مفاهيم عابرة للقارات ،وطاردة للأرواح الشريرة التي تصل البصر بالبصيرة والكائن بالكينونة، وبوصلة لا تعرف على أي تجاه تضبطها، في مواجهتك اليومية مع إعلانات الصوت والصورة، ولوحات الشارع التي تصفعك أينما أشحت نظرك.

الإعلانات التي حوّلت السلعة إلى قيمة، والإنسان إلى فضل لتلك القيمة، وصيغ جديدة لعالم ما بعد الإنسان، أو عالم الإنسان الجديد، بمعنى قطع الصلة بالموروث وبتر الهوية، والافتراق عن الرائحة والنكهة والملمس، كي تحقق الرقم القياسي في التحول إلى مستهلك من طراز أول، وطرف في معادلة خاسرة، وأنت تراقب بدهشة أجيال الموبايل المتعاقبة.

«هاتفك هويتك» إعلان يتصدر طريق الشارقة دبي، يمثل آخر صرعة من صرعات احدى شركات الموبايل، يخترق عينيك كمخرز. تنكمش خلف المقود، تحاول أن تضغط على دواسة البنزين بأقصى ما لديك، فيمنعك الزحام. تلتفت يميناً.

إعلان آخر يطلب منك أن تستبدل بيتك القديم ببيت العمر، فتُحار أين تمضي بهذا العمر في ظل المفاهيم التي تنسف رأسك وتستبدل دمك بالمشروبات الغازية والمياه الغازية.

مناخ عام يطلب منك أن تستبدل قديمك بجديد لا هوية له، انتصاراً للهوية الجديدة والنمط الجديد، وامتثالاً لقانون العرض والطلب والمفاضلة بين المشتري الصالح والمكتفي الطالح.

وبين ثقافة الاستهلاك والوجبات السريعة ورائحة الماكدونالد متعدد النكهات، يضيق الخناق علينا، كي نتحول إلى شريحة الكترونية سريعة التلف، تنبض أمام الفاترينات الأنيقة، وتتهلل بمفروشات إيكيا وأحذية آلدو، وبزّات البيير كاردان المقلّدة.

ماركات عالمية لمظهر أجمل، مقاهي ستارباك وهافانا، لصورة أجمل، ومهن جديدة لمستقبل أجمل.

هكذا تدور الدائرة، ويتكرّس قاموس الإعلانات الماكر، القاموس الذي يجعل من الأسود أبيض، ومن السلع الفائضة عن الحاجة ضرورة كبرى ويصبح للماركة المصنّعة قيمة أصيلة.

وهكذا ينتفي الإنسان داخل نفسه، وهو يحاول الانسحاب من بوابات السوبرماركت الكبير الذي يحيط به من كل الاتجاهات، وتبدأ الذاكرة باختزان عبارات الغواية وجرّ القدم، التي تجود بها مخيلة «الكوبي رايتر»، والتي ينظمها بعد أن يعدّل ربطة عنقه، ويمزج السلع الرخيصة بفصاحته.

وهنا لا يمكن الإفلات من القبضة المحكمة لكورس السوق وموسيقاه الضاجة التي ابتلعت حاسة السمع، وأوصدت منافذ الرؤيا، لكنه المؤشر الذي ينبغي أن نخالفه الاتجاه، والقطيع الذي ينبغي أن ننفرد عنه.

إنه الرهان على الذاكرة التي تعمِّق أحاسيسنا بالحياة، وتنأى بنا عن الطارئ والزائف، قبل أن يتملكنا ما ندّعي ملكيته، ويختزلنا ما ندّعي حيازته.

الرهان على القيمة المتأصلة في احتياجنا الأساسي لخفقة القلب ورعشة الروح واحترام العقل والمخيلة التي تنامت لتعمِّق قيمة الإنسان، لا لتبتسره إلى ماركة مصنّعة أو سلعة يروّج لها رأس المال بمهارة عالية، وأناقة أصبح فيها الإقبال على الاستهلاك امتيازا للكائن العصري، وقيمة له، أو هوية له كما يدّعي إعلان الموبايل الموقر.

بهذا السياق، تنتظم جملة من المفاهيم السائدة، التي لم تعد تحفل بالجوهري والأصيل في مجتمعاتنا الإنسانية، ولهذا نتذكر عبارة أرسطو حين مرّ بسوق محتشد بالسلع وقال: «ما أكثر الأشياء التي لا أريدها».

اسماعيل الرفاعي