كان أغلب الرحالة العرب قديماً يسافرون مع ما كان للسفر من مشقة، لكي يتعرّفوا على شعوب وأمم في سبيل مسألة علمية أو التثبت من صحة معلومة، أو الاستزادة من معارف وعلوم، كان السفر أحد أهم الوسائل للوصول إليها.
لذلك كان الرحالة العربي بوجه من الوجوه سفير هذه الحضارة العربية الإسلامية، التي تكوّنت بفضل هذا الاندماج والتعايش المتناغم بين أمم وشعوب مختلفة السحنات والأعراق والألسن، لتتجمع نتاجاتها الفكرية والعلمية والفنية في بوتقة الانفتاح على الآخر، ورحلة ابن فضلان إلى بلاد الروس كانت أبرز مثال على تلك الروح المنفتحة.
ولكن هل من الممكن أن تتكرر تجربة ابن فضلان اليوم؟ فيما لو سنحت الفرصة لجيل الشباب أن يسافر، هل ستلفت انتباهه آثار الحضارات وشواهدها التاريخية من قلاع وحصون ومتاحف؟
متى بات السؤال ولو على سبيل المزاح محرجاً للغاية، حين تطرحه على شاب أو شابة ينوي السفر أو سبق له أن سافر إلى الخارج، هل شاهدت متاحف ذلك البلد، هل تعرفت على حضارته؟
ولكن، مع ندرة السؤال، وجد ضيفنا فيه متعة، متعة التعرف على حضارة الآخر، منذ أول رحلة قام بها قادته إلى بريطانيا، فتعلق بالمتاحف، ولاحق شواهد الحضارات أينما حلّ وارتحل، محمد صالح الحميري الذي يعمل في مجال الإدارة.
ـ أول بلد زرته كان بريطانيا، إبان فترة المراهقة أيام الدراسة الثانوية لدراسة اللغة الانجليزية في بيئتها الأصلية. كنا شباباً، مجموعة من الأصدقاء، طرحت هذه الفكرة ولقيت قبولاً ورغبة من قبلنا فأقنعنا الأهل بفائدة هذا النوع من الرحلات، كانت مفيدة جدا بالنسبة لي شخصياً، لأنها كانت أول مرة أسافر فيها خارج الإمارات وحدي، أقصد بدون أحد من الأهل، وأسست لدي اللغة الانجليزية.
كان من نصيبي أن أقضي أيام الدراسة في قرية غرينتش. انها القرية التي يضبط العالم كله ساعاته على توقيتها، أي حسب توقيت غرينتش.
ـ الانجليز بصورة عامة يتميزون بالهدوء الذي يصل أحياناً إلى البرود، وقد قادني حظي العاثر للسكن في منزل عائلة مكونة من رجل وامرأة كبيرين في السن، قليلي الكلام، والرجل كان عصبيا ويثور لأتفه الأسباب، كنا نقضي الليالي بالفرجة على التلفزيون قليلا، ثم تناول البطاطا المهروسة كوجبة عشاء وبعدها يتحتم علينا الخلود إلى النوم.. بالطبع حسب توقيت غرينتش!
ـ عندما كان يراني صاحب المنزل أستحم تقريبا كل يوم، كان هذا الأمر مبعثا للاستغراب لديه هو وزوجته حتى بدأت أشك ان الانجليز ربما لا يحبون النظافة!
ومع ذلك كان مجال التعارف بيننا يكاد يكون ضيقا لأنهما كما قلت قليلا الكلام جدا، فكنت أحاول أن «انكشهما» أحيانا لأمارس شيئا من اللغة الانجليزية التي كانت سبب مجيئي، فقد ذهبت لأتعلم وأمارس التحدث بها ولكني وجدت هدوءا لا يطاق.
فضلت تغيير العائلة، وبالفعل طلبت الانتقال إلى عائلة أخرى، حيث تعرفت على أصدقاء جدد من مختلف الجنسيات، فكان معنا الأسباني والياباني والإيطالي والهولندي وغيرهم وكنا نتبادل الأحاديث بالانجليزية طبعا ومع أفراد العائلة التي سكنها عندها. وكنا نزور المتاحف، وقد أسست تلك الرحلة حبي للمتاحف.
ـ عديدة هي الأمكنة التي حفرت في الذاكرة وولعي بالتاريخ وحبي للتعرف على الحضارات القديمة قاداني بالطبع إلى زيارة المتاحف، وهي عادة اكتسبتها وفي الحقيقة أحببتها منذ الرحلة الأولى إلى جرنيتش حيث كانت الزيارة الأولى لي لمتحف خارج الإمارات، لذلك طبعت في الذاكرة المواقع التاريخية، من قلاع وقصور تاريخية وحصون وكما أنني زرت المتحف البريطاني، وبرج لندن.
ووقفت أتأمل قدرة الإنسان القديم على البناء والتشييد وأقارن بين تلك الحضارات التي خلفت هذه الآثار التي تدل عليها،وبين ما يمكن ان يبدعه الإنسان فيما لو استخدم عقله بالطريقة الصحيحة.
وبالطبع حضارتنا العربية الإسلامية كانت حضارة إنسانية رائدة، آثارها ما زالت شاهدة على عظمة فكرها ومفكريها، وآثارهم موجودة خاصة في اسبانيا والبرتغال وتركيا والعديد من بقاع الأرض التي طرزتها شواهد عظمة تلك الحضارة الأصيلة.
بعد رحلة بريطانيا اتجهت إلى فرنسا، إلى باريس عاصمة الثقافة والنور كما نسمع ونقرأ عنها وهي بالفعل كذلك. فرنسا الثقافة والفرح ويكفي الهارموني الذي تتمتع به اللغة الفرنسية فعندما تسمعهم يتكلمون تشعر كأنهم يعزفون سيمفونيات، شعب وجدته منفتحاً، يحب التحاور والتعرف على الآخر بالفعل أحسست بالفرق الكبير بين العيش في بريطانيا وميزة العيش في فرنسا.
فالدول هي شعوب أساساً، وطريقة عيش وتعامل مع الآخر، خاصة الزائر أو السائح.. طعم الحياة في باريس كان مختلفاً، على الأقل تخلصت من تأثيرات «البرود» الذي وجدته عند بعض الانجليز.
حياة الشعب نفسه، أقصد الفرنسي، فيها فن، فيها ثراء، وعدوى العيش بغنى فني وأدبي لابد أن تنتقل إلى الزائر خاصة إذا كان مهتماً بالثقافات والحضارات.
لذلك فباريس لن تنساها الذاكرة، كانت محطة مهمة أضافت لي الشيء الكثير..
ـ عززت لدي شخصياً مبدأ الانفتاح على الآخر والتعرف عن قرب على عادات وثقافات الشعوب دون حساسيات، وهذا المبدأ الإنساني في الحقيقة يتجلى بوضوح لدينا هنا في دولة الإمارات، لذلك أحسست بارتياح وتواؤم مع أجواء باريس والفرنسيين بصورة عامة.
ـ دنفر، مدينة في ولاية كولورادو، زرتها في المرحلة الجامعية، درست اللغة في واشنطن دي سي العاصمة، وحبي للتجوال كان يجعلني أتنقل في مختلف الولايات، بالطبع كنا نخرج مجموعات أصدقاء..
وتعلمت كيف أسافر ولمسافات شاسعة من خلال الخرائط. أكثر ما يميزها الطبيعة الخلابة، وأنا أحب الطبيعة، خاصة الجبال المغطاة بالثلوج شتاءً وصيفاً، الأنهار، الينابيع الصافية، المساحات الخضراء المريحة للنفس والنظر. لذلك كنا ننتهز فرص الإجازات ونخرج في رحلات إلى ضواحي دنفر الجميلة.
ـ أهالي دنفر ودودون جداً، ومتعاونون مع الغريب.
ـ بالتأكيد لابد أن يشعر الزائر بالفرق، أوروبا أو العالم القديم يختلف من حيث الأجواء وطبيعة علاقات البشر ومدى الانفتاح الفكري الذي يتمتعون به. في الولايات المتحدة أحسست ان الأمور أسهل بكثير عن أوروبا، انفتاح أكثر وسهولة في التعامل.
ووجدتهم يأخذون الأمور ببساطة دون تعقيدات، شعب يعيش في أجواء حرية وانفتاح وبساطة في التعامل مع الآخر، لذلك ترى ان اي إنسان قادم من الخارج يستطيع أن يثبت نفسه وذلك من خلال موهبته وكفاءته وجده واجتهاده في مثل هذا المجتمع.
