مثقفة محبة للفنون، وعلى خلفية قراءاتها المتعمقة بسطت جناحيها كنورس يحلق في مدارات الجمال بحثاً عن مدن لم تكتشفها بعد، ترافقها حقيبة محملة بالصور والذكريات وأختام المطارات.
وأمنيات بانعتاق الروح في رحاب الأمكنة المشتهاة، شلالات نياجراو سحرها الخلاب، فلورنسا مدينة مايكل أنجلو وأكاديمية الفنون فيها، بافاريا وقصورها الارستقراطية القديمة، الشموخ في جنوب لبنان بعد التحرير، طوكيو وأناسها الطيبون، القاهرة القديمة وتونس الخضراء، مدن وشوارع ووجوه نقلب صفحاتها في البومات عاشقة السفر والترحال مديرة تحرير مجلة الرجل إيمان محمد.
روح المغامرة وحب الاكتشاف صفتان ملازمتان لإيمان منذ الصغر، هاتان الصفتان توافقتا مع اختياراتها الدراسية والمهنية وعشقها للفنون لتتبلور بالقراءات الأدبية والمعرفية ، شخصية محبة للجمال بكل أشكاله وألوانه، سحرتها مدن الدولة فذهبت مع الأسرة في رحلات اكتشاف سياحية داخلية، كانت صغيرة غير واعية بمفهوم السياحة، لكنها كانت دقيقة في مشاهداتها وحريصة على الاستمتاع بالمناظر الطبيعية والتقاط الصور.
ومع أول رحلة عمل خارجية إلى دولة قطر تفتحت عيناها، وانفتحت أمامها نوافذ كثيرة تطل على مدن وبلدان طالما سمعت عنها، كم هو ممتع أن تحزم أمتعتك باتجاه الصور التي أدهشتك في المجلات. وأن تشرع ذاكرتك صوب معلومة قرأتها في كتاب، هكذا تفكر إيمان قبل أن تختار محطتها التالية، لكل رحلة أهدافها ودوافعها الثقافية والمعرفية ولا يوجد شيء مجاني في قاموسها، فزيارة المتاحف والذهاب إلى المسرح بندان يصعب حذفهما من برنامجها السياحي لأية مدينة تذهب إليها.
إيطاليا كانت المحطة الأوروبية الأولى التي ذهبت إليها إيمان، وهي من وجهة نظرها محطة رئيسية للسياحة لما تضمه من آثار ومبان تاريخية، كذلك اشتهارها بالفنون.وتعتبر زيارتها لمدينة فلورنسا بمثابة الاكتشاف الجميل لهذه المدينة، غير أن إيطاليا تحتاج إلى زيارات عدة أخرى لرؤية مدنها الجميلة، وتتحسر إيمان على عدم تمكنها من زيارة مدينة فينيسيا غير أنها تضع هذه المدينة في مقدمة المدن التي ستزورها.
المطعم الإيطالي
وتعلق إيمان على زيارتها لإيطاليا والعاصمة روما على وجه الخصوص بأنها قريبة الشبه بالمدن العربية من حيث الهندسة المعمارية القديمة، إضافة إلى أن المطبخ الإيطالي يضم وجبات ومأكولات قريبة جداً مما يوجد في مطبخنا العربي، ويهتم الشعب الإيطالي بتقديم واجهة مشرقة في وجه زائريه باعتماده ترتيبات سياحية في غاية الجودة.
وهو شعب متعاون لأبعد حد لكنه لا يتنازل عن حق المواطنة الذي يتمتع به، وتذكر أنها كانت تنتظر أن تتوقف سيارة اجرة لتقلها إلى وجهتها، وحين همت بالصعود اكتشفت أن أحدهم طلب السيارة بالتلفون وينتظره بالقرب منها، ثم نصحوها بالتوجه إلى الموقف المخصص لانتظار سيارات الأجرة.
إيقاع نيويورك الاستهلاكي
لمدينة الأعمال ـ نيويورك ـ وجه آخر لمدينة جميلة من حيث الشكل والنظام، لكن يغلب عليها طابع السرعة في كل شيء، مجتمعها استهلاكي من الطراز الأول، وخرجت إيمان بانطباع عن الأميركيين بأنهم يهتمون كثيراً بالاحتفال بالمناسبات، ولديهم لمسات رقيقة في اختيار الهدايا بعناية فائقة.
ويكفي أن تقول للبائع نوع المناسبة حتى تجده قد جاء إليك بالهدية التي تريدها وكأنه يقرأ أفكارك، لكن يبقى الجانب الاستهلاكي هو المسيطر على المجتمع الأميركي.
ولذلك تجد التنزيلات على السلع أمراً مألوفاً وبطريقة مبتكرة للغاية، فبعض المحلات يقدم خصماً على الخصم، بمعنى أن تكون هناك تنزيلات موسمية ثم تجد أن أحد المحلات يقدم تنزيلات أخرى ولكن لساعات معينة من اليوم، وحينها لا تجد موطئ قدم في هذا المحل.
مدينة نيويورك كانت محطة مهمة لإيمان حيث سنحت لها الفرصة للالتقاء بأمين عام الأمم المتحدة كوفي عنان، كذلك الالتقاء بشخصيات سياسية عربية وأجنبية تعمل في الأمم المتحدة، وانتهزت هذه الفرصة لالتقاط الصور مع بعضهم، لكن زيارتها لشلالات نياجرا كانت الاكتشاف المبهر الذي أدهشها، فالمنظر على الطبيعة يختلف تماماً عما نراه في الصور، ومن هنا كانت رغبة إيمان القوية في معرفة ما لم تقله الصور في المجلات.
بساطة اليابانيين
انبهرت إيمان محمد بالتقنية اليابانية، خصوصاً وأن اليابان تعرضت لهزتين نوويتين اصابتا مدينتي هيروشيما وناجازاكي، حزمت إيمان أمتعتها باتجاه شعب توسمت فيه العبقرية، فوجدته شعباً طيباً يعرف كيف يستقبل ضيوفه ويحتفي بهم.
ووجدت من بينه البسيط والفقير فصدمها هذا الاكتشاف، لكن الأمر الذي أحزنها كثيراً هو وضع المرأة اليابانية التي مازالت تناضل لانتزاع حقوقها السياسية ووضعها اللائق في مجتمع شهد له العالم بالكفاءة والتميز، كذلك مأخذها على قانون يقنن عدد الأطفال في الأسرة الواحدة.
ومن اليابان إلى لبنان وبالتحديد جنوبه بعد التحرير، ذهبت إيمان إلى هناك تغمرها الأحاسيس الوطنية والقومية غير عابئة بالمخاطر، خصوصاً وهي تصر على الوقوف والتقاط صورة في قلعة تمثل آخر معقل انسحب منه المحتل قبل فترة وجيزة، لا بأس من أن تزكم أنفك رائحة البارود أو أن تضايقك بقايا الآليات العسكرية، المهم أنك في المكان والزمان الذي اخترت.
هكذا تكشف إيمان عن جانب قومي في شخصيتها ليبقى حلمها بزيارة القدس ورام الله حتى وإن تلوث جواز سفرها بأختام غير مرغوب فيها وأن تذهب لزيارة مدينة تحبها وشعب عربي تعتز بنضاله، ولا تذهب لزيارة ومصافحة المحتل ـ تلك هي فلسفتها وقراءتها للواقع.
تحف القاهرة ودمشق وتونس
في دمشق استمتعت بأجوائها وطبيعتها الجذابة، وفي القاهرة تجولت بين أحيائها الشعبية، وفي تونس قضت أياماً جميلة وأعجبها الزي التونسي فاقتنت ما يناسبها، بلدان كثيرة ومدن أكثر زارتها إيمان محمد.
وتحرص على اقتناء شيء مما تشتهر به كل مدينة سواء إكسسوارات أو ملابس أو تحف، غير أن الذكريات هي الشيء الأهم الذي توثقه بالصورة والكلمة، محايدة في رؤيتها وسردها لواقع المدن والبشر، وتتمسك بالانطباع الأول الذي يترسخ في أول زيارة ـ المدن مثل البشر.
وعندما تأخذ انطباعاً معيناً عن شخص تراه لأول مرة، يصعب عليك أن تراه بمنظور آخر وإن طال الزمن، هكذا المدن أيضاً منها ما ينقبض حيالها قلبك، ومنها من تريد زيارته ألف مرة ـ حاولنا أن نعرف المدن التي لا ترغب إيمان في زيارتها مرة أخرى، لكنها رفضت الحديث عنها باستفاضة وعدم ذكرها أيضاً.
بلدان لم تزرها إيمان وتخطط لزيارتها في القريب العاجل، ترى أي المدن تشغل بالها الآن؟ لم تفكر كثيراً وهي تضع دول أميركا اللاتينية في المقدمة، إضافة إلى مدينة فينيسيا الإيطالية، ومن خلال قراءاتها لأعمال أدبية لكتاب من أميركا اللاتينية، ومشاهدتها لبرامج وثائقية عنها، تزداد رغبتها في زيارة هذه الدول، كذلك إسبانيا ومدنها الجميلة، إضافة إلى فرنسا وموسكو.
عز الدين الأسواني


