حين تراه من بعيد بمشيته التي تنم عن إعاقة واضحة، تنتابك حالة من العطف والتعاطف مع هذا الشاب الثلاثيني الذي لا يكف عن الحركة، رغم صعوبتها، التي يزرع بها المراكز التجارية ومحلات الكوفي شوب، كي يبيع الناس بطاقات الهواتف.

لا يمكن ان تلحظ ما يعانيه من مكابدة مريرة في النطق، لأنه يعرض بضاعته في صمت، ويذهب في صمت. لكن حين اقتربنا منه لمسنا مدى الإعاقة التي ألمت بلسانه أيضا.

ورغم ان الأحلام تعشق من يبوح بفحواها، إلا أن إسماعيل بشيتي اجترح لغة الابتسامات ليعلن عن علاقته الودودة بالحياة وأقدارها، فالذي لا يلقي بالا لمنغصات الجسد جدير بأخذ مكانه بين الحالمين، حيث تبقى الحياة مرجلا يتغذى من وقود الذات الصلبة والروح العنيدة.

حين حددنا موعداً للقاء إسماعيل كانت كل تصوراتنا تنحصر في عثورنا على إنسان توحد مع مصيره مختزلا أحلامه في كيفية إعانة نفسه على تحقيق حاجات بسيطة..

لكن وجدناه يفتح ذراعيه المثقلتين بالتعب ليحتضن طفلة جميلة هرولت إليه في فرح عارم لرؤية إسماعيل، وقبل ان أطلق العنان لتخميناتي عن هذه العلاقة الحنونة، رأيت سيدة مقبلة علينا متوشحة بحجاب زين وجهها بالطمأنينة تجر عربة بها طفلة رائعة، وخلال دقائق عرفنا أنها زوجته رزق منها بهاتين الطفلتين.

لا أنكر ازدياد دهشتي لوجود أسرة في حياة شاب عصفت إعاقته بكل احتمالات الشفقة والعطف عليه.. فنحن أمام أسرة سعيدة بكل معنى الكلمة، يقودها رجل أجبرنا على التخلي عن نظرة يمحوها واقعه المتوج بقلب يكره اليأس.

إسماعيل المولود عام 1975 من أب فلسطيني وأم مصرية لم يشأ أن يحيل الخطأ البشري الذي تعرض له عند ولادته إلى خطأ ينهش بقية سنين عمره، فرفض التنازل عن مكانه في منظومة الحياة، وفرض على المستقبل حقه في رسم أيام سعيدة، ونأى بنفسه عن العنف الذي يجرح كبرياءه بكل هدوء واحترام.

تقول زوجته مريم إن ارتباطها بإسماعيل لم يكن بدافع الشفقة لأنه ينزعج من هذا الشعور، لكن ما أعجبها في هذا الشاب طموحه وذكاؤه وحنانه المفرط. وهي لا تزال تذكر سعادته الجارفة حين رزق بطفلته الأولى «هدى» وأن هذه السعادة زادت من قلقه على مستقبل ابنته، وتفاقمت همومه مع وصول الابنة الثانية «وعد».. حتى أنه ترجم مخاوفه إلى سعي حثيث لزيادة دخله المحدود.

أما والدة إسماعيل فلم تشعر يوماً أن ابنها معاق، لأنه كان الأكثر ترتيبا وتنظيما لأشيائه وحاجاته بين كل أشقائه.

الذي يقترب من هذا الشاب يجد نفسه أمام قصة إنسانية جديرة بالتأمل والتوقير، وتعلم الدروس من إنسان عرف كيف يستولد حلو الحياة من حنظل مراراتها، وأن الواقع يستحق ان يعاش لو عرفنا كيف نضخ الشهيق في إراداتنا.

مجدي أبوزيد