بين الماضي والحاضر، يتشكَّل وجه حصة العسيلي بمزيد من الرضا والقناعة عمّا أنجزه العمر من عشق يليق بالأرض التي أنجبتها، وأفسحت لها دروب التميُّز والعطاء. ولأنها أول فتاة إماراتية تعمل مذيعة نجدها تتغنى دوماً بالبدايات، مدركة أن أجمل الألحان تكمن في رنة الأوتار الأولى التي عزفت عبرها أحلى أناشيد العمر.
وفاة الأم، وعجز الوالد عن العمل دفعا حصة إلى التخلي عن أحلامها عدا التحاقها بوظيفة لمواجهة صعاب الحياة، والمساهمة في الحفاظ على أسرتها. وقد كان عام 1965 هو التوقيت الذي دقّه القدر في مسيرتها لتعمل مذيعة في إذاعة صوت الساحل بالشارقة.
وتقدم برنامج «ما يطلبه المستمعون»، لكنها لم تعرف قيمة عملها وأهمية انتشار صوتها عبر الأثير إلا عندما لمست مدى التفاعل مع المستمعين، الأمر الذي جعل فرحتها تتهلل ويزداد شعورها بالمسؤولية تجاه بنات وأبناء وطنها، فبدأت تتذوق معنى الطموح والنجاح، وتضع لنفسها حلماً قابلاً للتمدُّد في أجواء متعطشة للتعلم والتثقيف، وتفتّح الأذهان، فآلت على نفسها تبنّي رسالة ترفع بها ذوق المستمعين باختيارها أغاني ذات كلمات عذبة وألحان راقية.
عوامل كثيرة ثوّرت هذا التوجه الحضاري المبكر مثل: نشأتها في بيت كان قبلة لكبار الشعراء مثل الشاعر طناف وراشد الخضر وغيرهما ممن أفاضوا على مسامعها حدائق اللغة وقضايا الوطن والعروبة، فتغذت بالوعي الذي أرادت أن تجعله في خدمة أبناء وطنها عبر عملها.
البدايات
هذا التجمع الشعري الجميل الذي كان يفوح من بيت العائلة وضيوفها، أسهم في تفتق ملكاتها الشعرية التي لا يعرفها إلا قلّة من صديقاتها، وقد بات ذلك واضحاً في أدائها الإذاعي الذي كان من أسبابه أيضاً تفوقها الدراسي وموهبتها في الإذاعة المدرسية.
توطدت العلاقة بين حصة العسيلي وكل هذه الروافد حتى أنها غيّرت وجهتها الجامعية من دراسة الأدب الإنجليزي إلى الأدب العربي في جامعة عين شمس بالقاهرة حتى تكتمل زينتها بأكاليل الشعر والأدب، وتستوفي كل مسوغات العشق للقصيد.
الإحساس بالواجب الوطني لدى حصة العسيلي، والذي لازم وجدانها في عملها الإذاعي، لم يتأت من فراغ، ولم يكن مجرد شعور طارئ، فقد تعلمت هذا الوعي في رحاب منزل العائلة حتى أنها انخرطت في عام 1958 في أول تظاهرة في ذكرى العدوان الثلاثي على مصر، وشاركت في استقبال عبدالخالق حسونة أمين عام الجامعة العربية عام 1963 أثناء زيارته للدولة.. كل هذه المواقف دفعت العسيلي لأن تنأى بعملها وراء المايكروفون عن كل ما هو مسفّ ومبتذل.
من الصوت إلى الصورة
وتنتقل حصة من مجال الصوت إلى رحاب الصورة، حين عملت في تلفزيون الكويت من دبي عام 1969 (مكان وزارة الإعلام حالياً)، وبعدها انتقلت إلى تلفزيون أبوظبي، حتى التحقت عام 1974 بإدارة المعارض في وزارة الثقافة والإعلام.. ومن هنا تبدأ قصة إعلامية أخرى تستقي وهجها من السيرة الإذاعية.. كيف؟
حين حاولت حصة، خلال عملها أن تحيل برنامج »ما يطلبه المستمعون« من الخفة إلى المتعة، ومن الوظيفي إلى الإبداع، كانت مسألة الانشغال بالوطن وأبنائه أخذت مداها الجدي في عقلها وقلبها، الذي تحول نبضه بحب الأرض إلى هدير يتوالد في شرايينها، لذلك كان التحاقي بإدارة المعارض بوزارة الإعلام بمثابة نافذة جديدة تفتحها لتقديم وطنها إلى عيون الآخرين، فكان سوق القاهرة الدولي التي أشرفت فيه على جناح دولة الإمارات ليتعرف الناس إلى ملامح الدولة الفتية.
مرحلة جديدة
وتتوالى الأوسمة على صدر حصة العسيلي لتتولى منصب مدير عام إدارة المعارض لتكلّف بعدها بمهمة أول مفوض عام لجناح الإمارات في إكسبو أشبيلية عام 1992، لتصبح أول امرأة عربية تشغل هذا المنصب في معرض دولي. أما في معرض اكسبو «هانوفر» في عام 2000 فكانت أول امرأة عربية تدخل هذا المجال.
وأخيراً تفرغت العسيلي بعد هذه المرحلة لمشروعها الخاص «تنظيم المعارض»، وهو مشروع تجاري، لكنه لا يندرج تحت بند الربحية البحت، فتقول في هذا السياق: «لقد تعلمت من الإذاعة في بداياتي أن العطاء للوطن يجب ألا يحده حد، وأنه قابل للتعبير عنه في صيغ مختلفة، فأنا الآن ومن خلال مشروعي الخاص أحاول نقل ثقافات مختلف دول العالم إلى بلدي، حتى يطلّع أبناؤنا على هذه العوالم».
أسود وأبيض
كان من الضروري مع ختام حديثنا أن نوقظ في حصة العسيلي عصافير الشعر التي لا يعرف زقزقتها كثيرون، ولم تغادر أعشاشها المبنية بين ضلوع العسيلي، فهي الرافد الخفي لكل إنسانيتها التي رافقت كل مراحلها الإعلامية.
تقول حصة: «عندما عدت من إحدى السفريات وذهبت إلى «فريج» بيتنا القديم وراء حصن الشارقة لم ألمح على الشاطئ سفينة إماراتية واحدة، استبد بي حزن كبير، فقلت:
وطني أتيتك أستعيد طفولتي وأجدد التاريخ والتذكار/ فتوقفت بالباب ذاك مطيتي ورنوت نحو الدار والتذكار/أهلي وأصحابي وكل أحبتي هجروا السفين وولوا الأدبار بحر الخليج إذا رغبت وروده لن تلقى غواصاً ولا بحارا/قلت ارتحل يا ذا المتيم بالهوى إني رجوتك أن تلوذ فرارا كدت أشفق على حصة العسيلي .
وهي مخطوفة بالشعر الذي تفخر بأنه أهم ملامحها.. كدت أراها وهي تولد من جديد على صوت مخاض القصيد، فأدرت دفة الحديث عن وشاية جميلة عرفتها من إحدى صديقاتها، وهي حرصها الدائم على ارتدائها ملابس لا تخرج لونها عن الأبيض والأسود.
وهو أمر أكدته عيني، فكان جوابها أنها تنحاز بكامل طاقاتها الشعورية لكل ما هو واضح ومحدد، وأنها مغرمة بالصراحة دون تجريح، وبالتحديدات دون تجاوزات أو حماقة، فهي لم تتعود على المناطق الرمادية، فالأبيض طائر أحلامها الذي لا يكف عن التحليق في سماء الوطن، أما الأسود فهو الحزن، والانكسارات المحوّمة فوق حياتها.
أغلقت جهاز التسجيل حين لمحت في عين حصة العسيلي أن أحزاناً أخرى تتحرش بها، فربما الوقت لم يسمح، وربما الزمن الذي نعيشه لا يستحق دموع الأشجار التي تكره العسيلي أن تموت واقفة.
مجدي أبو زيد
