إن قرارا يسمح ببناء جيل جديد من محطات الطاقة النووية في بريطانيا سيكون بمثابة خطأ عظيم يُرتكب في حق جيل من أبنائنا. ويحتاج رئيس الوزراء البريطاني توني بلير وأي سياسي يستطيع أن يؤثر في هذا القرار إلى إدراك أن بناء تلك المحطات سيكون قرارا مكلفا وخطيرا، وأن العودة مرة أخرى إلى الطريق النووي لن يؤدي حتى إلى حل المشكلات المتعلقة بالتغير المناخي.
قدر كبير من الموارد سيُستنفد بسبب هذا المشروع، الذي لن يُقدم شيئا ملموسا لظاهرة الاحتباس الحراري، وإنما سيُكبل أطفالنا وأحفادنا وسيحيطهم بأخطار إضافية مرتبطة بالنفايات النووية وإمكانية حدوث كارثة نووية.
لم يعد هناك وقت يسمح بارتكاب أخطاء أخرى فيما يتعلق بعملية التغير المناخي. فالخطر الآن عظيم للغاية ، ما يعني أنه أصبح من الحتمي أن نفكر في حلول لتقليص انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون بأسرع وقت ممكن.
المحطات النووية الموجودة في بريطانيا توفر 8% فقط من الطاقة الكلية التي تحتاجها الجزيرة العتيدة؛ فالطاقة النووية لا يمكنها توفير الوقود اللازم لوسائل المواصلات. كما أن الغاز يستخدم بشكل كبير لتدفئة المنازل. فضلا عن أن العمر الافتراضي لتلك المحطات سينتهي بحلول عام 2025. وحتى في حال مضاعفة القدرة النووية الحالية، فإن الزيادة لن تُساهم في تقليص الانبعاثات الكربونية في بريطانيا إلا بنسبة لا تتعدى 8 %.
بريطانيا بحاجة إلى تقليص الانبعاثات السامة على الأقل بقدر يفوق تلك النسبة بثلاث أو أربع مرات ـ وذلك إذا كنا نريد أن نساهم بفعالية في منع ظاهرة الاحتباس الحراري الذي من شأنه أن يحدث تغيرا مناخيا كارثيا لا مفر منه.
النسبة العظمى من الشعب البريطاني على حق في مخاوفها من الطاقة النووية. وقد ظهرت أخيرا تقارير إعلامية تفيد صدور 57 إنذارا بالخطر من محطات الطاقة النووية في بريطانيا خلال العقد الفائت على الأقل. والنفايات التي نتجت عن انفجار مفاعل تشرنوبيل ما برحت تحصد حياة أعداد من البشر وما زالت تلوث الأراضي على الرغم من مرور 20 عاما على الكارثة.
وأفاد استطلاع رأي حديث جرى في لندن أن أكثر من ثلثي اللندنيين يعارضون نقل النفايات النووية في المدينة، كما أن أكثر من ثلاثة أرباعهم يعارضون بناء محطات طاقة نووية في مناطق إقامتهم. وأنا على يقين من أن تلك الأرقام ستكون أعلى من ذلك بكثير في أي مناطق يُقترح بناء محطات نووية بالقرب منها.
ولا يوجد هناك بلد في العالم ثبت فيه أن الطاقة النووية فعالة من الناحية التجارية. فواقع الأمر يشير إلى أنه لم يسبق لبريطانيا أن بنت محطة نووية طبقا للميزانية التي خصصت لها أو في الموعد الذي سبق تحديده لها، وإنما كان يحدث دائما أن تُبنى جميع المحطات النووية بأموال الدعم الشعبي. ثم يتعين على الشعب بعد ذلك أن يدفع فاتورة تنظيف النفايات النووية من أمواله، وهي التكاليف التي تقدرها هيئة التخلص من النفايات النووية. بـ 7 مليارات دولار.
إن أكبر سبب لانبعاثات الكربون السامة في بريطانيا يتمثل في عمليات التوليد المركزي للطاقة. ثلثا الطاقة التي يتم ضخها في محطات الطاقة المركزية البريطانية ، بما فيها الطاقة النووية، يُهدر في شكل طاقة حرارية تنبعث في شكل بخار من خلال أبراج التبريد الضخمة الموجودة في المناطق الريفية بكثرة وأثناء عملية نقل الطاقة من محطات الطاقة الريفية إلى المدن والبلدات، وهي الأماكن التي تحتاجها بشدة.
ولكن في حال توليد الحرارة والطاقة بشكل محلي عن طريق أنظمة طاقة غير مركزية، فإنه بوسعنا تقليص الكميات المهدرة من الطاقة إلى 10% أو 15% فقط. وهذا الأمر يتأتى حدوثه عن طريق إعادة استخدام الحرارة التي يتم توليدها كأحد مشتقات الطاقة الكهربائية من أجل تدفئة وتبريد المباني.
و تستخدم كل من السويد والدنمارك الطاقة غير المركزية منذ 30 عاما على نطاق كبير. وفي الشهر الماضي نشرتُ بحثا أوضحتُ فيه كيف أن لندن يمكنها نسبيا وبسهولة تقليص انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة تزيد على 30% في 20 عاما عن طريق استخدام الطاقة غير المركزية. وحتى عندما تصل الطاقة إلى منازلنا ومكاتبنا، فإن نسبة كبيرة منها تتعرض إلى الهدر؛ فأكثر من 40% من انبعاثات الكربون الضارة في لندن تأتي من المنازل.
فإذا حدث أن انخفضت درجات الحرارة بشكل كبير فإننا نشغل نظام التدفئة، وإذا ارتفعت درجات الحرارة فإننا نشغل المروحة أو أجهزة التكييف. وتُترك الأجهزة الكهربائية في وضع الانتظار من دون استعمال لمدة ساعات متواصلة بلا انقطاع.
وفي النهاية يمكن القول إن بريطانيا لديها فرص أكبر من أي دولة أخرى لاستخدام الطاقة المتجددة. ففي ضوء كونها تأخذ شكل الجزيرة من الناحية الجغرافية، فإننا لدينا طاقة رياح وطاقة مد وجزر وأمواج عاتية لم تستغل بعد. وخلافا للاعتقاد الشائع فإنه يمكننا أن نستخدم الطاقة الشمسية بشكل موسع للغاية. وفي لندن الآن هناك حاجة إلى استخدام الطاقة المتجددة على جميع الأصعدة.
و الآن وبعد 10 سنوات من الشعارات والكلام البراق حول التغير المناخي، يتعين على الحكومة أن تأخذ خطوات حقيقية لتنفيذ تلك الأنواع من الإجراءات. ولكن المضي قدما في بناء مزيد من المحطات النووية سيكون بمثابة خطوة مكلفة وخطيرة للغاية سيدفع ثمنها باهظا الأبناء والأحفاد.
ترجمة: حاتم حسين
عن: «ذي إندبندنت»
