حين تتناهى إلى أسماعنا كلمة «سوق» أو عندما نتلفظ بها يتبادر إلى الذهن كل ما لذ وطاب من مأكل وملبس .. ولا ينشغل البال بشكل السوق وسيرته قدر انشغاله بالمحتويات التي تلبي الاحتياجات الرئيسية للأفراد والأسر.
ومن الممكن أن نتعرف على أسواق أو نسمع عنها وقد تخصصت في بيع السلع ذات القيمة التاريخية، وكذلك التي تصطبغ بضائعها بلمسة ذات إحساس بعراقة الماضي.
لكن ما وجدناه في هذا السوق كان بمثابة بوتقة انصهرت فيها أصالة المكان مع أشياء تفوح برائحة مختلف الثقافات المادية التي هبت على شراع الدولة.
لم ينبهني إلى هذا المكان بغزارة عناصره العتيقة سوى الشاعر البحريني الكبير قاسم حداد عندما كان في ضيافة الدولة إثر حصوله على إحدى الجوائز الأدبية الرفيعة. وكانت المرة الأولى التي يشاهد كلانا هذا المكان.
ولا أزال أذكر ملامحه المتهللة وعينيه اللتين كانتا تلمعان بالدهشة وكأنه يبحث عن قصيدة ما يجدها فيما يحويه هذا السوق من عناصر جذب لروح الشعراء وعاشقي التاريخ.
كانت تلك الذكريات عبارة عن نتفة غيم آن لها أن تنقشع بحثاً عن مقاربة جمالية وتاريخية لهذا السوق المسمى «سوق العرصة».
ولعل ما يسم هذا السوق هو أن عمليات الترميم لم تنل في كثيرها وقليلها من هويته الحقيقية بوصفه جامعاً مهماً لكل ما كان يمور في هذه المنطقة.
فلا يزال دافئا بإطلالته على الحاضر من خلال بواباته الخشبية الأربع التي تم تزويدها بأبواب زجاجية إضافية كي يتمكن الزوار والعابرون من التعرف على فحوى المكان.
الدالف إلى سوق العرصة سيكتشف أن الجانب الأكبر منه يحوي صدى التاريخ ونداءه بالمعنى الكامل للكلمة متمثلاً في التحف البحرية والأنتيكات الفضية والنحاسية والجلدية والخزفية والعاجية والأشكال الغريبة للمسابح والأوعية المنزلية القديمة.
فحين تطالع مثلاً ما تضمه محلات المقتنيات البحرية تشعر كأنك أمام وليمة دسمة من خيرات الخليج لا ينقصها سوى حركات النبض، وتلحظ أيضاً مدى المرح الذي ينتاب الزبائن الأوروبيين وهم يحملقون في هذه النماذج البحرية المدهشة.
وحين أفقت من هذا الثراء البحري كان ضروريا أن أعرف معنى «العرصة»، فبحثنا عن أحد المسنين لكي يدلنا على معناها، وعندما وجدناه قال: إن العرصة هي الساحة الكبيرة أو الأرض الفسيحة التي تقع بالقرب من الساحل ويحدها مجموعة من البيوت، ونظراً لدنوها من مرفأ السفن والقوارب في زمن الغوص فقد كانت مجمعاً لتجارة الجملة يبيع فيها التجار كافة أنواع البضائع، لذلك كان السوق أحد أهم مصادر الرزق لأهل الشارقة.
دخلنا أيضاً إلى دكان لبيع الفضيات والنحاسيات والمسابح بأشكالها وأحجامها المختلفة والغريبة، ولكثرة البضاعة الموجودة فقد تكدست فوق بعضها بعضاً، ومنها ما وضع على الحيطان المصنوعة من الحجر البحري، ومنها ما تدلى من السقوف الخشبية..
وعندما تعرفنا على كل ما هو هندي وأفريقي وخليجي وإسلامي تأكدنا أن كل من وطأت مراكبه مياه الخليج خلّف أمارة وإشارة له في هذا المكان الصغير والكبير في معناه.
وخلال تجوالنا برز لنا المقهى الشعبي، الذي كان يستعد لإغلاق أبوابه وقت صلاة المغرب، وعندما فتح أبوابه مرة أخرى تفحصناه فوجدناه لا يزال يحتفظ بعناصر المقهى القديم يوم كانت القبائل العربية تفد إليه إثر رحلاتها البحرية لتبادل المعلومات والأحاديث الخاصة والمواقف التي تتعرض لها رحلات الرزق ويوم كان أيضاً مكاناً لإتمام الاتفاقات بين النواخذة والبحارة بشأن رحلات الغوص لجمع اللؤلؤ.
الملفت للنظر أنه رغم أن معظم مرتادي المقهى من الأجانب، إلا أنهم كانوا يقبلون بروح حضارية على المأكولات الشعبية التي تخصص المقهى فيها، إضافة إلى شرب الشاي والقهوة العربية.
انطوانيت آرثر زائرة أجنبية كانت تجلس في أحد الأركان تشرب القهوة العربية في استرخاء تام رغم الرطوبة الخانقة، حين سألناها عن شعورها تجاه المكان ردت بسرعة: نحن نحب الماضي ونحترم الشعوب التي لا تفرط فيه، والمكان يشعرني بالبهجة ولدي صور عديدة عن أماكن مشابهة في دول عربية مختلفة.
عندما وصلنا إلى البوابة رقم (1) وجدنا محلاً لبيع شرائط الكاسيت والسي دي فضلاً عن مجموعة رائعة من الكتب العربية والأجنبية. ولأن المكان لا يعرف البهرجة والتهريج و«الفخفخة» الحديثة.
فقد كان طبيعياً أن يزخر هذا الركن بكل ما هو رصين وموحٍ وقيّم، فامتلأ المكان بأصوات المقرئين التي تصدح بجوامع الكلم الطيب وآيات الذكر الحكيم، فضلاً عن أن المطّلع على عناوين الكتب المرصوصة بشكل بسيط وأنيق سيلحظ مدى الاهتمام بتاريخ العرب والمسلمين في العبادات والمعاملات.
ولم يزود المحل بالكتب الأجنبية سوى لإعطاء الفرصة الكاملة للأجانب كي يعلموا أن ما يلمسونه من دلائل مادية على حرفية الأشياء لدينا ينطلق دوماً من تاريخ يعبق بأخلاقيات دينية وعرفية تعد بمثابة دلائل عقلية وإيمانية تشهد لأهالي هذه المنطقة.
توقفنا عن التجول عند هذا الباب، لكننا لم نتوقف عن المسير، وأقول المسير لأننا لا نمشي في مكان محدد ومحدود، بل ثمة أميال طويلة لا نزال نشتاقها في ذاكرة التاريخ المليء بمنجزات شعوب وقبائل تفترشها مساحة ترفض بإباء تمزيق أرشيف الأسلاف.
مجدي ابوزيد
