في حين يعطي المسؤولون لدينا جل اهتمامهم للمشاريع الجديدة المتصاعدة في وتيرتها والتي تحقق الازدهار الاقتصادي للوطن، نجد في المقابل الكثير من المسائل الحيوية والمهمة على الصعيد الاجتماعي مؤجلة لا تراوح مكانها. بين يدي اليوم كتاب يدرس استشراف التحديات والمخاطر التي قد تواجهها دولتنا خلال الخمس والعشرين سنة المقبلة.
ما هالني في هذا الكتاب هو إحصائية، جمعها الكاتب ضمن الإحصائيات الاجتماعية والتعليمية، والتي تبين النمو في معدل جنوح الأحداث من المواطنين فقط بنسبة 3 ,158% بين عامي 1995 و2004. أي بمعدل نمو يبلغ 15% تقريبا كل سنة.
إن ذلك المعدل يمثل خسارة كبيرة للوطن على صعيد العقول وبناء الإنسان، فالعبرة ليست بمقارنة النسبة الجانحة بالعدد الكلي للأطفال المواطنين في الدولة، فتلك المقارنة غير مقبولة أصلا، لأنها ومهما صغرت النسبة تبقى خسارة العقول المواطنة، التي تحتاج إليها الدولة أمس الحاجة وهي تعاني من مشكلة التركيبة السكانية.
من المنطقي أن يؤدي التطور في أي منحى من مناحي الحياة إلى وجود إفرازات سلبية، ولكن من غير المنطقي تأجيل معالجة تلك الإفرازات. اليوم، تخوض دولتنا الفتية معركة اقتصادية مع الهوامير من الدول، وتكسب المعركة وتثبت جدارتها.
وكسب تلك المعركة أدى إلى تغيير الكثير من مفاهيم سوق العمل. فمثلا، في السابق كانت غالبية المؤسسات ذات دوام قصير، أما اليوم، ومواكبة للطفرة الاقتصادية أصبح لزاما عليها أن تمدد ساعات عملها. وذلك بدوره أدى إلى اصابة الأسرة ـ لبنة المجتمع ـ بالخلل، جراء غياب رب الأسرة لساعات طويلة عن الأبناء.
ويزيد الطين بلة إن كانت الأم أيضا عاملة، ولا تشرف إشرافاً مباشراً على أطفالها، وتلقي بمسؤولية تربية الأبناء على عاتق الخدم، التي أشارت الدراسات إلى أنها أحد أسباب جنوح الأحداث، بالإضافة إلى التجارب الخاطئة المبكرة والتفكك الأسري وغيرها من الأسباب.
لا نريد لأكبادنا أن يدفعوا ثمن فاتورة فرض عليهم اختيارها، ولا نريدهم أن يكونوا ثمنا يدفع مقابل تقدم عجلة اقتصاد الدولة. نتمنى لأطفالنا حياة كريمة، تحترم إنسانيتهم أولا، وتتفهم حساسية المرحلة العمرية التي يمرون بها. فهم لا ينتمون لا لخانة الأطفال، ولا لخانة البالغين.
كما نتمنى أن يؤخذ بأيديهم وهم على أعتاب مرحلة البلوغ، وأن يتم نصحهم بلطف وإرشادهم بلين. نريد لهم بأن يعرفوا حقوقهم حتى لا يتم هضمها، وواجباتهم حتى يتسنى لهم القيام بها. نود تفهم البالغين لهم ولأسباب تمردهم وخاصة دور رعاية الأحداث، دون اللجوء إلى العصبية والكبت والقمع.
فإيداع الأحداث الحبس، والتعامل معهم بما لا يتوافق والإنسانية فمن شأن ذلك زيادة حجم المشكلة. كما نتمنى لو توفر الجهات المختصة رقم هاتف مجانياً لمساعدة الأحداث في حال واجهوا مشكلة في المنزل أو المجتمع.
نريد قبل تطبيق العلاج، معرفة سبل الوقاية وتطبيقها، لضمان عدم سقوط المزيد من الضحايا. كما نريد أن تقوم الجهات المختصة تقديم كل ما هو من شأنه امتصاص الطاقة الزائدة للأحداث والتي إن تم إهمالها قد توجه لقنوات سلبية. نتمنى أيضا تفعيل دور الأخصائي الاجتماعي في المدرسة.
وتأهيله للتعامل مع قضايا الأحداث. كما نتمنى تعميم تجربة التربية الأمنية على جميع المدارس الإعدادية، تلك المرحلة التي يتحول فيها الطفل إلى مراهق. إننا على علم بأن قضايا الأحداث قضايا متشابكة ومعقدة الأسباب، ولكن علينا البدء بتوفير حلول ولو بسيطة مبدئيا، ثم البناء عليها مع مرور الوقت، قبل أن يخرج الأمر عن نطاق السيطرة.