كلما شارفت عناصر المكان الموجودة في البيوت القديمة على نبش نبضها، زادت دهشة العين وهي تجسّدها تارة بالقراءة الحنونة، وأخرى بأحاسيس تشتاق العبق. وفي هذا الخضم تلاحقنا رغبة عارمة لتلمس الوجوه الغائبة والسؤال عن عناوينها علّها تدلنا على سر الأمكنة المرئية دوماً في وجه مفرمة عجلة الزمن وصيرورته.
كان قريباً من الساحل قبل أن يزحزح العمران قليلاً ملامح المنطقة الحاضنة لهذا البيت. ملاصقته لسوق العرصة جعلته قبلة للمتعبين والقادمين من جوف البحر إثر يوم شابه غروب شمس تفصح عن حاجة رجالها للراحة.لم يكن البيت المكوَّن من ست عشرة غرفة يخص قاطنيه فقط، بل امتد دفؤه وعطاؤه إلى كل من دنت قدماه من حافته وعتباته، فقد جعله صاحبه مضيفة للآتين بسمرتهم المتعبة قبل أن يكون ملكاً خاصاً يقبض على مفتاحه، ولأنه كريم الشيم وشرب من معين الأرض الطيبة كان يفتحه كمزار كريم للعابرين والباحثين عما يخفف عنهم شظف العيش.
انه بيت المرحوم عبيد بن عيسى بن علي الشامسي المكنى بـ «النابودة» لعلة ما في مشيته، تلك الدار التي تفنن صاحبها في إحضار متخصصين لها العام 1845 كي يبرزوا في بنائها الطراز المعماري القديم لاسيما زخارفه الاسلامية المطرزة بالأحجار المرجانية المجلوبة من البحر، والأخشاب الزنجبارية وجريد النخل المنظوم في سقوف البيت بغرفه المتعددة.
حين تدخل من بوابة بيت النابودة الناطقة بالعتاقة تجد مساحة صغيرة تفصلك عن بحبوحة المكان الذي قادنا الدليل محمد ثاني جمعة إلى متنه وحواشيه، وعبر خطوات قليلة وجدنا أنفسنا أمام ساحة الدار وقد لفتها ثلاث عشرة غرفة بالطابق الارضي، وراء كل باب منها حزمة من المفردات المعيشية وضعت كشواهد تنتظر من يلقي عليها السلام لتبدأ بوحها الجميل.
لم يكن في استطاعتنا ان نستسلم للنظرة العابرة أو مرور السائحين ما دام أن اكثر من قرن ونصف من زمن التشييد يصافحكم بحرارة اللحظة التي تعيشها عبر أشياء تزيح عن البال غبار الماضي البعيد. لم نكن مشغولين بقدرة النابودة المالية على تشييد هذا البناء الفخم في حينه قدر بحثنا عن القواسم المشتركة مع البيوت الاماراتية القديمة بكل بساطتها وهويتها المطبوعة في الإنسان والحجر.
في هذه الباحة التي تشبه الحارس الأمين على أهله وناسه وجدنا وقع البحر ينجز ذاكرة لا تنتهي وهو ينتقل من لجج مائه إلى يابسة عاشقيه عبر مجسم صغير لسفينة شراعية تكاد تتراقص على أهازيج النواخذة المضمخة بأصواتهم الهادرة من وراء الأفق.
وقبل أن نلج إلى الغرف المغلقة، استوقفتنا نخلة صغيرة، كدنا نلمس سعفها بأصابعنا. ورغم قصرها الملحوظ إلا أنها امتدت صعوداً إلى ذاكرة شيء يطوّق جسمها المكتنز، وهو الحابول ذلك المجدول من حبال اللهفة إلى مذاق التمر بأطايبه البذخة.
لم يكن يوماً غريباً على آكليه، فهو نديم الناس في فقرهم وغناهم، رسالة الحب الطري بين الجيران والأقارب والحبايب، وهو الفرح الدائم على موائدهم والمخاض الكريم للنخيل. لم يكن هناك طالع النخل حتى أسأله عن نصيبنا من «الرطب» لكنني أرخيت الحابول قليلا حتى يعرف ان ثمة زائراً كان ينتظره هنا بجوار النخلة.
حين دخلنا إلى الغرف لاحظنا ان جميع شبابيكها تنفتح على داخل البيت لأسباب تتعلق بالحياء والعادات والتقاليد العربية العريقة أما أثاث الغرف فلم يتحرك قيد أنملة عن عبق الماضي.
ولم يكن هناك شيء واحد عالة على حديث الذكريات، فالمكان يعج بمشهديات تستقطر بنعومة رحيق الحياة القديمة بكل ترجيعاتها السخية، منها تلك التسميات التي لا تزال تجري برونقها ودفئها على ألسنة الأبناء والأحفاد.
كان هناك «السرود» المصنوع من الحصير وقد توسطه غطاء الأكل «المجبة» والمندوس بخشبه الغامق وزخارفه البديعة، رأينا أيضا «المنّز» وهو سرير هزاز لراحة الأطفال الرضع ومداعبتهم.
أما المطبخ فقد تجلت فيه بساطة الأواني الفخارية والصحون والتنور المحفور في الأرض وهو ينتظر بشوق جمرات السنين الخوالي. كذلك شاهدنا حجر الرحى منزوياً كحكاية قديمة تبحث عن أياد قوية لتسرد جلجلة الطحن وتطاير الحبوب المثقلة بالخير الوفير.
لم تتوقف ذاكرة الصبا، بل هاجت بالحنين حين أخذنا الدليل إلى البئر «الطوي» وهي نمط تراثي فريد ويسم أغلب البيوت القديمة، وعندما اقتربنا منها تحسست شفتي واصطخب الريق بالظمأ.
وأشعل الشغف عيني إلى لحظة طلوع الماء مكللا برائحة الطين. وقفت على حافة البئر وشددت الرحيل إلى عتمته المغمغمة بصوت الفطرة والسر الطاهر لأصل الحياة، كانت البئر غارقة في صمتها الواسع لكنها طوت بنا إلى رشفات الصغار وارتواء الكبار.
ومع قرب انتهاء الزيارة كان ضرورياً ان نحط رحالنا في «الليوان» أو «الساباط» وهو مساحة تم اقتطاعها من باحة البيت، أحيطت بمشربيات خشبية وسقفت بجذوع النخيل، كان المكان معداً بالتمام والكمال، سواء بالمساند القطنية والمفارش القماشية أو الصواني الكبيرة التي تتوسطها «دلات» القهوة بفناجينها المزخرفة جلست واحتسيت، ونظرت يمنة ويسرى، وهممت واقفا دون ان أدري لماذا قلت: السلام عليكم.. نراكم على خير!
مجدي أبو زيد

