رغم أنه مُقِل في رحلاته، إلا أن له عيناً ترصد كل موقف، وهاجساً يحاول أن يدوّن كل تجربة، فالسفر عنده فرصة للتأمل، تأمل حياتنا، وحيوات الآخرين. مراد عبدالله البلوشي الإعلامي ومدير إدارة الإعلام التربوي بوزارة التربية والتعليم، عاشق كبير للسفر، شغوف بالتعرف على تجارب الآخرين، في هذا اللقاء يسرد لنا بعضاً من تلك التجارب وما حملته بعض الأمكنة معه من ذكريات.

* لكل منّا تجربة في السفر، كيف كانت تجربتك؟بداية، أشكر القائمين على هذه الصفحة التي تتيح لنا فرصة التجوال حول العالم ونحن في أماكننا نقرأ خلاصات تجارب الآخرين، من خلال رحلاتهم الشيّقة، ورواياتهم الممتعة، ومعلوماتهم القيّمة عن البلدان التي قاموا بزيارتها. وبكل تأكيد هناك من يبحث عن معلومات تفيده في سفره، وأتمنى أن تكون هذه الصفحة إن شاء الله تعالى خير معين.

أنا أعشق السفر كثيراً، ولكن لظروف العمل سفراتي قليلة جداً، ومع ذلك أحاول دائماً أن أستفيد من تجربة السفر ولا أدعها تمر مروراً عابراً في حياتي.

خير سفير

* موقف لا تنساه كان من ثمرة السفر.

ـ المواقف في الحقيقة عديدة، فالسفر في حد ذاته فرصة لا تعوض بالنسبة للمسافر للتأمل، تأمل حياته، وحياة الآخرين، وكم من الصور التي تمر بنا، لو فكرنا في تسجيلها لخرجنا بنصوص أرى ان فيها تجديداً لأدب الرحلة الذي أبدع فيه رحالتنا وجغرافيونا العرب والمسلمون.

ورغم تجربتي المتواضعة في هذا المجال، فإني سأنقل لكم أحد المواقف التي لا أنساها، وهي تجربة أحد الشباب من أبناء الإمارات الذين سافروا إلى الولايات المتحدة لدراسة إدارة الأعمال، هذا الشاب الإماراتي الطموح، رغم حصوله على شهادة الثانوية العامة من خلال التحاقه بمراكز تعليم الكبار، استطاع بفضل الله أن يكون نموذجاً رائعاً لأبناء وطنه، وخير سفير لبلاده.

استطاع أن يثبت وجوده في الجامعة بكل جدارة، فكان يحصل على أعلى الدرجات ، وبعد انتهاء محاضراته في الجامعة، يلتحق في الفترة المسائية بأحد المعاهد التخصصية في مجال الكمبيوتر.

وكان يستغل وقته بكل ما يفيد، علمياً، ولم أكن أتوقع أن يكون خريج مراكز تعليم الكبار بكل هذه الجدية وهذا الحرص على نهل العلم، وعدم إضاعة الوقت، ففكرة العامة عن هذه المراكز ربما هي لمن فاتهم قطار العلم، ولكن هذا الشخص غيّر تلك النظرة.

وأثبت أن الإبداع لا يتحدد بمرحلة عمرية معينة. هذا الشاب بعلمه وذكائه أبهر أساتذته حين استطاع أن ينقد ويصحح أحد الكتب التخصصية في مجال الكمبيوتر، فاجتمعت إدارة الجامعة على الفور لمناقشة رأيه النقدي للكتاب.

ووجدوا أنفسهم أمام موهبة شاب متميز، اكتشف الكثير من الأخطاء في ذلك الإصدار، فقررت اللجنة إرسال توصيات الشاب الإماراتي إلى الكونغرس الأميركي للموافقة على نشرها في الكتاب بطبعة جديدة منقحة.

وهذا الذي حدث فيما بعد. وهذا برأيي أحد أسرار تفوق الغرب، فهم لا يهملون أي موهبة، بل يبحثون جدياً عن الموهوبين المتميزين ويرعونهم ويغرونهم بالمنح الدراسية والرعاية. والعلم ليس له جنسية كما هو معروف، والإنسان يكرم لديهم لعلمه ولما قدمه من إنجاز لخدمة إخوانه في الإنسانية، فالموهوبون هم مفاتيح تقدم الأمم.

* للأمكنة أحياناً عطر لا ننساه.

ـ بالتأكيد، فعطر مدينة مثل مكة المكرمة من ينساه، زادها الله تشريفاً وتعظيماً. حينما تقترب السيارة من هذه الأرض المقدسة، يحس الإنسان بأنه دخل عوالم أخرى، روحانية، عوالم من الطمأنينة الآسرة تلفنا بحنو، ونشعر براحة، بل إن الجو العام في محيط الحرم لا يُنسى، هذا يطوف حول الكعبة المشرفة.

وذاك يُصلي، وبجانبك من يقرأ آيات من المصحف الشريف، وبين التسبيح والتهليل والتكبير والتلبية ترتقي الروح من هذا المنظر الروحاني، لتكمل بالسعي بين الصفا والمروة، والارتواء من ماء زمزم، يا إلهي ما أروع تلك اللحظات، تلك الأيام والسويعات التي نقضيها بجوار الكعبة المشرفة.

الوجدان والمشاعر كلها تتألق، وتصفو النفس وتتسربل بالرضا والخشوع، خشوع يفيض علينا رحمة وبركة لحضورنا هذا المشهد وقد انزاحت عن كواهلنا هموم الدنيا كلها.

* هل تدوّن ما يمر بك، ومعك أثناء السفر؟

ـ ليس دائماً، ولكن أذكر أني دوّنت بعض الملاحظات ولا أستطيع أن أسميها يوميات، خلال رحلتي إلى الولايات المتحدة الأميركية، وكانت في الحقيقة رحلة استفدت منها في حياتي. بدأت الرحلة من دبي جوهرة الخليج إلى مطار سكيبول في أمستردام.

وقضينا ما يقارب ست ساعات من الطيران، ثم قضينا فترة استراحة بعد توقفنا في المطار دامت حوالي الساعتين، بعدها توجهنا إلى مطار مينابولس في ولاية مينسوتا الأميركية، وحاولت تدوين أهم مجريات الرحلة عبر النقاط التالية: طلبت من قائد الطائرة الدخول إلى الكابينة والتقاط بعض الصور معه ومع بعض أفراد الطاقم فوافق على طلبي.

ودار حديث جميل بيني وبين الطيار، في نهايته استغرب عندما علم بأني ذاهب إلى مينسوتا الولاية الباردة جداً والتي تقع بالقرب من كندا، ونبهني إلى طبيعة الطقس البارد فيها لكني لم أبال، والرحلات الطويلة عادة مملة جداً، إلا إذا استغل المسافر الوقت، فهناك من يقرأ، ومن يشاهد فيلماً، وهناك من يمكنه قضاء الوقت في الاسترخاء والنوم.

أنا كنت أراقب من نافذة الطائرة نور القمر، فعندما نطير على ارتفاعات شاهقة تكون السماء صافية لأن الطائرة تطير فوق السحاب، ساعتها نرى القمر بحجم كبير جداً، ونكاد نلمسه.

ومن تحتنا نرى البحار من الغيوم الكثيفة، في هذه اللحظات نتذكر قدرة الخالق عز وجل وإبداعه في صنع المخلوقات. عند هبوط الطائرة في مطار مينابولس أحسست بالفعل بالبرد الشديد وتذكرت كلام قائد الطائرة، البرد القارس، ولكن الأوان كان قد فات.

في ولاية مينسوتا، عشت فصول السنة كلها، الشتاء والصيف والربيع والخريف، كل فصل بتفاصيله البيئية، وطبيعته، وجماليات تغير الجغرافيا والطقس والألوان من حولنا. إنه نوع آخر من تذوق الحياة بنكهاتها المختلفة، والتي بلا شك أثرت في تشكيل ذكرياتي عن تلك الرحلة التي عشتها هناك.

* إذن، جربت الغربة هناك، فماذا علمتك؟

ـ السفر هو المعلم الكبير، الغربة أداة فاعلة من أدواته. أنت في السفر في عملية تأمل دائم. أقمنا في قرية صغيرة، وكان فيها مسجد صغير، في بعض الأحيان كنا نتجمع حول مائدة الإفطار في شهر رمضان المبارك، تجمع روحاني جميل واضطررت لتعلم الطبخ، بل كنت أدعو الأصدقاء لتناول الطعام معي.

وتعلّمت من الغربة ألا أُضيّع الوقت فيما لا ينفع، فقمت أثناء فترة وجودي في أميركا هناك بعمل بيبلوغرافيا (دليل مشروح) باللغة العربية لمكتبة سانت ميري، حيث توجد فيها إصدارات باللغة العربية.

بالإضافة إلى بعض الأفلام العربية، اقترحت على إدارة المكتبة عمل دليل كامل للجزء العربي، فرحبوا بذلك وقدروه وتم ذلك بفضل الله. ورأيت أني بعملي هذا أستغل وقتي وأقدم خدمة تسهل مهمة الباحثين عن المصادر العربية في المكتبة.

* مواقف لا ينساها؟

ـ من أغرب ما صادفني ولأول مرة في حياتي موقف لا أنساه أبداً، فنحن نشاهد في نشرات الأخبار أحياناً مشاهد عن هبوب العواصف العاتية المدمرة، التي تهدم البيوت، وتقتلع الأشجار وتشرد البشر، وتكنس كل ما يصادفها، نحن لا نرى مثل هذه المناظر إلا على شاشات التلفزيون. كنا في السكن لحسن الحظ في تلك اللحظات.

وكنت أستضيف الدكتور سليمان موسى الجاسم، حين تلقينا إنذاراً سريعاً بإخلاء المكان والتوجه فوراً إلى سرداب المنزل، لأن عاصفة شديدة أو بالأحرى إعصاراً سيضرب هذه المنطقة، وبقينا في حالة من الترقب، ولكن الحمد لله، سرعان ما تغيرت الأنباء بمرور العاصفة بعيداً عن البلدة التي نحن فيها، فتنفس عندها الجميع الصعداء. تعلمت هناك أيضاً رياضة دائماً أهملناها .

وهي رياضة المشي وبدا لي الأمر وكأنه طقس من طقوس الثقافة، ثقافة الشعب، وليست مجرد رياضة. فتجدهم في الصباح الباكر يخرجون من بيوتهم متجهين إلى أعمالهم مشياً على الأقدام، وهذا حالهم في أوقات مختلفة من الليل والنهار، وهذا يشجع الضيوف أو الزائرين على ممارسة هذه العادة الصحية.

كنت أتمنى أن أسترجع بعض الذكريات حين كنت في بلاد الطواحين والزهور، هولندا، وفي بلاد الحضارات والنيل، كما في بعض البلدان الخليجية الغنية بما يميزها من تراث وعادات وتقاليد بالإضافة إلى ما توحي به الأمكنة من انطباعات وذكريات تبقى معنا أينما ذهبنا، توحي أن السفر ليس مجرد انتقال، بل هو فلسفة العابرين بامتياز.