يبدو أن بحيرة الشارقة تعلمت لغة كل من مروا بها. يبدو أنها أنصتت جيداً لأحاديث العابرين، وامتزجت بدموع من أجهش هناك في نوبة حنين جارفة، مأخوذاً بصورة الصبية الأولى التي تعلق بها، والتلويحة الأولى في رحلة الوداع، ومطاردة السحب العالقة بين عاصمتين، الأولى تأكل روحه، والثانية تقذفه من شهر إلى آخر على عتبة البوابة الصماء.

ويبدو أنها تروي الشعر لمن تشبث بالمجاز وتعذر على الكلام الهجين واللكنة المقطرة من مكاتب العمل. يبدو أنها طافحة بذكريات الأرض كلها.. بآسيا، وإفريقيا، وبكل من جلس على كراسي القش في (المقهى الشعبي) وهو يتملى أضواء المصابيح المعلقة على أعمدة الخيزران. يبدو أنها اختلطت مع الحليب بالزنجبيل والشاي كرك، على الشرفة المنداة بالأماسي الطيبة والنسمة الطيبة والذكريات الطيبة، ويبدو أنها أعادت كرة الماء إلى الطفل الذي أفلتت منه المسافة وأدركه الشغف برائحة البحر والملوحة، وتندى بأزرقها الشفيف.

وكأنها أنصتت إلى حديث (ن.ع) وهو يخبر صديقه المتعرق عن نيته في الانفصال عن الزوجة التي حالت دونه ودون لوحة لن يرسمها أبداً، وهو ينكش شعره على طريقة الغارقين في أسطورة الخلق والمأساة.

وكأنها علمت بأسئلة الولد الوحيد التي تشبث بدموع أمه وهو يسأل عن والده الذي تأخر في طريق العمل كل هذي السنين، وأنها ضاقت ذرعاً بـ (ع.و) وشعره المربوط الذي يهزه حين يهذر هو الآخر عن رغبته في انفصال ميمون، سيجعل النساء ينحنين لرجولته المدحورة في (مؤسسات الزواج).

يبدو أنها تهللت لاعترافات كائنين بغيمة ولدت بينهم للتو وأغرقتهم بنداها.

ويبدو أنها رقت لنذور أول الفجر حين أطلقت امرأتان التحفتا بعباءة الليل والرغبة الصادقة بفرح قريب، ديك الأمنيات على ماء البحيرة، ونثرتا كلاماً غامضاً مع حفنة من رماد النسور وتبر البحر.

ويبدو أن للبحيرة حديثا نحاوله، حين يشف القلب وتفيض الأزمنة بالوجوه الحميمة، التي انعجنت في الروح وفاضت برائحة المطر والأرض الرطبة، يبدو أنها التقت ذات مطر بعيد بغدران الحارات التي خوضنا بها في صباحات الشتاءات البعيدة، وأنها انعجنت في جدران الطين وأسقف القش.

ويبدو أن لها نشيدا نحاوله حين تأخذنا أغاني البحارة إلى جزيرة كانت لنا، ذات حلم، وحين يحملنا وجع غامض إلى بكاء جارف، وحين تنسكب الأماكن القديمة والأوجاع القديمة العالقة على رموشنا، في موجها الساكن، ولها ما للبحر علينا، لكنها أكثر عزلة بنا، وأكثر ازدحاماً بنا، بعد أن أسرفنا في البوح.

ويبدو أن الفجر لا يغيب عنك أيتها البحيرة، والمساء لا يغيب عنك، وأن الظهيرة اللاهبة ماثلة في جوفك البارد.

اسماعيل الرفاعي