محمد يوسف أحد الأسماء البارزة في المشهد الثقافي الإماراتي، حقق حضوراً دائماً عبر إسهاماته المهمة في تأسيس مسرح الشارقة الوطني وجمعية الإمارات للفنون التشكيلية، وعاصر جميع المراحل الانتقالية التي شهدتها الإمارات منذ فترات التأسيس الأولى، وكان له دور ريادي في تغيير البنية الاجتماعية وترسيخ الوعي الفني والجمالي.
عن تجربته التي امتدت لأكثر من ربع قرن، كان لنا هذا اللقاء الذي اكتظ بسيرة الزمان والمكان وأسماء المبدعين الذين رافقوا مسيرته الإبداعية الحافلة.ـ إسهاماتكم في تأسيس نواة حقيقية في المسرح والفنون التشكيلية، وإيجاد بنية ثقافية واجتماعية متكاملة، ترافقت مع التحولات الاجتماعية والمادية التي شهدتها دولة الإمارات في السبعينات، ماذا عن تلك الفترة؟
ـ سأجيبك بتلقائيتي المعهودة، فنحن جمعنا بين جيلين، وأفدنا من جيلين، الجيل الأول وهو جيل التأسيس على المستوى السياسي ويضم المغفور له بإذن الله تعالى المرحوم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مؤسس دولة الإمارات وباقي حكام الإمارات أطال الله أعمارهم وجيل المثقفين الأوائل مثل تريم عمران، عبدالله عمران.
وصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، ومجموعة كبيرة من المثقفين من الجيل الأول الذي ذهب في بعثات إلى الكويت وهو جيل عبيد القصير وغيره من المثقفين، وأنا من الجيل الثاني الذي ذهب إلى مصر عام «1972».
ومنهم محمد سلطان المزروع وراشد سلطان الكيتوب، ومن هؤلاء سفراء في بعض الدول العربية وهنالك بعض الوزراء والوكلاء والمساعدين، وفي مجال الفنون كان هناك حمد السويدي ومحمد أمين أكبري.
والحقيقة أن الثقافة لم تكن جديدة علينا في الشارقة، فلها جذورها القديمة خصوصاً وأن الشارقة قد احتضنت أول مدرسة نظامية بالإضافة إلى العديد من الصحف والجرائد النوعية كجريدة الطليعة وجريدة الشروق، وكنا قد أسسنا مسرح الشارقة الوطني الذي نتج عن اندماج مؤسستين وهما مسرح الشارقة والمسرح العربي.
ومن هذا المسرح ظهرت مجموعة من الفنانين أخذت على عاتقها مهمة النهوض بالمسرح وتعميق علاقته بالمجتمع ومن هذه المجموعة: ظاعن جمعة، عبدالله مطوع، عبيد بن صندل، موزة المزروعي، موزة سعيد، سلطان الشاعر ومجموعة أخرى من الأسماء بالإضافة إلى مجموعتنا التي ضمت الفنان القدير عبدالله المناعي .
وموزة سعيد وآخرين وبعد ذلك سافرت إلى مصر لمتابعة الدراسة التي كان من المفترض أن تكون في المعهد العالي للفنون المسرحية، لولا فاتني امتحان القدرات المهم أنني التحقت بكلية الفنون الجميلة، بعد أن جاء قبولي في كلية الآداب ـ قسم الاجتماع في جامعة عين شمس، لكنني فضلت الفنون ومازلت أتذكر حتى الآن بأنهم طلبوا منا رسم (بطاقة معايدة) لجندي عائد من حرب أكتوبر وهنا بدأ التحول والجمع بين التشكيل والمسرح.
ـ هل جاءت دراستك للفنون بمحض الصدفة، أم أن هناك بدايات قديمة لهوايتك؟
ـ اهتمامي بالرسم قديم، ويمتد منذ المرحلة الابتدائية وحتى الثانوية العامة والتي قضيتها كلها في دولة الكويت، حيث كنت أشارك في المعارض المدرسية والكشافة بالإضافة إلى مشاركتي في المسرح المدرسي، والآن أصبح التشكيل يمثل اهتمامي الأول والأساسي خصوصاً وأنه أصبح مصدر رزقي وارتبط بطبيعة عملي في الوزارة.
وفي بداية تخرجي كلفني عبيد القصير بالإشراف على الديكور في تلفزيون أبوظبي إلى إن طلب مني عبيد الهاجري العودة إلى الشارقة والإشراف على قسم الوسائل التعليمية وقتها كنت أدير مسرح الشارقة الوطني، ومن مكتبة مسرح الشارقة الوطني، أسست جمعية الإمارات للفنون التشكيلية مع مجموعة من الفنانين، إلا أنني كنت صاحب المبادرة في ذلك.
ـ حدثنا عن تلك المرحلة وعن أسماء الفنانين الذين ساهموا معك في بدايات التأسيس للجمعية؟
الخطوة الأولى كانت مهمة ولها خصوصيتها وقيمتها بالنسبة لي وقد رافقني فيها العديد من الفنانين الخريجين مثل حسن شريف، حسين شريف، عبدالرحيم سالم، نجاة مكي، عبيد سرور وآخرين من الاخوة والزملاء الصحافيين والأدباء، وكان الشيخ محمد بن أحمد القاسمي هو الرئيس الفخري للجمعية، بعد ذلك أعطانا صاحب السمو الشيخ سلطان بن محمد القاسمي أطال الله عمره مقرا للجمعية .
وهو بيت سلطان بن خادم في شارع الخليج العربي، انتقلنا بعده إلى بيت المرحوم تريم عمران في شارع الكويت ثم إلى بيت السركال، حتى انتقلنا إلى المقر الحالي للجمعية في حي الشويهين.
وأنا فخور بتلك البدايات التي استطاعت أن تمهّد للمستوى الحالي من الوعي الفني والنتاج الإبداعي بعد أن كان الناس يسمّون الفنون التشكيلية بعكوس رسوم، نقش، صباغ، بالرغم من وجود فنانين في تلك الفترة إلاّ أن جهودهم كانت مبعثرة كالفنان ناصر عبيد الشامسي ومحسن النومان، وقد سبقنا أيضاً عبد القادر الريس الذي سبقته شهرته من دولة الكويت.
ـ من أين جاء هذا الحماس، وكيف تعاملتم مع واقع اجتماعي وثقافي في طوار التحول والتشكّل؟
ـ أتذكر عبارة مشهورة لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي يقول فيها: تكفينا ثورة كونكريت، علينا بالثورة الثقافية والحقيقة أننا قمنا بعملنا على هذا المنوال، وقد كانت الإمارات في ثورة من العمران والأعمال وتشكيل مؤسسات المال ومراكز التجارة، لكننا فضّلنا الالتفات إلى الفن والعمل الثقافي.
وكنّا نؤمن بأن كل هذه الأمور إلى زوال باستثناء الفن فهو وحده الذي سيبقى. وأتصور أن تحوّل الذائقة من سطحية تلقائية ذائقة متعمقة ومتخصصة لم يكن بالأمر السهل وأنا فخور بالدور الذي لعبناه في تلك الفترة، فمن مفهوم العكوس والنقوش إلى مفهوم العمل الفني والمصطلحات التخصصية وهذه النقلة النوعية لم تأت بين يوم وليلة.
وأتذكر أن للفنان أحمد الأنصاري لوحة بعنوان «الشحاذ» كنت أحملها وأدور بها على المحلات لأطلب من أصحابها الكراسي والطاولات، حتى تكونت الجمعية، وما ان أعلن تشكيل الجمعية حتى أعطانا سمو الشيخ جميع المستلزمات المطلوبة وخصص لنا مبلغ 10 آلاف درهم شهرياً في حين كان المخصص الشهري للجمعيات الأخرى 5 آلاف درهم.
ـ أين كان المسرح من ذلك وأنت في غمار التشكيل والانهماك بتأسيس الحركة الفنية؟
ـ لم أنقطع عن المسرح، فقد كنت عضواً في الفرقة القومية مع المرحوم إبراهيم جلال وغيره من المخرجين العرب الذين أسسوا مسرح الإمارات تنظيرياً، وإن كانوا قد أغرقوا المسرح بالتنظير وهذا له جانبه السلبي والإيجابي، إلا أنهم استطاعوا أن يرسخوا قاعدة متينة لم تتأثر بما يدور حولها، كما حدث في الخليج ومصر والكويت.
حيث اتجه المسرح عندهم إلى المسرح التجاري، فيما بقي مسرح الإمارات رصيناً ومتّزناً، ولا أدل على ذلك من أيام الشارقة المسرحية تلك التظاهرة الرصينة والمتميزة على المستوى العربي والتي تبحث عن الجدية والاتزان وتبتعد كثيراً عن الإسفاف.
ـ ثورة العمران والتطور جلبت معها كوادر نوعية ومثقفين يحملون مشاريع حقيقية ذات هموم إنسانية، كيف تقاطعت اهتماماتكم وعمّ أسفرت؟
ـ جمعيتنا ليست محلية. جمعيتنا عربية، عربية، عربية، وكل اخواننا العرب ساهموا معنا بشكل أساسي، ووقفوا معنا وقفة جميلة، وأذكر منهم الفنان المرحوم عبداللطيف الصمودي، عبدالكريم السيد، عبدالكريم سكر، إحسان الخطيب، عدنان الساجر، ديانا حوراني، عطاف العظمة.
ومجموعة كبيرة، ولا شك أن شبابنا استفادوا كثيراً من هذه الخبرات، وأسست لحركة تشيكلية نشاهدها الآن، وانطلاقاً من انتمائنا الإنساني العربي تشكلت همومنا وهواجسنا.
ونحن الآن نبحث عن التواصل مع الناس من خلال بصمتنا الخاصة وموروثنا الخاص ومن خلال البيئة التي تحيط بنا دون أن نسمح لأنفسنا بالتأثير بالمدارس الجديدة التي لا تمثلنا، فأنا أعتقد بأننا لا نستطيع أن نعبر عن أنفسنا وطرح هويتنا إلا بالانتقال من الداخل إلى الخارج وليس العكس والحقيقة أنا لا أؤمن بهذه المدارس التي لم تأتِ بشيء جديد .
ـ في رحلتك التي شاهدت وساهمت في وضع حجر الأساس، هل تحتفظ بأرشيف خاص لتلك المرحلة؟
ـ لدي أرشيف كبير لا يحصى، لدي صور لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي وهو يفتتح معرضنا في القاهرة بعد تأسيسنا لنادي طلبة الإمارات، ولدي صور للعديد من الفنانين الكبار بالإضافة إلى مجموعة نادرة وقديمة من شهادات التقدير، ولدي مجموعة من الأغاني القديمة.
وأنا شغوف بالأغاني القديمة على عكس الأغاني الحديثة التي تشبه الفقاعات، ولدي مجموعة من التسجيلات منذ كنت أعمل في إذاعة أبوظبي قبل عشرين عاماً، وأملك أقدم جهاز لأشرطة البكرة وبهذه المناسبة، أحبّ أن أخبرك بأنني من أقدم مغني المونولوج في الإمارات، وحين كنت في القاهرة كنت أدير اللجنة الفنية.
وكانت تأتي إلينا فرقة من وزارة الإعلام من ضمنهم عبدالله الحارب ومروان الخطيب والمرحوم جابر جاسم وعبدالله بالخير، وكنت أغني المونولوجات المشاكسة وألّفت العديد من المونولوجات وأديتها على المسرح والتحدي الكبير هو أني دخلت الاستديو قبل التخرج وسجّلت مع فرقة سامي نصير «اضحك تضحك لك الدنيا» .
والطريف في الأمر أنها كانت تذاع في أبوظبي تلك الفترة وحين كنت أطالب بأجري مازحاً لم يكن أحد يصدّق بأن هذه الأغاني من أدائي، كما أنني أعتز ببرنامج قصاصات الذي غطيت فيه ثلاثة أرباع المبدعين والشعراء الإماراتيين.
ـ إذاً أنت إعلامي ومسرحي وتشكيلي ومطرب مونولوج؟
ـ يضحك.. الغناء قصة قديمة وأنا المطرب الوحيد في الفرقة آنذاك وكنت أغني مونولوج مسرحياتنا القديمة. فقد غنيت «ربشة في البقعة ربشة كل الناس مرتبشة»، والفن هو حالة لا تتجزأ وهو حالة يجب أن تخرج للناس وأن تترك للناس حرية الحكم عليها والتعامل معها وكل ما أريد هو الحفاظ على اللون والهوية والبصمة الخاصة.
وألا نشعر بغربة في أرضنا وأن نتأنى في موجة الأعمال الفنية التي نراها اليوم تغزو ساحتنا الفنية وأن يكون العرض متوازناً بين فناني اللوحة وفناني الفيديو آرت والكاميرا ديجيتال.
اسماعيل الرفاعي

