بعيداً عن ضوضاء المدينة ، هناك في واحة بين أحضان الصحراء حيث الهدوء والسكون تتخللهما نسمات الربيع التي تداعب ذؤابات الأشجار، بغتة وجدنا أنفسنا محاطين بجمالية المكان وروعته بما يحويه من نباتات وطيور وحيوانات هي الأجمل على الإطلاق، لحظات قليلة مرت، أطل علينا من باب الاستراحة بوجهه البشوش وابتسامته الواسعة، وكأننا نعرفه منذ أمد بعيد، وجه هادئ حميمي استمد سماته من واحته الغناء هو والمكان تآلفا فلا نعرف من منهما صنع الآخر.
وسط صليل الخيول وتسابقها مع صغارها رحب بنا صوت الدكتور حسين حبيب آل رضا، كانت جدران الاستراحة تكتظ بلوحات وصور للخيول، وبينما رحنا نستكشف زوايا المكان وإطلالته على مرابط الخيول، كان الدكتور حسين يتحادث مع عامل الاستراحة حول «نبيرة» .وما إذا كانت انتهت من تناول الطعام أم لا، هكذا أدخلنا الدكتور إلى عالمه الخاص جداً، عالم الخيول وعشقه الدائم لها، يأخذنا في حلم من أحلامه المجسدة على أرض الواقع، مزرعة تضم الكثير من الخيول ذات الأنساب المختلفة، من بينها ما هو أهل للسباقات وأغلبها خيول للزينة والجمال.
الدكتور حسين آل رضا من عائلة لها ميول واحدة، متخصص في جراحة الكسور والعظام، وأيضاً في جراحة المخ والأعصاب، ووالده محمد حبيب أول من حصل على شهادة الطب في دبي وهو أيضاً من عشاق الخيل، أما أولاد الدكتور حسين فلا علاقة لهم بالخيول وهذا ما يقلقه، إلا أنهم أطباء كوالدهم وجدهم.
عن بدايات التصاقه بالخيول يقول د. حسين: ولعي بالخيول بدأ وأنا في السادسة من عمري وفي وقت كانت فيه الخيول قليلة جداً ولا تملكها إلا الأسر الكبيرة، في ذلك الوقت أهدى صديق لوالدي اثنين من الخيول تعلقت بهما كثيراً.
لكن المحك الفعلي مع الخيول كان من خلال زياراتي لإسطبلات المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم في زعبيل، حينها وجدت نفسي أقضي الأوقات الطويلة دون ملل أو تعب، لكن الدراسة أخذتني بعد ذلك، خصوصاً وانني ذهبت إلى كراتشي للدراسة الابتدائية، ثم إلى بيروت.
حيث حصلت فيها على شهادة الثانوية من الجامعة الأميركية، وبعدها بدأت رحلتي لأوروبا بدأتها بإيطاليا ومكثت فيها ستة أشهر وتعلمت اللغة الإيطالية وأجدتها، ثم إلى سويسرا وأجدت فيها اللغة الفرنسية، واستقر بي المقام في ألمانيا حيث حصلت على شهاداتي في الجراحة العامة، ثم تخصصت في جراحة الكسور والعظام.
طوال هذه الرحلة لم يفارقني الحنين إلى الخيول، وكنت أحتفظ دائماً بـ «السرج» معلقاً على جدار غرفتي، إلى أن طلب مني المغفور له الشيخ راشد بن سعيد وكذلك والدي بأن أعود إلى الوطن، وأن أعمل في مستشفى راشد رئيساً لقسم الجراحة، ومازلت حتى الآن أعمل كاستشاري جراحة في المستشفى.
يلتقط الدكتور حسين آل رضا أنفاسه عائداً إلى الوراء قليلاً متذكراً عودته في عام 1974 إلى أرض الوطن واقترابه من جديد من عالم الخيول، يقول:
في هذه الفترة حصلت على أول خيولي وكانت هدايا من المغفور له الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم والشيخ أحمد بن علي آل ثاني من دولة قطر، في تلك الآونة لم يكن لدي مزرعة خاصة وعهدت بخيولي لشقيقي المرحوم حبيب آل رضا الذي كان يملك مزرعته الخاصة وفيها إسطبل للخيول، كان ذلك في عام 1975.
وبقيت على هذه الحال حتى بداية الثمانينات، وكانت رغبتي الملحة في إنشاء مزرعة خاصة تكبر معي وتزداد مع زيادة عدد الخيول بعد أن قمت بشرائها من ألمانيا وبولندا، وتحققت أمنيتي عندما شرعت في إنشاء المزرعة وتم افتتاحها في عام 1982.
ومنذ ذلك الحين وأنا أقضي معظم أوقات الفراغ في هذا المكان الذي صممته بنفسي وأشرفت على تنفيذ كل شيء فيه مستفيداً من خبراتي في هذا المجال.
خرجنا من الاستراحة في جولة ميدانية يتقدمنا فيها الدكتور حسين شارحاً بالتفصيل أسباب الفصل بين الخيول والغذاء المقدم لها، والفصل بين المواليد الذكور والإناث مع اكتمال السنة الأولى حتى لا تضيع الأنساب إذا ما حدث حمل، وبالتالي يتعذر استخراج بطاقة للمولود.
يتوقف الدكتور حسين عند باب إحدى الحجرات الواسعة منادياً «نبيرة»، جاءته على استحياء لتستسلم للمساته الحانية ـ سألناه ما الحكمة في وضع نبيرة في حجرة منعزلة، ضحك قائلاً:
كل الخيول يتم وضعها في هذه الأماكن بعد الاغتسال وخروجها من حمام الماء، وحين يجف جسدها نطلقها إلى الأمكنة الواسعة، وكما ترى فإن المكان هنا نظيف وأرضيته مغطاة بالعشب اليابس عكس الأماكن الرملية الواسعة.
هكذا يحب خيوله
عندما أطال المكوث مداعباً «نبيرة»، سألناه عن أقرب الخيول إلى نفسه ومن لها معزة خاصة عنده؟ كانت الإجابة حاضرة عنده وكأنه يتوقع السؤال، قال: كل أب يحب أولاده جميعاً، ولكن هناك دائماً بعض المحبة الخاصة لأحد الأبناء.
هكذا هي محبتي لجميع الخيول التي أقتنيها، ولكن تظل «نبيرة» فرسة الجمال والزينة من أقرب الخيول إلى نفسي، وعلى مدار خمسة عشر عاماً لم تتغير هذه المحبة رغم وجود خيول أخرى جاءت بعدها ولها أيضاً قدر كبير من المعزة خصوصاً الخيول المهداة لي من الشيوخ والأمراء.
أما البولندية «اترينا» الجميلة، فهي أيضاً لها مكانتها حيث أنجبت مهوراً سريعة، وأول أولادها «أقدام» الذي فاز ست مرات في سباقات الخيول.
عند إحدى الساحات الكبيرة المخصصة للفرسان ومهورها حديثي الولادة، أمر عاشق الخيول عماله بإطلاق جميع الأفراس وتأجيل وجباتها لفترة وجيزة، كان المشهد غاية في الجمال والإثارة.
حيث راحت كل فرس مع وليدها تقدم فاصلاً مراوغاً تابعته عدسة زميلنا محمد بصعوبة بالغة، لكن الأنظار جميعها توجهت نحو الفرس «كايدة بنت كماله» وصغيرها، فقد أصرت على تقديم فواصل استعراضية بخطوات متناسقة تصل إلى حد السرعة في بعض الأحيان، قاومنا متعة المتابعة «لكايدة» .
واقتربنا من الدكتور لنرصد إعجابه بخيوله، كانت ملامحه وتعابير وجهه تشع سعادة وانبهاراً، ولسانه يكرر عند كل حركة تقوم بها «كايدة» «ما شاء الله».
«ما شاء الله» جملة رددناها ونحن نتابع الدكتور وهو يحضن أحد الصغار ويداعبه ويقبله، الحق اننا خشينا عليه، ليس من المهر الصغير، ولكن من أمه التي تراقب عن كثب ما يحدث لصغيرها، سألناه ألا تغار الأم على صغيرها من الآخرين وتأتي بحركات دفاعية؟
إطلاقاً لا.. يجزم الدكتور، معللاً ذلك بالتربية الصحيحة للخيل من الولادة، وضرورة أن يقوم أحد العمال باحتضان الصغير لساعات طويلة كل يوم.
وفي فترة لاحقة يأخذه في سيارة كبيرة حتى يعتاد على كل الأصوات والحركات من حوله، هكذا راح الدكتور يشرح لنا وهو ما زال يحتضن المهر الصغير، مشهد مؤثر يعكس مدى حبه وارتباطه بخيوله، هكذا الارتباط دفعنا لأن نسأله عن لحظات الفراق عندما يقرر البيع أو أن يموت أحد الخيول؟
عند الجملة الأخيرة تجمرت عينا الدكتور، مع أن فكرة وأجواء الموت يعايشها كثيراً في غرف العمليات عندما يقوم بإجراء أصعبها وأدمها، أما بالنسبة لخيوله فشبح موت أحدها يمثل له موقفاً في غاية الصعوبة.
ويظل حزينا لفترة طويلة، خصوصاً، إذا كانت الفرس حاملاً وماتت أثناء عملية الوضع ولم يستطع إسعافها، حدث ذلك بالفعل عندما داهم المخاض أحد الأفراس في وقت متأخر ليلاً دون أن يخبره العمال في الوقت المناسب.
ليس سهلاً على الدكتور حسين أن يتذكر ويحكي مثل هذه الوقائع، لاحظنا ذلك في تعابير وجهه وحركات يديه حينها غيرنا مجرى الحديث وانتقلنا إلى عملية البيع وهل هو توجه يأتي بمحض الإرادة، غير أن الدكتور ظل متوافقاً مع قناعاته المتمسكة بالتعلق بخيوله، إذ أن فكرة بيع أحد الخيول تأتي في ظروف مختلفة،.
ويظل متردداً لفترة طويلة هذا التردد يجعله يسحب خيوله من المزاد في اللحظة الأخيرة ويعود بها إلى مزرعته، هكذا يجسد الدكتور مدى ارتباطه وعشقه للخيول، وهو بذلك يعكس المشهد العام لارتباط الإنسان عموماً بحيواناته وطيوره الأليفة.
المهنة والهواية
عادة ما يكون وقت الجراح ليس ملكاً له، وإذا كان متخصصاً في جراحة الطوارئ فهذا يعني أنه تحت الطلب على مدار الساعة، وإذا أضفنا إلى ما سبق رئاسة قسم الجراحة كما في حالة الدكتور حسين آل رضا، فإن المسؤولية ستكون عظيمة للغاية، أما إذا كان في حياته عشق آخر يأخذه إلى عوالم.
وفضاءات يحلق فيها فلابد إذن من وقفة لنتعرف على كيفية الموازنة بين العمل والهواية، الدكتور حسين لا يفكر كثيراً في هذه الجزئية، لأن الإنسان المنظم في حياته باستطاعته أن يفي بالتزاماته المهنية والعائلية.
ويمارس هواياته أيضاً بكل حرية، والعمل يأتي في المقدمة، هكذا يجيب الدكتور مؤكداً أن إنقاذ حياة إنسان مريض لا يمكن أن ينازعها شيء آخر، وأنا محب للخيول منذ الصغر.
ومع ذلك لم تأخذني الهواية من دراسة التخصص الذي أحببته وتفانيت للحصول على أعلى الشهادات وجنيت منه الثمار بإنقاذي لحياة الكثيرين في اللحظات الأخيرة وفي حالات كانت على حافة الموت، وإحدى هذه الحالات بعد أن أجريت لها جراحة سريعة وأنقذتها من الموت، ذهب صاحبها إلى ألمانيا للمراجعة.
وعندما عرف الطبيب المختص هناك أنني الذي أجريت الجراحة، نصح المريض بالعودة ومراجعتي بعد أن بين له مدى الكفاءة التي عولجت بها جراحه الخطيرة، مثل هذه الحالات وما أكثرها أراها وساماً على صدري لا يقل أهمية عن عشقي للخيول.
نبيرة تقدم عروضها
خرجنا عن الساحة الرملية الواسعة، كانت «نبيرة» قد انتهت من تناول وجبتها وجف جسدها من ماء الاغتسال أخرجها العامل فجاءت تتهاوى رافعة رأسها إلى الأعلى بشموخ وكبرياء، يتدلى شعرها على رقبتها الطويلة ويروح في تموجات على إيقاع خطواتها الراقصة، «نبيرة» من خيول الزينة والمال.
وهي كذلك تحظى بحب الدكتور حسين الذي أمسك برقبتها وراح يوشوشها لحظات ثم بدأت تدور في ساحة قوامها طول حبل يمتد من رقبتها وحتى يد عاشقها، لم يستطع عمال المزرعة مقاومة المشهد فتركوا أعمالهم وتحلقوا على الجوانب يتابعون رقصات «نبيرة».
إلى مكان قصي بالمزرعة أخذنا الدكتور لنشاهد المهور البالغة ثلاث سنوات، وراح يسأل العامل المختص بهذا الركن عن أسماء بعض المهور، سألته عن الأسماء وكيفية اختيارها؟
وهل سهل عليه تذكر أسماء جميع الخيول والمهور؟، أجاب ضاحكاً بأن لكل مالك طريقته في اختيار الأسماء، أما عن اختياراته فهو حريص على وضع أول حرف من اسم الأم كأول حرف من اسم المولود.
وفي الآونة الأخيرة أضاف أول حرف من اسم الأب كثاني حرف من اسم المولود، وهذا الاختيار يسهل من معرفة النسل من الأبوين وهذا مهم جداً في عالم الخيول.
مسيرة حافلة في المجالين
ما بين الطب والجراحة والخيول يمضي الدكتور حسين آل رضا أوقاته وإلى جانب المناصب التي تولاها في حياته المهنية وكان آخرها اختياره لعضوية لجنة جائزة سمو الشيخ حمدان بن راشد للأداء المتميز للأطباء، إلا أن مساهماته في عالم الخيول كانت كثيرة ومتميزة أيضاً.
ونحن نقف أمام المكان المخصص لمهر يقف بخيلاء اسمه «بوب مون» وهو هدية من سمو الشيخ حمدان بن راشد، راح الدكتور يقص علينا بزوغ فكرة إنشاء أول جمعية على مستوى دول الخليج تحت اسم «جمعية مربي الخيول الإماراتية» كان ذلك في عام 1996 .
ويضيف حين طرحنا الفكرة وتداولناها مع الشيخ حامد بن بطي آل حامد وعدنان سلطان وخالد خليفة النابودة، تم إشهار الجمعية عام 2000 وأوكل إلي رئاستها، ثم طلبنا من سمو الشيخ حمدان بن راشد أن يكون الرئيس الفخري للجمعية فسارع إلى تلبية طلبنا، ومنذ ذلك الحين وحتى الآن لم يقصر في دعم الجمعية معنوياً ومادياً.
وتنطلق مساهمات الدكتور إلى الخارج حيث أوكل إليه أيضاً رئاسة جمعية سباق الخيول العربية بألمانيا، وكان أول من طالب بتنظيم سباقات هناك، وجاءت أيضاً موافقة ودعم الشيخ حمدان بن راشد سريعة.
حيث سمح لنا بالسباق على مضمارين فقط في البداية، وتدرجنا بعد أن حققت السباقات نجاحاً كبيراً، وأصبحنا ننظم السباقات على جميع المضامير في ألمانيا، وحتى الآن مازال دعم الشيخ حمدان مستمراً لهذه الجمعية، ويلقى دعمه إعجاباً وشكراً عميقين من قبل ملاك الخيول العربية في ألمانيا.
أثناء جولتنا وجلستنا مع الدكتور حسين آل رضا لم ننتبه إلى أن الوقت داهمنا دون أن نشعر بذلك ، تلك هي سمة من سماته المميزة الكثيرة، ألا تشعر بالزمن وأنت تصغي لأحاديثه الشيقة، يتنقل بين فكرة وأخرى بسلاسة عجيبة تجعلك في حيرة بين أي الأفكار التي نناقشها بعمق.
عز الدين الاسواني

