حارب الظاهري «رئيس اتحاد كتاب وأدباء الإمارات» أديب وشاعر متميز استطاع أن يحفرا سمه بحروف مضيئة في آفاق وأبعاد المشهد الثقافي من خلال الآراء والأفكار والرؤى التي يطرحها في إبداعاته الأدبية.

كما أنه وجه من الوجوه الثقافية البارزة التي ساهمت بشكل قوي في دفع حركة الحراك الثقافي في الإمارات، ولأنه فنان مبدع فإن حاله مع السفر أمر يختلف تماماً عن غيره، فهو يعيش في سفرياته أجواء من الحميمية والميل نحو براءة اللحظة، وخلال رحلاته يسعى دائماً لمخاطبة جمال الطبيعة ويقترب بشفافية لملامسة دواخل وأعماق الإنسان أينما كان.يتذكر الظاهري أول رحلة قام بها فيقول: «كنت تقريباً في الخامسة عشرة من عمري، وطلبت من والدي أن أشارك في رحلة يقوم بها بعض من أصدقائي للسفر إلى لندن كي التحق بأحد المعاهد لتعليم اللغة الإنجليزية أثناء العطلة المدرسية، إلا أن والدي رفض سفري مع أصدقائي لأنه غير مقتنع بجديتهم، وقال انهم (منفلتون).

ولم أقتنع برفض والدي لفكرة السفر خارج الإمارات، ولم أتنازل عن طلبي الذي كنت متشوقا لتحقيقه، وبدأت ألح على والدي حتى وافق على رغبتي وقال لي اترك لي الأمر وستسافر.

ولكن بالطريقة التي أرتبها لك، وبالفعل اتفق والدي مع أحد المكاتب التي ترتب لمثل تلك الرحلات والذي اعتقد والدي أنه محل ثقة، وفعلا سافرت وكان ذلك في صيف عام 1977، وعشت مع أسرة انجليزية في مدينة تقع في ضواحي لندن تبعد عنها حوالي 6 ساعات، ولأنها تقع على البحر كانت في غاية الروعة والجمال.

الدرس الأول

وتكونت تلك العائلة التي سكنت عندها من رجل وامرأة متزوجين حديثا، وفي اليوم الأول ذهبت بصحبة الزوجين إلى المعهد الذي سأدرس فيه اللغة الإنجليزية، ثم قالا لي فيما بعد عليك أن تعتمد على نفسك، وكانت تلك أولى الخطوات التي وضعتني على بداية طريق الثقة بالنفس والاعتماد على الذات.

وبدا الأمر صعبا في البداية ثم استطعت أن أذهب إلى المعهد وأعود منه من دون مساعدة أحد، ثم وجدت رفيقا يصطحبني في هذا المشوار وهو أحد مدرسي المعهد الذي أدرس به الذي أصبح صديقي بعد ذلك بحكم أننا نذهب معا يوميا إلى المعهد ونعود منه سويا.

ويواصل الظاهري ذكرياته اللندنية فيقول: وذات يوم اتفق معي هذا المدرس على أن نذهب سويا في رحلة بالسيارة إلى مدينة أخرى، ولي الحق في اختيار صديق آخر ليأتي معنا، واتفقنا على الوقت الذي سيأتي فيه إليّ ليصطحبني، إلا أنني كنت نائما فلم أهتم كثيرا لموعد المدرس معي.

وفوجئت بالعائلة التي أسكن عندها يوقظونني وهم مستنكرين نسياني لموعد أستاذي، وأفقت من نومي مسرعا وكان المدرس ينتظرني خارج المنزل، وكانت مفاجأة لي عندما عرفت أن المدرس يمتلك سيارة، فقلت له مستغربا لديك سيارة وتتركنا نمشي ونعود يوميا من المعهد والآن.

وبعد مرور تلك السنوات أتذكر سؤالي هذا وأجده في منتهى البراءة من إنسان بسيط قادم من الصحراء، المهم أنني عرفت من المدرس أن البترول مرتفع الثمن، كما انه يفضل السير على الأقدام توفيرا للنفقات ولا يستخدم السيارة إلا في المسافات الطويلة والتي تستدعي السفر، وأردف وبما أنك أتيت من بلد للبترول سيكون بترول تلك الرحلة على حسابك.

ووافقت دون مناقشة وعندما دخلنا محطة البترول أخرجت من جيبي محفظة النقود، فرفض المدرس أن أدفع النقود قائلا كنت أمزح معك فقط، كي أعرف كيف سيكون ردك علي والحقيقة أنني استفدت من هذا المدرس كثيرا، لأنه كان دائما يوجهني إذا ارتكبت سلوكا غير لائقا، والذي صدر مني بسبب صغر سني، ولأنني أتصرف بطريقة فطرية.

الإحساس بالجوع

وعن السلبيات والإيجابيات التي واجهها في رحلته يقول حارب: أهم الإيجابيات أنني استطعت الاعتماد على النفس وبدأت رحلة اكتشاف الذات، وعرفت أن هذا الشعب منظم ويقدس العمل، ويحترم المواعيد، إلا أنهم يفتقدون العاطفة فهم عمليون جدا، ومعظمهم يمارسون الرياضة فتلك العائلة التي كنت أعيش معهم كانوا يصطحبونني كي ألعب معهم رياضة الغولف، وهم بخلاء بعض الشيء، وعاداتهم الغذائية لا تتناسب معنا كعرب، فمثلا يفطرون في الساعة السادسة صباحا «كورن فليكس» .

وبيضة واحدة لكل شخص، والغذاء الساعة الثانية عشرة فيأكلون طماطم وقطعة جبن وشريحة خبز، وفي العشاء الساعة السادسة مساء يأكلون خضار سوتيه وشريحة همبورجر وقطعة بطاطا. والحقيقة أنني أخذت أبحث عن المطاعم لأنني كنت أشعر دائما بالجوع، وبالفعل وجدت أحد المطاعم الهندية التي وجدت فيها ضالتي.

واعتدت على الذهاب يوميا إلى هذا المطعم كي أتناول وجبة الغداء، وهناك تعرفت على النادلة التي تأتي إليّ بالطعام، وبدأت أتبادل معها الحديث يوميا أثناء تقديمها لي الطعام، وهذا أثار حفيظة صاحب المطعم وهو (انجليزي من أصل هندي) .

وقد نبهني أكثر من مرة ألا أتحدث معها ثانية لأنني أعرقل عملها، لكنني لم أستجب له، وقال لي ذات مرة وبعنف شديد ألا آتي ثانية إلى المطعم، إلا أنني لم أستجب أيضا له، وللأسف لا أعرف ما حدث للفتاة بعد ذلك ربما فصلها صاحب المطعم من عملها.

أميركا والعري

وينتقل الظاهري بذكرياته إلى بلاد العم سام فيقول: « سافرت إلى الولايات المتحدة الأميركية للدراسة، عام 1984، وكنا مجموعة أصدقاء من مختلف إمارات الدولة، شعرنا وقتها بالسعادة الغامرة وذلك لأننا انتقلنا إلى مرحلة جديدة في حياتنا بعد الثانوية، حيث ذهبت لدراسة إدارة الأعمال والكومبيوتر في ولاية أريجون بمدينة (كورفالس).

وأتذكر جيدا أننا ذهبنا إلى هناك في يوم عيد الهالوين، فوجدنا الناس في الشوارع وفي كل مكان يرتدون الملابس التنكرية، حتى في حرم الجامعة، ما أثار ضحكنا واستغرابنا، فلم نكن نعرف شيئا عن هذا العيد، حتى إننا وجدنا البعض منهم يرتدون ملابس الإحرام وهذا جعلنا نتساءل ضاحكين هل نحن في أميركا أم أننا في السعودية، المهم ذهبنا ذات يوم لكي نجتاز اختبارا لتحديد المستوى في الجامعة ولأننا لاهون لم نكترث كثيرا للامتحان.

ولم نجب بشكل مرضٍ فوضعونا في أضعف مستوى، وسكنا في سكن الجامعة ثلاثة أشهر ولم نشعر بالراحة حيث إن الحمامات مشتركة وكانوا يدخلون تلك الحمامات سويا ويتحممون عراة أمام بعضهم البعض.

وكنا نشعر بالخجل والضيق، وكنا ننتظرهم حتى ينتهوا من استحمامهم ثم ندخل وهذا كان يعطلنا كثيرا عن الذهاب إلى الجامعة أو أي مكان آخر، ثم طلبنا من مؤسسة اتصالات التي أرسلتنا للدراسة أن نسكن خارج السكن الجامعي إلا أنهم كانوا يرفضون بشدة، وبعد أن اقتنعوا بوجهة نظرنا استطعنا بالفعل أن نسكن منفردين في شقق قريبة من الجامعة.

سلمان الفارسي

وكان في المكان الذي عشت فيه جامع يسمى سلمان الفارسي، ووجدت في هذا المسجد نظاما جميلا تتبعه الجالية المسلمة هناك، فمثلا في رمضان تشترك العائلات في عمل طعام للإفطار لجميع المسلمين الذين يأتون للمسجد، ويأتي الناس قبل الإفطار مباشرة وبشكل منظم ومرتب ليأخذ كل واحد صحنه ويجلس على فرش خاص أمام المسجد.

ويأكل كل واحد قدر طاقته فقط، أيضا أعجبني كثيرا أن هناك هاتفا خاصا بالمسجد يمكن لكل واحد من الرواد الاتصال بأهله في أي مكان في العالم، ثم تأتي الفاتورة في آخر الشهر ويتم تعليقها أمام الباب، ليطلع كل واحد على أجرة المكالمات التي يجريها ثم يقوم بدفع المبلغ في صندوق خاص بذلك، و أيضا هناك سوبر ماركت خاص بالمسجد لا يوجد به بائع، فأنت تدخل لتشتري ما تريد من السلع.

وتضع أيضا النقود في صندوق خاص في السوبر ماركت، فأنت تتعامل بثقة في كل أنواع الأمور والتي أيضا لا تتطلب رقيباً داخل المسجد، فضلاً عن الأنشطة الرياضية والمحاضرات وغيرها من الأمور التي تجذب الشباب للذهاب إلى المسجد.

وأثناء دراستي الجامعية في أميركا تعلمت أيضا الاعتماد على النفس كذلك تعلمت الطهو وغسل الثياب، ولأن المدينة التي أعيش فيها صغيرة كنت أقضي كل مشاويري سيرا على الأقدام.

ويستطرد الظاهري ذكرياته: «الشعب الأميركي كريم للغاية، ومتعاون إلى أقصي الحدود خاصة أذا حاولت الاستفسار عن شيء ما فلن يردك مهما كانت الظروف.

وهو شعب مختلف تماما مع الشعب البريطاني، كما أنهم منفتحون ورغم تعدد ثقافات هذا الشعب إلا أن لديهم عادات حلوة ولكنهم يعانون من مشكلة تحرر الأبناء في سن المراهقة من كافة القيود، لكن في الحقيقة أن ألمانيا من أجمل البلاد التي زرتها.

فرغم أن الشعب الألماني معروف بأنة شعب عملي يفتقد كثيرا إلى العاطفة، بل وعقلاني بشكل كبير، ولكنني اعشق هذا الشعب ولدي أصدقاء ألمان كثيرون، فهم في البداية لا يتجاوبون كثيرا معك ولكن بعد فترة يستطيع التعامل معك بشكل جيد كانسان.

وفي ألمانيا طبيعة جميلة تختلف كلية عما شاهدته في البلدان الأجنبية الأخرى، فمثلا هناك أماكن غاية في الروعة مثل هيسل وشتوتجارت وميونخ، كذلك أفضل النمسا وبلجيكا وهولندا أيضا لطبيعتهم الساحرة، وكندا وسويسرا، فمثلا تعد النمسا جنة الله على الأرض فليس هناك أروع من البحيرات وسط الطبيعة الخلابة.

الاهتمام بالإنسان

وللعلم فإن ألمانيا من أكثر بلدان العالم اهتماما بالإنسان، كما أن اهتمامهم بكبار السن والمسنين يفوق الوصف، فهم يوصلون لهم الثلاث وجبات حتى باب المنزل يوميا، ويهتمون بهم صحيا ونفسيا واجتماعيا حتى لا يشعروا بالوحدة، ولديهم أيضا مؤسسات للاهتمام بالمعاقين حيث يتطوع أفراد المجتمع بدون مقابل للذهاب لتلك المؤسسة.

وكل واحد منهم يهتم بشخص ما فيأخذه على منتجعات خاصة بالاستشفاء فيها عيون كبريتية ساخنة تخرج من باطن الأرض، وغالبا يسير المتطوعون مع المعاقين في جماعات، فيذهبون إلى السوق.

أو يتمشون في الحدائق وهكذا، وكلما ذهبت إلى ألمانيا أتطوع لفعل ذلك بسعادة غامرة، فرغم أن هذا الشعب عقلاني جدا ورغم أن العرب شعب عاطفي جدا إلا أن الألمان يهتمون بالإنسان بشكل عملي أكثر من أي شعب في العالم.

وعن علاقة الأدب بالسفر يقول حارب لقد كتبت مجموعتي الشعرية (قبلة على خد القمر) بين ألمانيا والنمسا في عامي 98، ،99وكتبت مجموعتي القصصية (ماندلين) .

وأنا أدرس في أميركا، أما (ليل الدمى) فهي نسيج بين الإمارات والدول التي زرتها، عموماً كتاباتي مزيج بين الشعر والقصة، ولم أفكر في أدب الرحلات رغم سفرياتي الكثيرة إلا أنني كتبت بعض القصص التي استوحيتها من مشاهداتي مثل (عجوز بروكسل) في مجموعة ليل الدمى، حيث كنت أشاهد تلك العجوز من نافذة الفندق وهي تسير يوميا في نفس الشارع الذي تسلكه دون تغيير.

وتذهب إلى صفيحة القمامة تفتش فيها وتنتقي منها أشياء لتضعها في كيس بحوزتها، ثم تمضي في طريقها، وبعدها تختفي، ولا أعرف تحديدا أين تذهب،كذلك من المشاهدات في تلك المدينة، ان هناك مجموعة من البشر لا يظهرون إلا في المساء عندما تغلق المطاعم أبوابها ليبحثوا عن بقايا الأطعمة.

وهم يخرجون في مجموعات، ولهم أشكال مخيفة، ويظهرون فجأة ويختفون أيضا فجأة، وتلك المشاهد تصيبني بدهشة كبيرة فكيف لبلاد متقدمة أن يعيش فيها بشر يبحثون عن طعامهم في النفايات ولا تهتم بهم الدولة.

كذلك ذات مرة في أميركا، وعندما انتهيت من عشائي بأحد المطاعم قررت إلقاء باقي الأكل، فوجئت بواحد يهرع إلى ليأخذه من يدي ليأكله، لذلك أجد أن ألمانيا هي أكثر الدول اهتماما بالإنسان، هل يعقل أن دولة عظمى مثل أميركا يتكاثر المشردون في شوارعها (الهوم لس)، حتى إنهم يقومون بتظاهرات مناهضة للحرب.

ولكن بشكل حضاري من خلال لوحات يرسمونها ويقفون أمام البيت الأبيض الأميركي مطالبين الحكومة بوقف الحروب وانفاق تلك الأموال عليهم بدلا من الحروب، كذلك يمكن أن تجد أما تتشاجر مع ولدها الذي يعمل في بيع الجرائد لأنه عندما أتى إلى المنزل جائعا، فتح البراد ليأخذ منه سندويتشا ليأكله، فتنهره الأم لأنه اعتدى على عشائها، رغم أنها تقوم بتربية القطط.

وهذا الطعام عشاؤها، وهذا الموقف حدث أمام عيني، وتعجبت من قسوة تلك الأم وقارنتها بالأم العربية التي تحرم نفسها من كل شيء من أجل أولادها.

ويختتم الظاهري حديثه عن مقتنياته كأديب خلال أسفاره: لكل بلد خصوصية يمتاز بها فمثلا في أميركا أحرص على شراء القصص القصيرة وذلك لأنها تمتاز بهذا النوع من الأدب، وفي بريطانيا أحرص على شراء البطاقات التي تحتوي على رسومات للفنانين هناك.

وفي تونس أشتري الروايات، ومن المنطقي أن أطلع على الأدب الخاص بالبلاد التي أزورها وذلك من خلال قراءاتي الخاصة وثقافتي التي كونتها عن هذا البلد، وربما تكون ألمانيا هي البلد الوحيد الذي لا أشتري منة الكتب بسبب اللغة.

إيمان قنديل