ندى زهير أبو الأديب مديرة إدارة التغذية بمنطقة العين الطبية، الحاصلة على شهادة البكالوريوس في الصناعات الغذائية والتغذية من كلية العلوم الزراعية بجامعة الإمارات.
قامت بتأسيس أول عيادة تثقيفية تغذوية للحوامل والمرضعات على مستوى الدولة، لها العديد من المشاركات في المؤتمرات والندوات وورش العمل ما أتاح لها فرصة زيارة العديد من البلدان، والتعرف على الفريد من الشعوب والحضارات، بل كان يسكنها هاجس السفر منذ الطفولة المبكرة.. هنا حوار معها حول تلك الرحلات :* متى بدأ السفر يُداعب خيالك؟ نحن نسافر أحياناً دون أن ندرك «قيمة السفر»، أما بالنسبة لي فقد شكل حلماً في الحقيقة لفتاة مراهقة. حلماً وددت تحقيقه، في هذه المرحلة العمرية بدأ حبي للسفر، فكثيراً ما كنت أرى أبي الذي يسافر ربما لظروف عمله، ورحلاته عادة قصيرة، وبين الرحلة والأخرى كنا نجلس إليه مع إخواتي وأخواني ليحدثنا عن مشاهداته.
* زار بلداناً كثيرة؟
ـ بل قل ما البلدان التي لم يزرها بعد. كان أبي يحدثنا كثيراً عما رآه وما صادفه في رحلاته، فنتوق أكثر لخوض غمار هذه التجربة، ولا أستطيع أن أقول إن الحلم تحقق، في مرحلة مبكرة من عمري، وكنت حينها لم أتجاوز الثلاث سنوات، في مرحلة الطفولة هذه زرنا لبنان في السبعينات.
ومن المؤكد أني لا أتذكر شيئاً من معالمها، وكان شعوري الداخلي يحدثني بزيارة أخرى للبنان، وبالفعل حصل ذلك عام 1999، حين زرتها مع زوجي وابني الصغير، وكررت نفس ما حصل معي، أي زيارة لبنان بالنسبة لطفل صغير لن يتذكرها عندما يكبر وهو ابني.
* ما الذي يجذبك أكثر للبلد الذي تنوين زيارته؟
ـ بالتأكيد معالمه السياحية، خاصة التاريخية منها، كما أحب زيارة الأسواق ذات الطابع الشعبي، فهناك نجد روح الشعب وإبداعه، ولا ننسى بالطبع التعرّف على الحضارات التي كانت سائدة في ذلك البلد، كما حدث لي في زيارة مملكة البحرين.
* هل ترافقك الكاميرا؟
ـ لابد من تخليد اللحظات، الكاميرا رفيقتي، أحب التقاط جميع الأشياء، أمكنة، تعابير أناس لا أعرفهم، رصد انفعالاتهم، وقد رصدت بعضها، سواء أماكن تاريخية في باكستان مثلاً أو انفعالات الحرس الذي يتم تغييره في أوقات محددة في قصر باكنغهام، أو روائع نباتات حديقة ماجوريل في المغرب.
* تقرئين عن البلد الذي تنوين زيارته أم تتركين الأمور للصدف؟
ـ لا، لا يمكن ترك الأمور للصدف، وسائل الإعلام تطورت كثيراً، ولابد من التخطيط السليم، وجمع المعلومات، ولا أجرؤ على زيارة أي بلد، دون التعرف على الكثير من معالمه، سواء من خلال الاطلاع على كتيبات سياحية تعريفية، رغم أنها لا تعطي أحياناً ما نود معرفته، فهي عادة ما تعكس وجهة نظر رسمية أو تجارية إلى حد ما، فنلجأ أحياناً إلى شبكة الإنترنت، كما أتحرى عن الناحية الأمنية، ومسألة انتشار بعض الأمراض المعدية والخطيرة.
والابتعاد عن البلدان التي تفتقد لأسس العناية الصحية، كما نخطط كعائلة وقبل شهرين من موعد السفر على الأقل للوجهة المراد السفر إليها، وعند وصولنا إلى البلد الذي رغبنا في السفر إليه نطلب المزيد من الكتيبات والمنشورات من الجهات السياحية بالذات للمناطق الأثرية.
* لابد أن صادفتك بعض المواقف المحرجة.. أو لنقل مواقف لا تنسى، ما هي؟
ـ المواقف بالطبع كثيرة، لكن ما أتذكره، إنني كنت يوماً ما في زيارة لبولندا مع إخوتي، وتعرفنا هناك على مجموعة من البنات البولنديات، ولكن في غاية الظرف والأدب، حدث ذلك عام 1989، وكنّ يعشقن الكلاب بكافة أنواعها وأحجامها، علماً أني أخاف الكلاب بل وأصاب بالرعب أن تقدم مني أحدها،.
وهي قصة قديمة تعود لأيام الطفولة، وبينما كنت في منزل إحداهن، حيث دعتني لتناول الكرز، وبالرغم من توصياتي الكثيرة لها بعدم اصطحاب أي نوع من الكلاب، وبعد أن أكدت لي خلو المنزل والحديقة من الكلاب، وأن كلبها الضخم الشرس مربوط خارج المنزل، فجأة إذ بالكلب يدخل علينا في الصالون، ويقبل باتجاهي.
ويدخل حاسة الشم والتفقد الهجومي، فسمّرتني المفاجأة ولم أجرؤ على الحراك، وهو يواصل تفقده كامل مناطق جسمي ومن يراني في تلك اللحظة وبتلك الحالة المتدهورة لابد سيشفق علي، فمذ رأيته وحبة الكرز توقفت في المريء لا تريد أن تنزل إلى المعدة، ولم تنزل حتى قادته صاحبته إلى الخارج وهي محرجة.
أما في لندن، فقد حدث معي موقف أحرجني شخصياً، حيث كنا في زيارة مع العائلة، وذهبنا لزيارة متحف الشمع أو متحف مدام توسو الذي تكون أشهر الشخصيات في العالم ممثلة فيه بتماثيل وبالحجم الطبيعي، حتى يكاد الزائر لا يفرق بين الأصل وتمثاله، وهذا كان سبب الموقف الذي حدث معي.
وبما أن المتحف يستقطب الكثير من الزوار من أنحاء العالم كان علينا الوقوف في طابور طويل لنحصل على تذاكر الدخول، وبالفعل وقفت في الطابور ووقف خلفي طابور من أخواتي ووراءنا جمع غفير من المنتظرين.
وطال انتظارنا وتصاعد تذمر الواقفين وهم يتأففون ويشيرون لي بالحركة، ولكن هيهات أن يتحرك الطابور والواقف أمامي لم يغيّر حتى حركته، وكنت مستغربة من تصرّف هذا الأجنبي الكسول الذي لا يتقدم ولو لبضع خطوات وخلفي جيش من البشر يرمقني بنظرات الاحتجاج فبادرت إلى سؤاله وحثه على التحرك إلى الأمام لكنه لم يكترث مطلقاً.
ولم يرد وكأنه صنم، فكررت الكلام معه أكثر من مرة وإذا به فعلاً هو تمثال وضعته ربما إدارة المتحف على شكل شخص زائر ينتظر دوره في الحصول على تذاكر الدخول. أخبرت اخوتي واخواتي انه لا يتحدث إلي وكأنه تمثال، فعرف الجميع الحقيقة وانفجرنا عندها بالضحك.
* متى ترين ضرورة للسفر؟
ـ عندما أقوم بتوفير كافة الإمكانات الفكرية والروحية والعلمية لخدمة العمل الذي أتشرف بالقيام به بكل جد وإخلاص لخدمة وطني الإمارات وعلى مدار السنة. عندها لابد أن يتسلل إلي ذلك الشعور بمكافأة النفس، بالرغبة الشديدة للسفر بعيداً والاسترخاء وإعطاء النفس والروح فرصة لالتقاط الأنفاس والراحة وأيضاً عندما تلوح أقرب فرصة للسفر.
* ألا ترين أن لذة السفر في حكاياته؟
ـ بالطبع، فيما يتركه في وجداننا، وعلى حقائبنا من آثار، كل رحلة هي حياة أخرى نعيشها مضافة إلى حياتنا العادية الروتينية، وحكايات السفر كثيرة، فمثلاً زيارة المغرب لا تخلو من الإثارة، فمدينة مثل مراكش تشتهر بأمكنة جذبت العربي والغربي، كساحة الغناء، التي يمكن أن يرى فيها السائح مهرجانات يومية دائمة، فهي تعج بالسياح بعد العصر،.
حيث كنت أحرص والعائلة على زيارتها لمشاهدة العروض المختلفة، ولها طقس ونكهة محلية مغربية، رقصات، عروض بهلوانية ساحرة، بسطات لبيع الكتب القديمة، عروض مبهرة يقدمها هواة مع حيواناتهم المدربة.
وبعدما كنا نقوم بجولة نعرج على محلات الحلويات المغربية الشهيرة، مع رشفات من الشاي الأخضر بالنعناع، وفي المدينة نفسها توجد حديقة ماجوريل، ذلك الشخص الذي عمل على تجميع كل نباتات العالم تقريباً ليزرعها في مراكش.
ما زلت أذكر زيارتنا لأصغر بيت في لندن والذي لا تزيد مساحته على متر مربع واحد، كما لا أنسى متعة ركوب القطار الجوي في تايلاند، هذه القطارات الجميلة التي توصلك وبلحظات إلى الوجهة التي تريدها وكأنك لست في بلد من العالم الثالث.
كذلك أعجبتني جزيرة فوكيت ولعل أغرب شيء صادفني في تايلاند، هو ظاهرة التسول التي تتم بطريقة غريبة، فهؤلاء المتسولون الأذكياء يفاجئون السائح الذي ربما يجلس في قارب، في سوق الخضر والفواكه العائم، فإذا بشخص يخرج من وسط الماء لتجده أمامك مباشرة، يمد يده يطلب منك مساعدة، وبعد أن تعطيه يعود ليغطس في الماء بحثاً عن سائح آخر.
الجامع الأموي في دمشق تاريخ وشجن مع ظلال مآذنه، وأجوائه الروحية، كما أن الحضارة الفرعونية وآثارها في مصر زرتها أكثر من مرة. وكذلك أبراج الحداثة في برجي ماليزيا المشهورين والقصور الماليزية.
أما في بولندا فأعجبتني مدينة جدانسك بديكورات أفلام العصور الوسطى. ورأيت في البحرين أروع متحف برأيي، وأقدم مدرسة أهلية وأول بئر بترول في الخليج.
أما أجمل ما رأيت وما سأرى فهو رؤية بيت الله الحرام، والمسجد النبوي الشريف.
عمار السنجري

