من نشأ في صحبة الكتاب واتخذه صديقاً مقرباً، يصعب عليه التخلي عن رفيق دربه، يظل ملازماً له أينما حل، وهذا الأسبوع نحن ضيوف على مكتبة كاتب وباحث وأحد أبرز المهتمين بالتراث الشعبي الإماراتي، شق طريقه منذ الصغر في الساحة الثقافية إلى أن وصل إلى مكانة مرموقة، له مؤلفاته الإبداعية العديدة والمتنوعة التي وصلت إلى أربعة عشر كتاباً إضافة لما هو تحت الطبع.
أما الطبيعي فهو أن يكون للكاتب والباحث مكتبته الشخصية، لكن الاستثناء أن تكون للكاتب اهتماماته الفريدة التي تشكل شخصيته وتضيف إلى مكتبته أبعاداً مغايرة لما هو مألوف.
في مكتبة الكاتب نجيب الشامسي تقف منبهراً أمام لوحة في غاية الروعة تضم منمنمات تراثية استخدمها الأولون، وفي ركن آخر تقف أمام أرتال من الكتب لتلتقط عيناك هذا المزج الرائع بين الكتب والمجلدات، وبين التراث بتفاصيله المبهرة، غير أن المكتبة بهذه الوصفية ليست إلا جزءاً من ديكور منزله التراثي، بحيث نشعر أن كل قطعة فيه لا تزال تتنفس عبق الماضي الجميل.
ويعود التصاق نجيب الشامسي بالكتاب إلى أيام الدراسة الأولى، فقد كان حريصاً على أن تكون لديه مكتبة تغذي فكره وتساعده على لملمة حصيلته الثقافية، حيث كان مشاركاً دائماً في المسابقات الإذاعية والأنشطة المختلفة، واتسعت اهتماماته القرائية مع أول مقال قام بكتابته في الصحف، ومن يومها رفع شعار: إن من يريد ممارسة الكتابة عليه أن يقرأ أولاً.
تنقل الشامسي بين إمارة الشارقة وأبوظبي وأخيراً في رأس الخيمة، تلك مقتضيات الوظيفة، وفي كل مرة ينتقل فيها كانت المكتبة رفيقته الدائمة، يحرص على جمعها من دون أن ينسى كتاباً واحداً، لم يحدث أن تخلى عن كتاب لدرجة أن كتبه الدراسية لا تزال تتصدر واجهة مكتبته، هو الحنين إلى الماضي وذكرياته، فلكل كتاب طعمه الخاص، سواء من ناحية المضمون أو فترة اقتنائه، ويستثني الشامسي كتب الإحصاءات، فهو يتخلص منها بمجرد انتهاء صلاحياتها بالمتغيرات.
لماذا لا يقرأ الناس الآن؟، سؤال يطرحه الشامسي بكل مرارة وهو يطرح مقارنة بين الجيل القديم والحديث، يقول: في كل بيت تقريباً كنت تجد المكتبة، جيل قارئ ومهتم فقط لمجرد الاطلاع وامتلاك ثقافة عامة، كنا نتبادل الكتب بشغف ليس له مثيل، ونتناقش حول المضامين، فنتفق ونختلف.
ومن هذه الأجواء خرجت أقلام إبداعية كثيرة، فأين نحن الآن من تلك التجمعات والاهتمامات؟، فالبعض تكون المكتبة في بيته مجرد ديكور، وهو لا علاقة له بما تحوي من كتب، فهل يعقل هذا؟
وبوصفه كاتباً فرض عليه التخصص أن يكتب في الاقتصاد، يعترف الشامسي أن ميوله القرائية في الآونة الأخيرة اتجهت بقوة إلى الدراسات والمؤلفات الاقتصادية، وتضم مكتبته أعداداً كبيرة من هذه النوعية، غير أن الكتب الأدبية من قصص وروايات وشعر لها مكانتها الخاصة عنده، ويؤكد على الجزئية ضارباً المثل بمؤلفاته الإبداعية والتراثية والاقتصادية.
أنا قارئ نهم، يقول الشامسي، وأحرص على القراءة في جميع المجالات، هكذا علمتني التجربة، واكتشفت مؤخراً أن دراسة الاقتصاد أفادتني كثيراً في قراءة أحوال المجتمع من جميع الزوايا، وباعتباري أول ناشر في الإمارات وعضواً في اتحاد الناشرين العرب، فإن المكتبة الخاصة تمثل دعماً كبيراً في هذا المجال، إضافة إلى أنها تمثل مرجعية لا غنى عنها لكتاباتي ومؤلفاتي.
وعن الكتاب الأقرب إلى نفسه يؤكد الشامسي أن جميع الكتب التي يقتنيها هي مقربة إلى نفسه، يعود إليها بين الحين والآخر ليستفيد منها ويستمتع بقراءتها، مركزاً على الكتب التخصصية في الاقتصاد، ويهتم كثيراً بالإصدارات الجديدة خصوصاً الأجنبية المترجمة كونها أكثر دقة من غيرها، خصوصاً وأن مجال الاقتصاد يعتمد على المصداقية والرؤية المحايدة الخالصة.
ويضرب الشامسي مثالاً على كتب العولمة التي تحتوي على نظريات مستقبلية آتية في الطريق، هذه الكتب على الإنسان أن يهتم بها لأنها تقرأ في المستقبل انطلاقاً من الحاضر.
وعن أجواء القراءة يقول الشامسي: أنا أقرأ في أي مكان، وليست لدي طقوس خاصة للقراءة، فالمكتبة تسودها أجواء هادئة كما ترى، وهي بعيدة عن الضوضاء تماماً، وعندما يفرض كتاب معين نفسه عليك، فأنت تنهمك في قراءته وتنسى نفسك لساعات، أما الكتابة فهي التي تحتاج إلى نوع من التركيز ولملمة الأفكار.
وعن ترتيب المكتبة وتنسيقها يقول نجيب: لا أسمح لأحد على الإطلاق بالاقتراب منها، ولا يجرؤ أحد على نقل كتاب من مكانه دون إذني، فأنا أعرف أين وضعت الكتاب وعندما أعود إليه أجده في مكانه، كذلك الحال بالنسبة للأشياء التراثية القديمة، فأنا أضعها كما ترى خلف الزجاج وأغلق عليها بالمفتاح، لانني أضع كل شيء في مكانه على شكل مجموعات متجانسة، لا أسمح لأحد من الأهل أو الأصدقاء أن يلمسها، هي فقط للفرجة، والحال ينطبق تماماً على المكتبة، فكل شيء في مكانه حسب النظام.
ويأخذنا الشامسي في فاصل ضاحك عندما سألناه عن الإعارة، فهو يؤيدها تماماً حتى يفسح المجال أمام نفسه ليستعير دون أن يرد الكتاب، وعندما حاصرناه بأن هذا الطرح قد يعود على مكتبته بالخسارة إذا ما استعار أحد الأصدقاء كتاباً منه، يقول: لا أحد يقرأ هذه الأيام، فثقافة التلفاز والصحف اليومية والانترنت هي السائدة، ولذلك أنا مطمئن على مكتبتي.
ويشير ضاحكاًإلى أنه على استعداد للمثول أمام القضاء للمحاسبة على مجلدات ومجلات تراثية قام بسرقتها من إحدى المكتبات، ويبرر ذلك بأن المجلدات تمثل قيمة لا يستهان بها، ومرجعية في غاية الأهمية بالنسبة له، هكذا يؤكد الشامسي على القيمة القرائية، وهو يعلم بالطبع أن سرقة الكتاب لا تمثل جرماً على الإطلاق.
عز الدين الأسواني
