رغم أن عمره تجاوز 77 سنة، إلا ان أبوعلي ما زال يحتفظ بذاكرة خصبة وقوية، تعود إلى النصف الأول من القرن الماضي، وتحديداً العام 1939م في إمارة رأس الخيمة حيث عاش طفولته وتعلم ركوب البحر وفنون التجارة منذ نعومة أظفاره، ليصبح من أشهر النواخذة في المنطقة، رغم ان والده كان من أبناء البادية وليس له علاقة بالبحر. يوضح قائلاً:

بحكم وظيفتي عند الشيخ محمد بن سالم حاكم رأس الخيمة وكان عمري لا يتجاوز العشر سنوات، كنت مسؤولاً عن الإيجارات وعندما أصبح عمري 13 سنة اشتريت سفينة شراعية صغيرة بالاشتراك مع رجل من أهل فارس يدعى محمد رسول.

وبدأنا نعمل على متنها في تجارة المواد الغذائية بين دول الخليج وقد أسميت السفينة «فتح الخير» لأنها كانت بداية جيدة لي وبعد فترة قصيرة بعتها واشتريت سفينة أكبر هي (المرسال) وخرجت فيها إلى مسقط ووصلت إلى المحيط الهادي.

الموضوع لم يكن باختياري، وانما كان قدري في هذه الحياة ان أكون رحالاً في البحار لأكثر من 60 سنة. حيث دخلت البحر وعمري لم يتجاوز عشر سنوات في أول رحلة مع إبراهيم محمد السمان كان واحدا من جيراننا ويمتلك صمعة (أي سفينة) وأذكر اسمها (ياسر) وعملت على متنها في صب قهوة للبحارة.

وبقيت معه سنتين، كنت حريصاً خلالها على مراقبة طريقة تسيير السفينة وإنزال الشراع وكيف ننزل البضاعة ونحملها وأصبحت خبيراً في اتجاهات الريح والتعامل مع الموج.. وهذه صنعة تشربتها من حبي للبحر وحاجتي للعمل خاصة بعد وفاة الوالد، لذلك اعتبر البحر معلمي في هذه الحياة.

وأذكر ان البداية اقتصرت على السفر إلى الشارقة ودبي وأبوظبي، بغرض تجارة الحطب، والعسل، الرطب والتمر وكنا نحمل من دبي إلى رأس الخيمة السكر والقهوة والعيش وأشياء أخرى، نحتاجها في المعيشة اليومية.

73 يوماً في البحر

بعدها خرجت إلى البحر مع إبراهيم بن محمد النواخذا وتوجهنا إلى الهند لشراء الأقمشة وبقيت سنتين كان عمري خلالها 18 سنة.. وفي تلك الفترة استطعت ان اجمع مبلغاً اشتريت به سفينة شراعية صغيرة من الشيخ سلطان بن أحمد المرزوقي شيخ مغوة بفارس ودفعت له حوالي ألفي روبية كانت نصف ثمن السفينة وبقيت شريكاً له بالنصف الثاني.. حتى سددت المبلغ.

وكانت من الرحلات التي انطبعت في ذاكرتي تلك التي ركبت البحر فيها 73 يوماً وصلنا عندها إلى «نكوما» في المحيط الهادي وأنا لم أسمع بأي نوخذا امتلك سفينة شراعية ووصل إلى (نكوما)، لذلك اعتبرها أول سفينة شراعية خرجت من الخليج وتوجهت إلى المحيط الهادي.

أنا من مواليد دبي ولكن أسمع ان أهلي سافروا في رأس الخيمة بعد ان ضاقت بهم الدنيا. واشتد الجوع والقحط بأهل المنطقة كان ذلك في عشرينيات القرن الماضي، وأخبرتني والدتي أنها سافرت مع والدي وجدتي على الاقدام وكنت رضيعاً.. لقد تحمل أباؤنا وأجدادنا مشقة السفر وضنك الحياة.

«عشت في رأس الخيمة طفولة صعبة كانت الحياة قاسية يوم نأكل فيه والآخر لا نجد شيئاً نقتات به.. لأن المنطقة كانت مغلقة وجميع شبابها اما يمتهنون الصيد أو الغوص والقليل منهم التجارة والبعض مثل والدي كان في البادية.

ولكن رغم ذلك كان الجميع يعيشون كأسرة واحدة ويتعاونون في كل المحن وكانت البيوت مفتوحة للجميع عكس ما نراه اليوم فقد تغيرت طباع الناس وأصبحت المادة تسيطر على طباع البشر ورغم وفرة الغذاء والمال إلا ان الجشع والطمع يحولان دون سعادة البشر.

أنا أعيش وسط أولادي علي، عبيد، يوسف وإبراهيم لكني مسكون بذكريات البحر وقصص البحارة.. مازال صوت الموج في أذني ولا يمكن ان يمر يوم دون ان أعود بذاكرتي إلى هناك رغم ان جميع الرفاق والنوخذة قد توفوا ومن تبقى منهم، يعاني من الكبر والوحدة.

ليس للبحر أمان

زرت كل البلاد المطلة على البحار.. وبحكم عملي في التجارة البحرية كنت اخرج من بيتي وأعود له بعد سبعة أشهر.. ووصلت إلى موانئ جنوب افريقيا، والمحيط الهادي، ووصلنا إلى بمباي، لانجور، همباها، زنجبار ومقديشو وجميع دول الخليج. وعشت أكثر من نصف عمري بحارا بين الأمواج والشواطئ لذلك اعتبر لقبي ابن البحر.

البحر ليس له أمان.. والسفر به مرهق خاصة في تلك الظروف الصعبة وتعلمت من أن الحاجة هي التي تجعلك تركب الصعاب وتتحمل أهوال البحر ولياليه الغاضبة لقد مرت علينا لحظات كان بيني وبين الموت ثوان لولا لطف الخالق.

لكن في المقابل يحوي البحر على كنوز ومنافع الإنسان وسكان الخليج منذ القديم اعتمدوا في معيشتهم اليومية على ما يجود به البحر، وتربطهم به علاقة عشق وحنين.

من لا يتذكر لحظات الموت التي تمر بحياته ومشاهد أصدقائه وهم يتلاشون بين الامواج. وأصواتهم تختفي. وأذكر في سنة 1934 كنا نحمل معنا بضاعة متنوعة متوجهين إلى ميناء أبوظبي، وقبل وصولنا إلى الشاطئ بقليل، ضربتنا ريح قوية قلبت السفينة بكل ما فيها.

وبقينا لساعات طويلة نصارع الموج والموت، حتى وصلنا إلى الشاطئ من دون حمولة. كذلك غرقنا في سواحل زنجبار، وفقدنا الكثير من الربع والأصدقاء.

في عام 1956 كنا في زنجبار وحملنا بضاعة عائدين إلى الديار، وأثناء الرحلة واجهتنا رياح قوية اضطرتنا للاستغناء عن جزء من الحمولة حتى نحفظ سلامتنا وتيسرت الأمور ووصلنا إلى سواحل عدن، وعلمنا أن سفينة شراعية تتبع الشيخ ناصر بالاسد شيخ المهرة.

وتحتوي على بضاعة، اختفت في البحر، وأذكر رغم التعب والارهاق خرجنا إلى البحر مرة أخرى محاولين إنقاذهم، وبعد أيام وجدناهم وسط البحر وقد انكسرت الدفة التي توجه السفينة وعلقوا وسط البحر.

وفعلاً أعطيناهم الحبال وسحبنا سفينتهم من شرق مقديشو إلى منطقة المهرة في جشن واستغرقت الرحلة معنا حوالي شهر ويومين، ولا يمكن أن أنسى أهل المنطقة، إذ خرجوا في استقبالنا وعلى رأسهم شيخ المهرة، وعرض علينا مبلغاً من المال، لكنني رفضته وقلت له: إن ما قمت به هو لوجه الله ولا نريد جزاء أو شكوراً».

كان هذا جزءا من أخلاق أهل البحر والنظام وشهامة الرجال تحتّم علينا إنقاذ المستغيث، بعد ذلك رجع من بيته يحمل معه (بندقية) ويجر خلفه 4 رؤوس غنم، وقال لي «أرجو أن تقبل مني الهدية»، وفعلاً قبلتها، ومازلت أحتفظ بها إلى اليوم.

كان الإنجليز يمنعوننا من تجارة السلاح، وإذا اكتشفوا سلاحاً على متن السفينة كانوا يحبسون السفينة ومن فيها، لكن رغم ذلك كنا نتاجر في السلاح، وأذكر في سنة 1956 كنا في رحلة إلى منطقة تدعرا (سيبورانجا) وكان طريقنا من زنجبار إلى دار السلام في تنزانيا، وقررت الإدارة الإنجليزية ألا تسمح لأي سفينة بالسفر إلى تلك المنطقة الوعرة، إلا بعد مثول نواخذتها أمام ضابط إنجليزي.

ودخلت على الضابط مع صديقي، ولم أكن أعرف القراءة ولا الكتابة، فسألنا الضابط عن طريق مترجم يسمونه الشيخ عمر، كيف وصلتم إلى هنا؟

فأجبته: سافرنا من رأس الغيسة إلى البصرة ومن البصرة حملنا تموراً وسافرنا بها إلى بومباي، وبعد أن أنزلنا حمولتنا توجهنا إلى كيرالا في الهند، ثم توجهنا إلى (ممباسا) وبعدها إلى زنجبار، ونريد أن نسافر إلى سيبورانجا.

سألنا الضابط ما هي المعدات البحرية التي معكم؟

فقلت له: «نحن لا نعرف حتى الكتابة والقراءة»، فتعجّب، وقال كيف تسافرون كل هذه المسافات بلا كمال أو سدس، أو حتى حبل لقياس الأعماق أو كمبيوتر بحري، قلت له «لا نملك شيئا مما تتحدث عنه، لكننا نملك خبرتنا، وهذا كاف». تعجب الضابط وقال للمترجم انهم بحارة محترفون، فضابط البحارة عندنا يدرس في الكلية خمس سنوات وفي الليل يوقف سفينته على الشاطئ، وأنتم العرب تدخلون البحر وكأنه بيتكم.

بحكم سفري ومكوثي في بلدان كثيرة أكثر من شهر وتواصلي مع الباعة والتجار أصبحت أتقن إلى جانب العربية الأوردو، السواحلية الملباري، الإيرانية، واكتسبت الكثير من عادات الشعوب وطباعهم وتغيرت نظرتي للحياة وأصبحت أكثر زهداً بعد كل الأهوال التي مرت بي في البحر.

مشهد القرش عالق في ذاكرتي

بالطبع رأيت سمك القرش كان ذلك في عام 1966 قررت الانتقال للعمل على خط إفريقيا. وحملنا بضائع متنوعة ولما وصلنا إلى حدود عمان ضربنا موج عال وقلب السفينة وبقينا نصارع الموت وتعلقنا ببعض الأخشاب محاولين النجاة.

وان لم تخني الذاكرة كنا حوالي عشرة بحارة نصارع أسماك القرش التي كان يزيد طول الواحدة منها على خمسة أمتار كانت تفتح فمها وتظل تدور حولنا. لكن الغريب ان القرش لا يقترب من شخص يتحرك.. فقد كانت تلتهم من يغرق ويصبح جثة هامدة. وبعد مرور كل هذه الفترة مازالت مشاهد الرعب عالقة في ذهني ولا يمكنني التخلص منها.

إلى جانب سفينة ومعدات البحر مازلت احتفظ برشاش قديم أهداه لي سياد بري رئيس جمهورية الصومال، بعد ان أنقذنا رجاله، كان ذلك في سنة 1973م، كنا في رحلة إلى مقديشو ولحظة وصولنا جاءنا الصوماليون يقولون:

يا نواخذه لدينا سفينة صيد خرجت البحر ولم ترجع ونرجو ان تساعدونا وفعلا بتنا ليلتها وخرجنا في الفجر، للبحث عن السفينة المفقودة وفقنا الله ووجدناها على بعد 40 ميلا وحملناهم على سفيتنا وعدنا بهم إلى ديارهم واستقبلنا سياد بري وعرض علينا مبلغاً من المال و رفضناه رغم حاجتنا الماسة إليه من باب الشهامة و حصلت على رشاش هدية منه مازلت احتفظ به.

أمينة عماري