، أما في اسبانيا فهم يقدمون ما يسمى بـ «الباييه» التي يقال أن أصلها بالعربي: «ما تبقى» من الأكل، حيث يوضع كل ما تبقى في المنزل من خضار، في مقلاة كبيرة للضيوف.
أما الدول الأخرى التي زارتها ميسون عزام فقد أخذت حيزاً ضئيلاً من ذاكرتها جعلها تحتفظ في مخيلتها ببعض السمات الرئيسية، منها النمسا التي تتميز بكاتدرائياتها الضخمة ونقوشها المنحوتة بإتقان، وصوت الأشجار الذي يسري بين جنبات هذه الكنائس، كذلك منزل الموسيقار العالمي بيتهوفن، وهو منزل بسيط يقع ضمن مجموعة من البيوت المتلاصقة ذات الطابع القديم.
وفي فرنسا عانت ميسون من حاجز اللغة هناك، حيث توجد عداوة كامنة تجاه كل من لا يتحدث الفرنسية حتى أنهم إذا فهموا مرادك باللغة الانجليزية يتجاوبون معك ولكن باللغة الفرنسية، عكس ما يحدث مع الأسبان الذين يعوضون حاجز اللغة بالإشارات وبكل ما يملكون من تواصل انساني ممكن.
وعن بريطانيا التي تحمل ميسون ذات الأصل الفلسطيني جنسيتها، تقول ان أسوأ ما وجدته هناك مشكلة «المخمورين» الذين يتعرضون للمارة بالمضايقات والعنف، مضيفة ان من المهم معرفة الأوقات المرشحة لارتكاب الجرائم في لندن. كذلك في العاصمة الايطالية روما تجد الناس يخافون دائما من السواقة المتهورة.
تؤكد ميسون ان السفر علمها ان القرارات السياسية السيئة التي نسمع عنها لا تمت بصلة للشعوب، وأن ثقافة الإنسان تختلف عن ديانته، وان الموقف من الآخر الإنساني يجب ألا يتكئ على الانطوائية والعزلة.
ومع نهاية تقليب صفحات الذاكرة لدى ميسون غرام سألناها عن شعورها بالعنصرية في رحلاتها السياحية والوظيفية، فتصمت قليلاً، معلنة عن ابتسامة مغلفة بالمرارة: «لم أشعر بالعنصرية، لكن ربما داهمتني في بلاد عربية»!!
مجدي أبو زيد
