النظرة الاستشراقية التي تناولت الشرق كنموذج له علاقة بحكايات (ألف ليلة وليلة) أو بالقبائل مترامية الأطراف التي تجتمع عند غدير الماء وتنفض عند أول بادرة للجفاف.
هذه النظرة لم تجتز الصورة التي تكرست عند العديد من الكتاب والرحالة الغربيين الذين أرّخوا لهذه المنطقة، وجانبوا الرؤية الموضوعية في فهم إنسان هذه المنطقة وإن كانوا قد عرضوا لبعض مكونات وجوده بشكل دقيق وتفصيلي، وكل ذلك قد تكرس ضمن تصورهم عن «أبناء الصحراء» الذي لم يتعد نموذج الإنسان الخامل، الكسول، العدواني المتجهم.
ولعل ثيسجر من أواخر الذي كتبوا عن منطقة الخليج العربي وقد جاء حسب زعمه ليستكشف مواطن الجراد في الجزيرة العربية حين قام برحلاته لعبور صحراء الربع الخالي.
ومع ذلك لا نرى ذكرا ولو لجرادة واحدة في كتابه الرمال العربية ولا نستشف من كلماته أكثر من رومانسية مفرطة في أنانيتها، وهو لم ينجز ما أنجزه دون مساعدة من بدو المنطقة، بل ونكاد نجزم أن انجازه الكبير والشهرة التي خلدته اعتمدت بنسبة كبيرة على مساعدات هؤلاء البدو الشجعان.
كره ثيسجر ـ حسب نص رحلته ـ شركات البترول وما ستجلبه من عوامل تغير من نمط حياة هؤلاء البدو وتغير من عاداتهم تغييراً سلبياً ليس في صالحهم، وستجعل منهم متسولين على أبواب المدن وأجراء، عمالا لدى شركات البترول، وسيتحولون إلى مجرد متسكعين بل وخارجين على القانون مطلوب القبض عليهم.
النهضة التي تعيشها دولة الإمارات بصورة عامة، هي ما يستوقفنا أكثر كلما قرأنا ما دونه رحالة مروا من هنا. الغريب أن أيا منهم لم يتوقع ان تصل دولة الإمارات إلى هذه الدرجة من التحضر والرقي والمدنية، ولا نجد ولو تلميحا إلى ذلك.
ولكن بعد أن يتعمق قارئ كتابات، لرحالة همه الأول والأخير رصد الغريب والمثير من الظواهر والعادات والتقاليد والطقوس والتصرفات الفردية ربما لتعمم فيما بعد، لا يستغرب عدم توقعهم أن إنسان هذه المنطقة يمكن أن ينجز شيئا، أو قادرا على التصرف بخيرات أرض لا يستحق بنظرهم أن يعيش عليها.
لم تكن منطقة الخليج والإمارات المتهادنة أو المتصالحة حسب تعبير ما قبل انسحاب بريطانيا، وهما موضوع كتاب يعد من أهم ما صدر عن تاريخ المنطقة، لم يكونا ليحظيا بالاهتمام الكبير الذي يبديه عدد متزايد من الكتاب الآن، وبصفة خاصة الغربيين منهم.
أما الكتاب فهو (الإمارات المتهادنة: The Turcial States) لمؤلفه السير دونالد هاولي Donald Hawley, الوكيل السياسي البريطاني في أبوظبي بين عامي1958 ـ 1961م.
وكان حينئذ مسؤولا مسؤولية مباشرة عن علاقات بريطانيا مع الإمارات العربية في الخليج العربي، وحصل المستر هاولي، خلال مكوثه في المنطقة، على معلومات واسعة ودقيقة عن سكان هذه المنطقة، في المجالات الاقتصادية والسياسية، ومعلومات قيمة من خلال احتكاكه اليومي بالمسؤولين والناس، كما استفاد المؤلف، فائدة واضحة من استعماله للكتب والوثائق التي توفرت لديه.
وأهمية كتاب هاولي تنبع من كونه أحد أهم المسؤولين لقوة عظمى كانت مهيمنة على المنطقة، وبالتالي فهو يعكس في كتابه وجهة نظر وإن ألبست صفة ووجهة تاريخية حيادية إلى حد ما، إلا أنها لم تخل من تبريرات كولونيالية النزعة لبعض الأحداث والممارسات والأفعال.
على أننا نلاحظ أن معظم البحوث والكتابات الغربية التي صدرت حول منطقة الخليج قبل اكتشاف النفط، وقبيل خروج بريطانيا من القارة الهندية، كانت كتابات عامة، تهتم بالمصالح البريطانية في الهند والمحيط الهندي، وتتعرض لقضايا الخليج خلال بحوثها العامة دون تعمق،إن صح القول، اللهم إلا رصد بعض التحركات القبلية أو استقصاء أخبارها من مصادر ربما غير موثوق بها، وقصر الاهتمام على القضايا العامة.
وإهمال التفاصيل، خاصة ما يهم منها إنسان المنطقة على خلفية مشهد صحراء الاكزوتيكية الغرابئية ـ والسير هاولي في كتابه، مثله مثل بقية أغلب المؤلفين الأجانب، اعتبر النشاط البحري العربي في الخليج، قرصنة، وليس رد فعل وطني لتدخل أوروبي، استهدف القضاء على النفوذ المتزايد لإنسان هذه المنطقة وتوقه للحرية.
وما تاريخ الخليج العربي، في القرن التاسع عشر، في حقيقته حسب ما هو مدون من قبل رجال الكولونيالية، إلا تاريخ النفوذ البريطاني في هذه المنطقة، هذا النفوذ الذي سار وفق خطة مدروسة، استهدفت كما هو معروف تاريخياً عقد سلسلة من المعاهدات، تتشابه تشابهاً يكاد يكون تاماً في معانيها، وفي صيغها، مستهدفة ربط المنطقة بما يكفل سلامة المصالح البريطانية.
وبالتالي فإن تاريخ المنطقة حسب وجهة النظر الكولونيالية هو ما دون من قبل رجال تلك القوة التي كانت مهيمنة أما تاريخ إنسان المنطقة ومسألة تحسين ظروفه المعيشية فقد أزاحتها عن كاهلها وبعدة حجج، مع أنها كانت تتفاوض حول مواضيع معينة كالنفط والتسهيلات الجوية.
ما أردنا قوله من ذكرنا لهذا المؤلف، هو قرب عهده بالمنطقة كشاهد عيان أخير شهد مرحلة ما قبل ولادة دولة الإمارات ـ طبع الكتاب عام 1970م ـ وما نستشفه من وجهة نظر المؤلف، أن بريطانيا كان جل همها منع أي تهديد قد يؤثر على طرق التجارة البريطانية في المنطقة لا أكثر.
كما يشير السير وليم لوس في تقديمه للكتاب بقوله «كانت أهداف بريطانيا من سيطرتها على المنطقة، حفظ الأمن في مياه الخليج ومداخلها، ولفترة خمسمئة سنة كانت مصالحنا المادية في السواحل، هي إنهاء القرصنة التي تنهب تجارتنا القائمة على مرافئ صغيرة عديدة، ولإبعاد القوى الأجنبية التي قد تهدد مطامح أمننا في إمبراطوريتنا الهندية، أو اتصالاتنا معها عن طريق الخليج، يضاف إلى هذه الأسباب اهتمامنا الإنساني في إلغاء تجارة الرقيق» حسب لوس.
ولعل من أهم ما أورده المؤلف في كتابه هي الملاحق العديدة والمفيدة التي توثق للعديد من المواضيع المهمة، وبعيداً عن وجهة نظر المؤلف، فإننا نقرأ ما يقارب المئة صفحة عن جغرافية البلاد، وعدد سكانها، والطقس وطبيعة الأرض الجيولوجية وجزر الخليج، والقبائل العربية وأصولها، والأشجار وأنواعها ومناطقها، وأنواع النخيل، والمقاييس والمكاييل والحيوانات والزوارق المحلية وأسمائها واشكالها، والاكتشافات الأثرية.
ونصوص المعاهدات التي عقدتها بريطانيا عام 1902م، وأسماء الممثلين البريطانيين الذين تولوا السلطة والمناطق التي عقدت فيها الاتفاقيات مع بريطانيا، وأصول القبائل وتفرعاتها وإحصائيات تجارية عديدة. والكتاب بغض النظر عما يحمله من وجهة نظر، يشكل مساهمة جيدة في حقل الدراسات الإنسانية المتعلقة بدولة الإمارات والمنطقة.
لقد جاب الكثير من الرحالة والضباط السياسيين البريطانيين المنطقة، وكتبوا عنها في القرنين التاسع عشر والعشرين، والأغلبية تتكلم عن شظف العيش والبؤس والفقر المدقع الذي كان منتشراً، ولكن لم يشر أي منهم إلى أن إنسان المنطقة يمكن أن ينجز شيئاً، حتى ثيسجر الذي أحب البدو حسب زعمه، توقع أن يكونوا على هامش الحياة، مجموعة من المتطفلين ـ أو المتسولين بوصف أدق ـ على أبواب شركات النفط التي ستغير وجه المنطقة، تغييرا نحو الأسوأ.
أذكر إني سألت مجموعة من البدو من كبار السن، الذين عاصروا ثيسجرو سمعوا عنه والتقوه، وذكرتهم أنه كان يخشى عليهم إذا ما اكتشف النفط بكميات تجارية، فستتغير أحوالهم، وسينسون عاداتهم وتقاليدهم، وقد عبر أغلبهم عن امتعاضهم الشديد، وبفطنة البدوي قالوا مباشرة: ماذا كان يريد منا، هل نبقى على فقرنا وعوزنا والخيرات تحت أرضنا، وهو استنتاج عفوي لأنانية كولونيالية وإن ألبست ثوباً رومانسياً فضفاضاً.
وكبار السن يتحدثون عادة بشغف عن تلك الأيام، لكنهم لا ينسون أنها كانت أيام شظف، والأمور لم تكن متيسرة تماماً كما هي اليوم في ظل دولة باتت مضرباً للمثل في المدنية والرقي.
ومن يرى صورا لبعض الأمكنة والتي التقطتها عدسات بعض أولئك الرحالة سيرى ان الفترة بين تلك الصورة وما عليه اليوم مدينة مثل دبي على سبيل المثال، سيلحظ مقدار الغبن الذي حل بإنسان هذه المنطقة من خلال ثنايا أسطر كتابات أولئك الرحالة وهو غبن غير مبرر.
آن الأوان لمناقشة أبعاده ودوافعه ومسبباته مناقشة هادئة، موضوعية، تعترف بسبق الريادة لأولئك الذين اهتموا بتوثيق بعض الأحداث والأماكن وهم يوثقون في الحقيقة مصالحهم وما يتعلق بمهامهم الوظيفية كمسؤولين ومعها يحققون أحلامهم ويمارسون هواياتهم والاعتراف لهم بفضل السبق واجب يحتمه المنطق وتحتمه الأمانة العلمية، مع عدم التسليم بكل ما جاء في كتاباتهم.
عمار السنجري