للحديث معه متعة خاصة، يسرقك الوقت دون أن تدري وأنت تغوص معه في عالم الذكريات، يجول بك في عوالم لم تعشها، ومع ذلك.. هو قادر على أن يضعك في قلب الحدث، كيف لا وهو الذي يملك ناصية السرد المحكم وسرعة البديهة وقوة الذاكرة، لديه قاموسه الخاص من المفردات العتيقة.
ولديه أيضاً تخريجاته الساخرة التي ينتقد فيها ما لا يعجبه من تصرفات الجيل المعاصر. عندما جاء ذكر التلفزيون في معرض سؤال، وإذا ما كان يتابع برامجه، أجاب بقوله إن الاسم الصحيح لهذا الجاهز هو «تلف عيون»، لما يبثه من برامج هابطة، لكنه يثني في الوقت نفسه على نشرات الأخبار والبرامج الدينية.
حديثنا مع الوالد علي حسن سعيد بن الشيخ الرميثي لم يخل من الطرافة إلى جانب المعلومة التي حرصنا على أن نأخذها من رجل سبعيني عاصر أحداثاً زمنية مختلفة، وكان مدخلنا للحديث عن طفولته أن جاء أحفاده وارتموا في حضنه، يداعبون لحيته البيضاء.
ويعلقون على كلامه، وعندما حانت ساعة الجد انصرفوا بهدوء إلى الداخل، سألناه عن الفرق بين الطفولة التي يعيشها أحفاده والطفولة التي عاشها وعاصرها، يتنهد الوالد علي قبل أن يعود بنا إلى بدايات القرن الماضي قائلاً:
الفارق كبير جداً في كل شيء، ولكن علينا أن نعترف بأن لكل زمان دولة ورجالاً، وليس بالضرورة أن يعيش أولادنا وأحفادنا التجربة ذاتها التي عشناها، الزمن يتغير وكل شيء من حولنا يتغير،.
ومن حق كل جيل أن يتعايش مع عصره لكن في حدود الأعراف والقيم الاجتماعية، وهنا مربط الكلام، فنحن عشنا طفولة ضمن أسر مترابطة، بداية من الأسرة الصغيرة وانتهاء بالأسرة الكبيرة، وهي المجتمع، فالابن الذي يخطئ في غفلة من والده، يمكن لأي شخص آخر أن يعنفه ويضربه إذا اقتضى الأمر، هذا جزء من التربية التي عايشناها، ثم إن الطفل الذي يتأخر عن موعد الغداء، يعود ويجد الأطباق خالية.
وكان آباؤنا يضعون «حصاة» في الطبق عقاباً للمتأخر، أما المساء فقد كان أذان المغرب هو الموعد النهائي لعودة الأطفال إلى البيوت، الآن الأمر مختلف، فنادراً ما تتجمع الأسرة حول مائدة واحدة، ولم يعد الأطفال قانعين بما هو موجود في البيت، لقد أخذتهم الوجبات السريعة التي لا تحتوي على فائدة غذائية، أيضاً أخذهم التلفزيون والألعاب الإلكترونية، نحن كنا نصنع ألعابنا بأنفسنا.
ونحافظ عليها من التلف ونصلحها أيضاً، وفي الوقت نفسه كنا نساعد الآباء في أعمالهم، أي أننا نعمل ونلعب في آن واحد، أما الاحترام فكان هو السمة السائدة، الصغير يحترم الكبير، والكبير يعطف على الصغير ويأخذ بيده ويعلمه، هذا الترابط والتعاون لم يعد موجوداً الآن إلا بنسبة بسيطة.
ونسأل الوالد علي الرميثي عن تجربته الخاصة فيقول: كنت مثل أي طفل آخر، أذهب مع والدي إلى مجالس الكبار، واستمع إلى أحاديثهم دون أن أتكلم، ومع أنني لعبت وعشت طفولتي إلا أنني تحملت المسؤولية مبكراً وبمحض إرادتي.
وعملت في مهن كثيرة، لكنني أحببت مهنة التجارة منذ الصغر، وأصبحت لدي أدواتي التي اشتريتها بالنقود التي جمعتها من صناعتي البسيطة، بدأت بصناعة الكراسي والموائد الصغيرة للبيع وللاستعمال الشخصي، وانتهيت بصناعة السفن ـ الجلافة.
ـ وأشرفت على صناعة سفينة «زعبيل» للمغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، ومكثت في باكستان مدة عامين حتى تم إنجاز السفينة في العام 1962، كما انني أشرفت على صناعة السفن للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وأشهرها سفينة «المقام».
وعلى الرغم من عشقي لمهنة التجارة وصناعة السفن إلا أنني عملت في مهن كثيرة أخرى ومنها مهنة البناء وأشرفت على بناء بيوت على الطراز التراثي وبالمواد نفسها التي كانت تستخدم في الماضي، وأنا الآن مستشار تراثي في نادي تراث الإمارات. ولا أزال حتى الآن أمارس جميع المهن ولدي ورشة خاصة في منزلي أقضي فيها أوقات فراغي، أصنع الألعاب لأحفادي وأيضاً أقوم بصيانتها.
وعن الرحلات في حياة الوالد علي الرميثي يقول: رحلات الغوص كثيرة وكنت دائم الخروج فيها، لكن أهم سفر قمت به كان مع عمي، وكان عمري آنذاك خمسة عشر عاماً فقط، فقد قرر عمي السفر إلى عدن في الأربعينات وأخذني معه.
وعند وصولنا إلى عدن تركني وذهب لقضاء حاجاته ولم أره مرة أخرى في عدن، فكنت أصنع السلال على متن السفينة وأنزل إلى السوق وأبيعها لأصرف على نفسي، ثم رجعت على متن السفينة ذاتها، واستفدت كثيراً من هذه الرحلة مع أنها كانت شاقة وصعبة.
أما الدراسة فقد أخذ الوالد علي نصيبه منها إذ درس في مدرسة الأحمدية أيام كان يديرها الشيخ محمد نور وهو يتذكر قائلاً: تعلمت على يد الشيخ أحمد بن ضبوي والشيخ محمد أبو ملحة، وكان التعليم وقتها مقتصراً على حفظ القرآن واللغة العربية والإملاء والعمليات الحسابية من جمع وطرح، واستفدت أيضاً من هذه التجربة.
عاش الوالد علي متنقلاً بين دبي وأبوظبي بحكم أن والده من أبوظبي ووالدته من دبي، ويروي كيف كان الناس يتنقلون بوساطة السفن البحرية بين المدينتين، أو بوساطة الدواب، إلى أن بدأت السيارات تقوم بهذه المهمة عبر طرق غير مستوية، ويذكر أنه عمل سائق تاكسي على سيارة من نوع «فوكس واجن» بعد أن تعلم السياقة لوحده، يقول:
كانت الإشارات آنذاك باليد، ولا توجد علامات مرور أي شيء من هذا القبيل، لأن الطرق لم تكن موجودة في الأصل، وعندما أنشئ المرور حصلت على رخصة القيادة من مركز هور العنز، وكان الفحص يتم على دوار السمكة والمنطقة المحيطة به.
وعندما اختلفنا على اسم المناطق وحدودها أعطانا الوالد درساً في أسماء المناطق ولماذا سميت بهذه الأسماء، فعلى سبيل المثال، سميت منطقة هور العنز بهذا الاسم كونها كانت منطقة لرعي الأغنام.
ويستطرد الوالد علي في هذا الجانب مشيراً إلى منطقة البراحة وأن اسمها كان صفة للمكان الواسع، وهي منطقة آبار في الوقت نفسه، أما منطقة الوحيدة فقد سميت بهذا الاسم لوجود نخلة واحدة فيها، وكانت تشرب من الأرض، أي من دون رعاية تذكر، أما منطقة أبو هيل فقد كانت منطقة آبار وكانت مياهها أحلى.
لم يكن حديثنا مع الوالد علي هو الأول بالنسبة له، فقد أطلعنا على ألبوم يتضمن عدة لقاءات لكنها متخصصة وتدور في موضوع واحد، ونحن نذكر ذلك لنبين مدى وعيه وإلمامه بما يريده الصحافي، كانت إجاباته محددة وتصب في معنى السؤال، وتلك دلالة على بديهته الحاضرة وفطنته المحنكة.
حضر الجلسة اثنان من أبناء الوالد علي، ورحنا نقارن بين سلوك الأبناء وما يقوله عن نشأته وعلاقته بوالده، وأننا لم نلحظ فروقاً بين ما شهدناه والكلام الذي سمعناه، وعندما سألناه كيف يوازن بين تربية أولاده وأحفاده مقارنة بالعصر الذي عاشه قال: ربيت أولادي على الأخلاق والالتزام وتركت لهم الاختيار، والحمد الله أن أحسنوا الظن بهم، أما أحفادي فأنا أعيش معهم طفولتهم وأترك لآبائهم مهمة المتابعة، لكننا ونحن أجيال مختلفة يجمعنا قاسم مشترك وهو الاحترام.
كلما أردنا إنهاء الحديث عند نقطة معينة، يخرج علينا الوالد علي بموضوع جديد لا يقل أهمية عما سبقه، وقفنا كثيراً في صالة الجلوس نستمع إليه، ووقفنا أكثر عند الباب الخارجي، فهو كنز وأرشيف من المعلومات الشيقة، ومعين لا ينضب لمن يريد معرفة خفايا الماضي.
عندما اختلفنا حول أسماء المناطق، كان الخلاف بمشاركة أبنائه، والحق أن تداخل المناطق مع بعضها بعضا الآن هو الذي فجر حالة الالتباس عندنا، والقول الفصل عند ذوي الخبرة لا شك.
عزالدين الأسواني
