يجلس «عيسى علي عبدالله الصفار» أمام محله الصغير في قرية التراث، متذكراً أيامه الخوالي في مهنة «تصفير» النحاس، أي إعادة اللون الأصفر إليه وتلميعه وتنظيفه، بعد أن تحولت هذه المهنة إلى عمل استثنائي، خاصة وأن الطلب على الأدوات النحاسية خفّ كثيراً، وبدأت الأدوات المنزلية المعدنية الأخرى تأخذ حيزاً كبيراً من الاستعمالات اليومية.
الصفّار لا يخفي شغفه الواضح بمهنته وترحمه على عمه الذي توفي منذ فترة قصيرة، والذي كان يعمل في متحف الفهيدي وعلّمه أصول هذه الحرفة الشاقة والممتعة معاً.
يقول عيسى: رغم خطورة هذه الحرفة، إلا إنني لا أزال أشعر أنها جزء مني ومن تاريخ عائلتي، فأجدادي وأعمامي امتهنوا «تصفير» النحاس وتلميعه منذ عقود طويلة، كما عمل قسم منهم في الحدادة ومهن أخرى، ولا تزال صور عمي «عيد الصفّار» توثق امتهانه لهذه المهنة وتشهد على حبه، ولكن للأسف أن جيل الشباب يفضل امتهان المهن السهلة.
ويضيف: منذ أكثر من ثلاثين عاماً وأنا أعمل في هذه المهنة، وأتذكر جيداً «الحفرة» التي كان أعمامي يقومون بحفرها للعمل داخلها، كذلك آلة نفخ الهواء لإشعال الفحم تمهيداً لصهر النحاس وصنع دلال القهوة والقدور النحاسية والصواني، إذ كان جدي يقوم أولاً بصنع القالب ليسكب فيه النحاس المصهور فيأخذ شكله، وبعد أن يمضي وقت طويل ويتغير لون قطعة النحاس، يقوم بتصفيرها وتلميعها.
وعن الطرق التقليدية القديمة في تصفير النحاس، يقوم «عيسى» بجلب قدر نحاسية كبيرة وقد علاها الصدأ، ويعمد إلى تنظيفها بالرمل أولاً، ثم تسخينها ليسكب عليها مادة «النشادر»، وبعد ذلك يقوم بدعك القدر بقطعة قطنية كبيرة مع «الكنكري» أي الحصى الصغيرة المختلطة بالرمل فتسهل عملية التلميع بحيث لا تمر دقائق معدودة حتى يعود للقدر النحاسية لمعانها وجاذبيتها وكأنها صنعت للتو.
يسر عيسى الصفار، وهو يرى نتيجة عمله ويقول: لا أفضل استعمال أية مادة كيماوية أخرى غير النشادر، فالبعض يستخدم مواد كيماوية تؤثر مستقبلاً في نوعية القدر وجودتها.
وتشكل خطراً على الصحة العامة لتفاعلها مع الأطعمة والمواد الغذائية. كما أنني وقبل أن أقوم بعملية (التصفير) أغسل القدر بالماء والصابون وأتركها حتى تجف ثم أنظفها مرة أخرى بالرمل.
وعندما سألناه لماذا يقوم بتسخين القدر النحاسية قبل التلميع؟ يوضح «عيسى الصفار» أن ارتفاع درجة حرارة القدر، تساعد على إزالة الصدأ والأوساخ المتراكمة.
كما يعجل بقدرة (النشادر) على التلميع، مشيراً إلى أن طريقة التلميع (التصفير) هذه لم تختلف كثيراً عن الماضي باستثناء وسيلة تسخين حديثة نوعاً ما وهي الغاز بدلاً من الفحم الذي نضطر للنفخ عليه حتى يشتعل.
محل عيسى الصفار ضيق ولكنه مزدحم بالأدوات النحاسية مختلفة الأشكال والمقاسات وهذا دفعني لسؤاله عن مدى إقبال الناس على «تصفير» ما لديهم من أدوات نحاسية فيجيب بنبرة لا تخلو من أسى:
تأثرت المهنة كثيراً ولم يعد هناك من يرغب أصلاً في استعمال القدور والصواني والمزهريات النحاسية، باستثناء «دلال» القهوة العربية التي لا تزال رائجة ومطلوبة، ولهذا السبب ترك الكثيرون هذه المهنة والتحقوا بوظائف عامة، ومع ذلك لا يمر أسبوع من دون أن يأتي من يطلب مني «تصفير» ما لديه.
. دون أن يهتم بما تكلفه عملية (التصفير) هذه إذ يتراوح المقابل المادي بين المئة والمئتي درهم، ولكني مقتنع أن «القليل الحلال أفضل من الكثير الحرام».
الحقيقة أنني استغربت من ضآلة هذا المبلغ رغم المخاطر التي تحيط بممتهن هذه المهنة وهو «ما يؤكده الصفار إذ يتذكر جيداً عمه الكبير الذي توفي منذ سنوات طويلة عندما وقع عليه مسمار مصهور يستعمل في صناعة القوارب والسفن، كذلك العمل في «الحفرة» .
والجهد الكبير الذي يبذل سواء في عملية «التصفير» إلى جانب خطر استنشاق الروائح النشادرية الصادرة عن إصلاح الأدوات النحاسية وإعادة صهرها وسكبها من جديد».
نستريح قليلاً بالقرب من المحل الصغير، ونحن نرتشف القهوة العربية من «دلة» يتباهى «عيسى الصفار» بها كثيراً ويدللها لدرجة أنني لم أستطع منع نفسي عن سؤاله عن السبب فيقول:
هناك الكثير من «دلال» القهوة العربية، العمانية والسعودية والإماراتية التي تتميز كل واحدة منها عن الأخرى بشكلها والنقوش والزخارف التي تزينها.. فدلة القهوة الاماراتية ضيقة الحجم نوعا ما من الأعلى ولكنها تتسع في قاعدتها وهي مزينة ببعض الزخارف البسيطة تماماً «كدلة» القهوة التي تزين مدخل مدينة «العين».
ويضيف: وكما ان لكل «دلة» أهميتها لدى المضيف فقد اخذت اسماءها من اسم القبيلة للدلالة على أهميتها فهناك «دلة» الشحوح، و«دلة» المالكية، ودلال أخرى كثيرة تصبح الوسيلة للترحيب بالضيف واكرامه.
يدلف بي «عيسى الصفار» الى داخل محله من جديد، وبكل سرور يستعرض «دلال» القهوة، ويرينا الأحجام المختلفة والأشكال المتنوعة، وكم غمرته السعادة عندما عثر على ميزان للؤلؤ مصنوع من النحاس فبدأ تفقده وفحصه لمعرفة صلاحيته للاستخدام، فوجده بحاجة الى «تصفير» حتى يعود كما كان، رغم انه يعرف تمام المعرفة ان لا احد سيزن به «حبات اللؤلؤ»، فلم يعد هناك من يهتم بمهنة الغوص على اللؤلؤ!
يصمت «عيسى علي عبدالله الصفار، قليلاً بعد ان استعرض لنا أغلب ما يحتويه محله الصغير في قرية التراث، ثم اعرب عن أمله في أن يتم توسيع مكانه قليلا ليتمكن من افتتاح محل أوسع مساحة ويقول:
أمنتي أن أصنع ادوات نحاسية تراثية كالخناجر ولوازم الغوص، الى جانب القدور والصواني و«دلال» القهوة العربية، كما أريد أن أعلم أسرار مهنتي لمن يرغب من أبناء الجيل الحالي.
اشعر بالفخر لأنني ولدت وترعرت في دبي، ومازلت قادرا على مزاولة هذه المهنة، رغم أن أولادي ابتعدوا قليلا عن «تصفير النحاس»، لكن ألاحظ أن ابني «ادريس» الذي لم يتجاوز الثامنة من عمره يبدي اهتماماً واضحاً بهذه المهنة التي اعتقد أنه سيعمل بها حاملا اسمها ومحافظا عليها من الاندثار.