على غير العادة، أجد نفسي مضطراً من البداية لإلقاء أول مفاتيح شخصيتها، ذلك التوجس من الغوص في ثنايا تجربتها الحياتية والفكرية والإبداعية، عرفتها من وراء الحرف قبل رؤيتها، لغة مغايرة فريدة تستفز الروح والعقل، ثم جمعتني بها بعد ذلك أمسيات ثقافية وموسيقية.
وجدتها أغنية تحلق في فضاءات اللحن الجميل، وصوتاً عذباً دافئاً يأخذك إلى ما وراء الحسيات، كنا نخطيء في اللحن وننسى بعض المقاطع. وكانت هي الأرشيف الذي يعيدنا إلى الصواب، مقبلة على الحياة بالقلب والروح، لكنها عنيدة عناد الواثقين في فكرهم وثقافتهم، آسرة بحديثها ومنطقها إلى الحد الذي تجد نفسك مستمعاً لشخصية واثقة من تجربتها الثرية، ومن هنا كان التوجس من أن نغفل جانباً من جوانب مسيرة ونشأة الصحافية والمبدعة منى مطر.
ولما كان موعدنا، كعادتها أطلت في زفة من مراسيم المرح، طفلة موشومة بالحياة والحب والفرح، تملأ منطقة «المريجة» بالشارقة لهواً ولعباً، تتأبط ذكرياتها صوراً وتمسح عيناها المكان بحثاً عن طاولة مناسبة، تزيح ما علق بأطفال الجيران من أتربة بعد اللعب وتنظف ثيابهم. وإذا لزم الأمر تقص شعر أحدهم إذا ما رغب في ذلك، تأخذ مكانها وتطلب إفطاراً خفيفاً وكوباً من العصير، تمارس دور المعلمة على أولاد «الفريج» وتقود فريقاً يمثل بعض المشاهد والأدوار وسط حضور من أطفال المنطقة، تفتح نافذة على حديث شيق ومسيرة إبداع لم تتوقف أبداً.
عائلة مطر معروفة بمثقفيها ومبدعيها، ومعروفة أيضاً في البحرين حيث جذورها هناك، الجد سلمان مطر كان أول من أنشأ مدارس ومستشفيات في البحرين وكان أول من قدم فكرة صندوق فلسطين وأخرجها إلى النور،.
له باع طويل في أعمال الخير ومنحته الحكومة البريطانية لقب فارس «سير» وكذلك الجنسية البريطانية، كان تاجراً ومن «طواويش» اللؤلؤ، وورث عنه ابنه مطر المهنة وكان كثيراً ما يزور الإمارات في الخمسينات من القرن الماضي، إلى أن تزوج واستقر فيها.
على هذه الخلفية وهنا على أرض الإمارات نشأت منى مطر وترعرعت، قضت طفولتها المبكرة وسنتين من دراستها الابتدائية في مدرسة رابعة العدوية بالشارقة، كانت طفلة حادة الذكاء وتستهويها فكرة القيادة، محبة للفنون والغناء، لا تمر استراحة بين حصة دراسية .
وأخرى إلا وتجمّع التلاميذ من حولها وتمارس الغناء، الأمر الذي جعلها على رأس الفرق المشاركة في الأنشطة المدرسية وحفلاتها، في شخصيتها جرأة غير عادية، الأمر الذي أهلها لأن تكون في مقدمة المشاركات في الإذاعة المدرسية، ولذلك فإن فترة الطفولة وشقاوتها كانت مغلفة بعشق الفن والأدب منذ الصغر، وهذا ما جعلها تمثل بعض الأدوار على مسرح تقيمه في البيت.
عائلة تقرض الشعر
امتلاك اللغة ليس بالأمر الهيِّن، وفي كتابات منى مطر الصحافية والإبداعية لغة قلنا عنها مغايرة وجديدة، وهذه اللغة لم تأت من فراغ خصوصاً إذا عرفنا أن والدي منى يكتبان الشعر ويتذوقانه، فوالدتها تكتب الشعر النبطي ولها قصائد كثيرة، أما والدها فهو حكاية أخرى تحتاج إلى مساحة كبيرة لكي نتعرف على شخصيته الشاعرة والموسيقية.
كان مولعاً بالشعر الجاهلي ويحفظ القصائد عن ظهر قلب، ويكتب الشعر ويعشقه لدرجة أن هذا العشق تغلب على حب جمع المال فخسر تجارته، وكان أيضاً عازف عود وصديقاً مقرّباً للمطرب البحريني «بن فارس».
إضافة على حفظه مجموعة من الأصوات «فن الصوت» و«الزهيرات» و«المواويل»، هذه الشخصية المتخمة بالإبداع والموسيقى والغناء أثرت بشكل كبير على منى مطر منذ الصغر، كانت تجلس أمامه وتقرأ في ديوان يزيد بن معاوية من باب الرائيات، وكان يصحِّح لها الأخطاء، ويستدعيها للجلوس معه وسماع أم كلثوم لتتذوق اللحن والكلمة.
مع طفولة منى مطر نمر على أعوامها السبعة ومجلات الأطفال التي كانت تقرأها، إلى أن تطورت القراءة والاطلاع عندها لتقتحم إبداعات كبار الروائيين العالميين، في الوقت الذي كانت تمارس أعمال المنزل وهي صغيرة جداً، «عوّدتنا والدتنا على الاعتماد على النفس وكانت ترفض فكرة استخدام خادمة في البيت»، تفتخر منى مطر بهذه التربية وتدين بالفضل لوالدتها التي عوّدتهم على الصراحة والصدق مع النفس قبل الصدق مع الآخرين.
من المالية إلى الصحافة
عندما انتقلت العائلة للعيش في دبي، التحقت منى بمدرسة آمنة بنت وهب وحصلت على شهادة الثانوية منها، لتبدأ بعد ذلك مرحلة جديدة في المسيرة التعليمية وتخوض غمار أول تجربة اغتراب، فعرفت منذ ذلك الوقت مدى حبها لمدينة دبي وحالة الارتياح النفسي التي تتملكها، وهي بين ربوعها، لدرجة أنها تقطع رحلاتها الاستجمامية لتعود إليها مرة أخرى، في السنوات الأخيرة من السبعينات شدّت الرحال إلى جامعة الكويت.
حيث التحقت بكلية التجارة قسم العلوم السياسية، وظلت على عهد مع التفوق والمشاركات في الأنشطة المختلفة، ولشهرتها بصوتها الجميل بين الطلاب والطالبات، عرض عليها خالد الشيخ ـ كان زميل دراسة في ذلك الوقت ـ أن تغني في إحدى حفلات الجامعة، لكن موهبة الغناء وأمنيتها بممارسته اصطدمتا بحواجز اجتماعية وعائلية، لتتخرج في الجامعة في عام 1981 .
وتعود إلى الإمارات، كان أول عمل التحقت به في وزارة المالية حيث ترأست قسم الحسابات والرواتب لمدة عام واحد فقط، إذ لم تتوافق الوظيفة مع روحها المبدعة الباحثة عن التألق في رحاب الجمال والفن، ومن تجربة النشاط الطلابي وتوليها إصدار مطبوعة في وقت من الأوقات.
وحبها أيضاً للعمل الصحافي، فقد التحقت للعمل بجريدة «الاتحاد» وظلت تتنقل بين أقسام التحقيقات والثقافة والمنوعات على مدار ست سنوات، ثم انتقلت إلى جريدة «البيان» وعملت فيها ست سنوات أيضاً، ثم عادت إلى «الاتحاد» مرة أخرى وظلت فيها أربع سنوات قبل أن تقدم على تقاعد مبكر.
كائن قابل للخدش
منى مطر شخصية عاطفية وحساسة إلى أبعد حد، تبني علاقاتها مع الأمكنة والأشخاص على أسس وأخلاقيات لا تقبل المناورة، أحبت مدينة دبي وتعتبرها عشقها الأول، جاءتها فرصة إكمال الدراسات العليا .
وتم قبولها في إحدى جامعات بريطانيا، لكنها امتنعت عن ذلك حباً للبقاء في أحضان مدينتها، فهي كلما اشتاقت إلى ذكرياتها القديمة يقودها الحنين إلى الماضي إلى الأحياء القديمة، تتجول في أزقتها وتشم رائحة الزمن المعتّق.
وفي أحيائها الحديثة تنطلق روحها بين الأبراج، هذه العلاقة الشفافة مع الأمكنة نابعة من أحاسيس شاعرة أخذت من والدتها الصلابة وقوة الشخصية، هذه الخلطة العجيبة المغلفة بالصدق والصراحة لا بد وأن تصطدم بواقع مختلف عندما تتعامل مع الآخرين، سواء على مستوى العلاقات الإنسانية والاجتماعية.
أو على مستوى العلاقات في محيط العمل «أنا كائن قابل للخدش، ولا أجيد الرقص مع الإدارات»، هكذا تلخص منى مطر نتائج صراحتها الشديدة مع الآخر، مؤكدة أنها صدامية.
ولكن في الحق، «أنا لم أخن نفسي ولو للحظة واحدة، ويظل داخلي بطفولته ومرحه وشعره وتدينه متوافقاً مع خارجي بعلاقتي مع الآخرين، وبالتالي يظل احترامي لنفسي أمراً أعتز به».
الإحساس المرهف عند منى مطر لا بد وأن يكون له غذاء مستمر، وبما أنها تمتلك صوتاً جميلاً فهذا يعني أنها متذوقة للموسيقى، والموسيقى عندها طرب، وثمّة مقامات في الموسيقى العربية تخلق عندها حالة طرب لا تُوصف، كذلك الحال بالنسبة للموسيقى الكلاسيكية.
وكلما أرادت الاستمتاع بصفاء الذهن وإعادة شحن بطارية الدماغ، فهي تحتاج واحداً من ثلاثة أشياء، إما الاستماع إلى أنواع معيّنة من المقامات الشرقية، أو متابعة الرسوم المتحركة، أو الصلاة على النبي محمد عليه الصلاة والسلام.
والاستماع إلى الإنشاد الديني الراقي، وعند هذه النقطة الأخيرة تتوقف ملياً، معربة عن أمنية ملحة في أن تقدم بصوتها إنشاداً دينياً مختلفاً، وأن تقدم مدحاً في الذات الإلهية والنبي صلى الله عليه وسلم، فهي ترى أن الإنشاد الديني الآن يفتقد لروحانية الأداء، هذا جانب خفي في شخصية منى مطر، فهل هو نابع من تجربة مرّت بها؟
في رحاب الصوفية
قد يستغرب البعض عشق منى مطر للإنشاد الديني وطموحها في تقديمه بصوتها، وقد يتساءل آخرون عن السبب في ذلك، أما الإجابة فهي بسيطة للغاية وتتلخص في حب المعرفة والاغتراف من مناهلها، وحدث أنها كانت تقوم بإجراء بحث عن علم الحرف عند كبار المتصوفة.
وبدأت قراءاتها بأعمال محيي الدين بن عربي لكن وجدتها مرمَّزة إلى درجة الغموض، ولا تنفتح أمام أي طالب للعلم، خصوصاً الفتوحات المكية، «كنت أعلم أنه في ظل بحثي ثمة جزء من العلم الروحي موروث لدي، وجزء آخر أتعب في البحث عنه، بشرط أن تكون الروح جادة في طلبها، وبعد فترة وقعت عيني على كتاب عن السبع المثاني.
وواضعه ليس بشيخ أو صاحب طريقة، وإنما هو مجرد باحث لم يضع المعايير وإشكاليات التجريب فيه، وبدأت بتدريبات شخصية نابعة من ذاتي، وكان هذا نقطة تحول ودخولي في تجربة الصوفية التي استمرت معي لمدة خمسة عشر عاماً».
وتعترف منى بالخطأ الذي وقعت فيه بدخولها التجربة بمفردها، مشككة في معظم المشايخ وان قلّة منهم هم الذين يمتلكون مفاتيح الحرف، لكن مع إصرارها وتتلمذها على مشايخ الباطن حصلت على الدرجة والمقام، وقررت بعد ذلك نسيان التجربة برمتها بعد ان أثرت على حياتها الأسرية، ومع ذلك فهي تصر على خوض التجربة إذا ما عاد الزمن إلى الوراء، تدفعها قناعة بان طالب العلم لا يشبع أبداً.
وعي ومرح
في عيون الأصدقاء نرى أنفسنا، وصداقات منى مطر كثيرة ولكن تبقى شخصيات قريبة إلى النفس، الكاتبة الصحفية خاتم بيطار ربطتها علاقة صداقة بمنى مطر تمتد خمسة وعشرين عاماً ومستمرة حتى الآن.
وتتذكر بيطار ان أول شيء لفت انتباهها في شخصية منى أنها كانت تتدفق حيوية ونشاطاً وكثيرة الحركة تنتقل بين المنتديات والتجمعات الشبابية حاملة الأفكار الجريئة، كانت تناقش بحماس شديد، وهمها الأول ان تفعل شيئا له قيمته من أجل مجتمعها ووطنها، لم أر انساناً يحب بلده مثل منى مطر.
وتتعامل مع هذا الحب على انه قيمة يتوجب على كل مواطن ان يتمتع بها، كانت نطرح أفكارها بوعي شديد، والآن أنا أتعجب من هذه النظرة الازدواجية، عندما كانت منى تطرح أفكارها وجدت نفسها كظبي في الصحراء يطارده الصيادون، والآن نجد نفس الأفكار متداولة بحرية كاملة، فهل هذا قدر الذين يسبقون عصرهم بالفكر والرقي.
وتستطرد بيطار قائلة: منى انسانة حساسة جداً ويمكن ان تخرج بسرعة لكن تتمتع بقدرة هائلة على المكابرة واخفاء مشاعرها الغاضبة، ومع ذلك فهي مرحة للغاية لا تتوقف عن الغناء، ودائما في جلساتنا أحب سماعها وهي تعني «دم الغزال بامتحنى» واذكر ان والدتي سمعتها .
وهي تغني وظلت تسألني عنها وهي تذكرني بها «البنت اللي كانت بتغني» اضافة إلى ذلك فهي تتمتع بقدرة هائلة على سرد النكتة بطريقة ساخرة.
العمل بشيء مقدس
صفية إبراهيم رئيسة قسم التصوير بجريدة الاتحاد تحكي ذكرياتها مع منى مطر وتقول: في منتصف الثمانينات التحقت للعمل في جريدة الاتحاد مصورة فوتوغرافية، وكنت أول فتاة تقتحم هذا المجال.
وكم كنت خائفة ومرتبكة يتصبب مني العرق كلما خرجت مع منى مطر لتغطية حدث، واشهد ان منى مطر هي التي دفعتني وشجعتني وبثت في نفسي الجرأة ومواجهة الناس في وقت كان فيه المجتمع منغلقا إلى حد بعيد ولا يقبل المستجدات مهما كانت.
وإذا كان المثل يقول ان وراء كل رجل عظيم امرأة، فانا أقول ان وراء كل امرأة عظيمة أمرأة أعظم، هكذا تلخص صفية حبها لمنى مطر زميلة العمل في الماضي وصديقة الحاضر، منوهة بان منى تعشق الأجواء الصافية، مهنية ومجاملة إلى حد بعيد، والعمل بالنسبة إليها شيء مقدس، ولا أذكر انها كانت تدخل في صراعات أو مناقشات حادة مع الزملاء، تتمتع بقدرة كبيرة على العطاء ومساعدة الآخرين.
في حين انها لا تنتظر مساعدة الآخر، وعموماً سأظل مدينة لهذه الإنسانة الراقية، فهي التي وضعت قدمي على أول درجة على طريق النجاح المهني، واسأل الله ان يوفقها دائماً.
شقية لكن غير مؤذية
جمعتمها مقاعد الدراسة في المرحلة الإعدادية، ثم الثانوية، وأخيراً رحلة الاغتراب إلى جامعة الكويت، صداقة قديمة متجدِّدة بين سيدة الأعمال صوفي عبدالله ومنى مطر، وعلى الرغم من أن كل واحدة تخصَّصت في مجال مختلف، إلا أن العلاقة ظلّت على حالها ومستمرة إلى الآن.
تقول صوفي: منى مطر بالنسبة لي أخت وصديقة مقرّبة للغاية، التقينا على المحبة وصنعنا سوياً ذكريات لا تُنسى، بدأناها بالمرح والفرح اللذين تتمتع بهما منى وهي الشخصية الممتلئة بهجة وحيوية، كانت شقية، ولكن شقاوتها محببة وغير مؤذية للآخرين، ولم أرها في حياتي إلا مبتسمة مقبلة على الحياة، ذكية ومؤدبة وتهتم بأناقتها وتعشق الحياة البسيطة، ولهذا كانت شخصيتها قوية جمعت فيها بين المرح والجد.
وعن أيام الدراسة الجامعية تقول صوفي: كنا مجموعة من الطالبات الإماراتيات نسكن سوياً، وكنا نقسم أعمال البيت، واحدة للغسيل، وأخرى للنظافة.. وهكذا، ووقع الاختيار عليّ لأستلم مهمة الطهي، ورغم أن منى كانت طاهية جيدة، إلا أنني لم أتقبل أن يشاركني أحد في المطبخ، فظلت منى متفرغة للغناء لنا.
عزالدين الأسواني
--+++++++++++++++++++++++++++18132642711537
Content-Disposition: form-data; name="template"
FullStyle3


