كثيراً ما تتهدد العلاقات الإنسانية بآفة النسيان، حين تنخر الانشغالات الحياتية والهموم اليومية مباهج تلك العلاقات، وتجعلها رماداً تحت ضغوط الأيام.
ومع ذلك هناك ممن يحتفظون بجمرات الماضي، يتدفأون بشرره المتطاير على أجنحة المحبة، نجد هناك ممن نجحوا بعلاقاتهم من عواصف الجحود تارة، والفتور تارة أخرى، لتبقى مرابع الصبا ومشارب الشباب معيناً ينز بأطايب الحميمية وجماليات الحنين الصامد في وجه رياح النسيان.
لذلك آلينا على أنفسنا أن نلاحق جذور بعض العلاقات التي لا تزال تلقي بثمارها الطيبة على أرض الواقع، لتصبح مشهداً حانياً يستحق الاحتفاء به والتقاطه بأنشوطة الحب والصداقة العامرة باليفاعة.
وإبراهيم بوملحة الذي يطرب كثيراً لمناداته ب«أبوعبيد»، إحدى الشخصيات العامة التي سعينا إلى نبش مخزونها الإنساني، ورسم ملامحها البعيدة عن الأضواء عبر أصدقاء الطفولة والشباب الذين لا يزالوا يجسّدون رونق هذه العلاقة بأحاديث يفيض بالبهاء الإنساني.
بلال بدور كان أول المتحمسين لفتح ألبوم الماضي الذي شاركه فيه بوملحة لأكثر من أربعين عاماً، حيث كان يسكن بالقرب من منزل أبوعبيد، لتشهد الشوارع والحارات على ولادة علاقة ودودة، نبت عمقها الروحاني في باحة المسجد الذي كان يؤمه والد بوملحة، واكتمل نسيجها على عتبات مدرسة الأحمدية.
يقول بدور: «تصادقنا طوال ثلاث سنوات في فصول الأحمدية، التحقنا بعدها بالمعهد الديني، وبدأت العلاقة تزداد التصاقاً مع ساعات المذاكرة في منزل أسرة بوملحة، وكفا أحياناً نستذكر دروسنا على ضوء الشارع المنبعث من أعمدة الإنارة، هذه المواقف البسيطة دعمت بشكل كبير هذه الصداقة وزادت من وتيرة دفئها.
ويضيف بدور: «ما لا يعلمه كثيرون عن بوملحة عشقه المتناهي لرياضة كرة القدم حتى أنه كان ضمن فريق الوحدة الذي كان يسافر معه في معسكراته بالقاهرة. أيضاً كان بوملحة يمتاز بقدرة هائلة على الحفظ، حتى إننا أطلقنا عليه«جهاز تخزين»، وكنا نتنافس أنا وصقر المري وحمد الشيباني وحمد بالر قيط، على مجاراته في التفوق الدراسي .ومازلت أذكر اتصافه بالحظ الجميل، الأمر الذي جعل المدرسين يطلبون منه دائماً كتابة الدروس على السبورة بخطه الأنيق.
ضابط شرطة
ويواصل دور: «معروف عن بوملحة شخصيته القيادية والطموحة التي لا ترضى بديلاً عن تقدم الصفوف، ومع ذلك لم يكن متجهماً بل مرحاً ظريفاً يتقن المقالب، لكن دون إهانة أو تجريح أو ابتذال، فهو يحب أصدقاءه ويتفانى في العطاء معهم لأنه تربّى منذ الطفولة على الالتزام الأخلاقي.
ومن المواقف الدالة على تطلعه الدائم للأفضل أنه ترك دراسته الثانوية قبل انتهاء السنة عندما وجد بعض زملائه حصلوا على دورات شرطية بالأردن وعادوا ضباطا، فانضم إلى الشرطة واجتاز العام الأول بتفوق، لكن العجيب أن إبراهيم ترك الشرطة وعاد لدراسة الثانوية بعد علمه برسوب أحد أصدقائه بالثانوية فأراد أن يكون بجواره في الفصل وعدم تركه وحيداً.
لكن ما دفع إبراهيم أيضاً إلى العودة للثانوية العامة هو التحاقنا جميعاً بالجامعة، واكتشافه أن دراسة الشرطة سوف تبقيه في الإطار المحلي، فنجح بتفوق ودخل كلية الشريعة والقانون وحصل على البكالوريوس بتقدير ممتاز.
ولأنه يعشق الطموح قدّم أوراقه للدراسات العليا، حيث اكتفى باجتيازه العام الأول، وقف راجعاً إلى أسرته الذي يكره مفارقتها لارتباطه الشديد بالجو العائلي، واحساسه الدائم بالمسؤولية الأسرية، فهو ولد وحيد له شقيقتان، ووالد مسن ومريض، فضلاً عن مسؤوليته عن رعاية أولاد أخته.
ويسرد بدور أحد المواقف التي تثبت طرافة مقالبه فيقول: كنا أول دفعة بالمعهد الديني، ويفترض بنا الالتزام والنظام، لكننا اتفقنا ذات يوم على ترك المعهد في منتصف اليوم الدراسي، متوجهين في رحلة الى الخوانيج.
وارتبكت الإدارة لهذا التصرف الأحمق، وعندما جئنا في اليوم التالي الى المعهد سألنا ناظر المعهد والاخصائي الاجتماعي عن سبب هذا الرحيل المفاجيء، فأجابهم بوملحة: «لقد كنا جائعين وذهبنا لشراء دجاجة».
والجوانب الأخلاقية التي يتمتع بها إبراهيم وكذلك نزعته الإنسانية أهلته دائماً للانخراط في العمل الخيري.. وربما مرض والده الطويل ومعاناته من الأسباب التي جعلته رقيقاً شفيفاً يشعر بآلام الآخرين، خاصة ان معظم المناصب التي تولاها قربته أكثر من هموم الناس وأوجاعهم.
فانحاز بكل حواسه للإنسان رافضاً ظلمه أو إهانته مهما كلفه الأمر، يكفي ان تعرف، يقول بلال، أن بو ملحة عندما كان يعمل بالنيابة أوصل بمرافعاته النيابية زميلاً له في الصبا إلى حكم الإعدام بسبب اغتصابه لطفلة، لتثبيت كرهه لأذى الآخرين وتجاوزه لمشاعره الخاصة.
وينهي بدور حديثه المفعم بالاحترام لصديق عمره:«مشكلة بوملحة هي تشبثه برأيه، وهو عيب ليس سلبياً 100% اذا عرفنا انه دائماً يضيف كل ما هو جميل لعلاقته معي ومع الآخرين، فهو مغرم بالأدب واللغة العربية والثقافة، ما يجعل صداقته لنا تفيض بالعطاء والتفاؤل وتزيد من صقل العقول والقلوب.
عاشق لكرة القدم
الدكتور حمد الشيباني مدير عام دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في دبي كان له نصيب من ذكريات الصبا مع بوملحة، استناداً الى علاقة نسب، فضلاً عن العلاقة الوطيدة التي تربط والد إبراهيم بوالد الشيباني نظراً لعملهما معاً في التعليم الديني.
يقول الشيباني وقد كست وجهه فرحة تذكر أيام الشباب مع بوملحة:
«لقد جمعتنا أشياء كثيرة، منها أيام الدراسة الجامعية حيث كنت أذهب الى شقته بالقاهرة كلما احتجت لذلك، فقد كان خير مضيف لمن يقصده، حيث كانت نشأته الطيبة مطبوعة دائماً على سلوكياته وأخلاقه.
ويتفق الشيباني مع بلال بدور على عشق بوملحة لكرة القدم رغم ممارسة كل أصدقائه لهذه الرياضة، إلا ان ابراهيم كان اكثرهم شغفاً بالساحرة المستديرة، كما ان الرحلات الى البر كانت من أكثر القواسم المشتركة بين «شلتهم»، وفي هذا السياق يقول الشيباني: «لقد كنا في الماضي نذهب في سيارة واحدة وهذا في حد ذاته كان كفيلاً بارتباطنا لحين الانتهاء من الرحلة.
عكس ما يحدث هذه الأيام، حيث يذهب كل شاب مع رحلة جماعية بسيارته الخاصة ويصبح في حل عن الاستمرار مع باقي اصدقائه، أقصد ان الحياة البسيطة في أدواتها لعبت دوراً كبيراً في تعميق علاقات جيل بأكمله.
وحين سألنا الشيباني عن العلامات الفارقة والطريفة في حياة بوملحة.. يضحك كثيراً وقد لمعت في عينيه حلاوة العلاقة بكل ظرفها، فيقول:
معروف عن إبراهيم انهمامه بالأكل، حتى أنك إذا جلست بجانبه أثناء الأكل يجب ان تكون حريصاً من ان يصيبك كوب من الماء أو قطعة لحم، لأنه يعيش بكامل حواسه وعضلاته عند تناوله الطعام. ولقد نصحته كثيراً بالتقليل من الطعام خوفاً عليه من السمنة، لكنه لا يلقي بالاً بكلامي.
ويختتم الشيباني: الحقيقة ان ما يميز «أبو عبيد» حرصه الجميل على التواصل الثقافي، فنستعين بآراء بعضنا البعض عند تأليف كتاب أو كتابة موضوع معين، وهو مخلص في هذه المسألة ولا يجامل.
وآخيراً تنتهي رحلتنا مع اثنين من المقربين لحياة إبراهيم بوملحة، نهلنا منهما محطات رائعة وزهرات لا تزال تعبق بأريجها، وتتبختر بيناعتها، وتختال بشبابها الدائم في وجه شيخوخة السنين.
مجدي أبوزيد
