كنت أعتقد أن الحديث مع الدكتور خليفة بخيت الفلاسي عن مرحلة الطفولة والشباب سوف يقودنا إلى استجلاء الجانب الآخر من شخصية عامة من حيث ملامح الشقاوة والمراهقة وانفتاحها على ملذات الحياة والاغتراف منها..

لكن ما وجدنا في كلام الرجل يشبه نهراً من الهموم المبكرة، لم تطف عليه قشة أو حصاة تنال من هويته، أو شواغل محكومة بقوانين عمرية تؤجل إحساسه المتواصل بحب الوطن الذي تغذى على عطائه العروبي.

ولم نحظ في هذا السياق الا بنتف من ممارسات شبابية وجدت بالكاد مكانها بين هواجس انسان تربى قلبه وعقله على الآمال والانكسارات السياسية.

كان البيت، الذي نشأ فيه بخيت، حاضراً بقوة في رفده بالوعي الوطني، حيث كانت الأجواء المحيطة به مهيأة لرعاية هذا الحس المتقد بالهم الوطني والعروبي.. فهو يقول وعيناه تلمعان ببريق الأرض التي أمدته بطاقة وطنية لا تنضب :

لم يكن جيلي محظوظا، لكنه كان مشحونا بالمشروع الوطني الذي بدأ يتشكل أمام أعيننا منذ فترة السبعينات، والتف الناس حوله بعد ان بدأ يورق بثماره.. لقد كنا أقلية سكانية، وبعيدين جغرافيا عن قلب الأمة، وهي أمور أخذت في الانحسار مع انبلاج التحرر وتكوين دولة ذات مفهوم وحدودي، هذا المفهوم الذي صمد رغم الانكسار الذي فت في عضد التجارب الوحدوية الأخرى.

وإذا كان الزعيم الراحل جمال عبدالناصر يمثل حلم المد القومي، فإن الراحلين الشيخ زايد والشيخ راشد كانا يمثلان البعد الوطني الذي سعيا من خلاله إلى الاتحاد الثنائي بين أبوظبي ودبي، ثم استقر على الاتحاد السباعي لباقي الإمارات.. هذه الأسماء كانت بمثابة وقود أنار دهاليز الحلم في عقل خليفة بخيت.

لم يحدثنا بخيت عن مرابع الصبا والشباب، ربما لأنه لا يتذكر أن اخذته فترة المراهقة بعيداً عن وعيه المتفتق عن ارتباطه بقضايا وطنه وأمته العربية. فالعوامل التي كونت شخصيته أحاطت به منذ البدايات لدرجة جعلته ينسى رغباته الشخصية،.

فقد كانت البيئة عاملا مشجعا على انخراطه في هموم بلده، فضلا عن إذاعة صوت العرب ومجلة العربي، وخطابات جمال عبدالناصر التي جيشت مشاعره الوطنية وجعلته يستنشق الحلم العربي بكل حواسه..

وكانت مشاعره تجاه الوجود الانجليزي في بلاده مليئة بالمرارة من فجاجة هذا الاحتلال الذي لم يضع «طابوقة» في جوار مدرسة أو شق طريقا أو قدم خدمات من أي نوع، هذه المشاعر كرست وعيه بقضايا وطنه.

ولقد كان للوجود العربي التأثير الأكبر على أفراح بخيت الوطنية، التي لاتزال تلعب دوراً مميزاً في ذاكرته منها دور دولة الكويت التي قدمت خدمات شتى لدولة الإمارات في مجالات الصحة والتعليم وباقي الخدمات، أيضا البعثات الدراسية العربية حيث كان المدرسون يتعاطون مع الطلبة من منظور التبني وحراسة مواهبهم، حتى ان حبه للكشافة ترجم عمليا على أيدي هؤلاء المدرسين الذين لم يكتفوا فقط بالتدريس.

لقد تنوعت المكونات العقلية للدكتور خليفة بخيت حيث بنى ثقافته على قراءة الكتابات العروبية، والأدبيات التي تصدرها الهيئة العامة للكتاب ووزارة الارشاد القومي في مصر، فضلا عن نقابات اليسار مثل تولستوي.

وانحاز بخيت للكتابات الشرقية، ليس بمعناها الجغرافي فقط، بل أيضا بمدى بعدها عن المحتوى الغربي الذي كان يجسد في مخيلته تجليات الاستعمار والامبريالية. أما على المستوى الخليجي فقد اطلع على أدبيات المقاومة مثل حركة تحرير ظفار وحركة تحرير البحرين بوقوفها ضد الوجود الإيراني وأطماعه حينذاك في منطقة الخليج، إضافة إلى الحضور القوي لاتحادات طلاب الخليج العربي.

أما الشأن الوطني لدى بخيت فقد تجلى مبكراً حتى أنه ساهم في ست مظاهرات بسبب الشأن الإماراتي منها مظاهرة في شهر مارس عام 1979 حين كان ضمن 30 ألف متظاهر أمام قصر مشرف يطالبون بدمج مذكرتي مجلس الوزراء والمجلس الوطني بغرض توحيد كل المؤسسات تحت مسمى الاتحادي وإلغاء كل ما هو معنون بـ «المحلي» .

ويذكر بخيت ان القيادة السياسية كانت سعيدة بهذه المشاعر حتى ان المغفور له الشيخ زايد تأثر كثيراً بأحد الأبيات الشعرية التي ألقاها الدكتور خليفة الذي يقول فيه:

إن الطريق إلى العلياء مظلمة

ولن نضل وفي أيديكم الشعل

لقد كان المغفور له الشيخ زايد خير مجسد للحلم العروبي الذي لم يفارق منام ويقظة بخيت، حتى إنه رفض فكرة رسوم على الطلاب العرب، هذا الموقف جعله يرى زايد «نبراساً» لمن أراد أن يثبت أنه عربي الهوى والهوية.

التعليم والسياسة

وعن فترة توليه منصب وكيل وزارة التربية والتعليم يقول بخيت انه يؤمن ان أحلام أي أمة يمكن تحقيقها من خلال برامج التعليم، لأنه الاستراتيجية الأكثر أهمية وتجسيداً لهوية الأوطان، فضلاً عن أنه لغة المستقبل الوحيدة. فالتعليم ليس مجرد طاولة وفصل وسبورة، انه بناء وطني يستمد فاعليته من تكاتف الإرادة السياسية والشعبية.

أما في السلك الدبلوماسي الذي تولى فيه منصب سفير الإمارات في استراليا ست سنوات، أراد خليفة بخيت ألا يكتفي بدور المنفذ لسياسة بلده، بل رسم مسيرته في هذا المجال بأحلام شخصيته ذات صبغة وطنية.

حيث اهتم بالجانب السياحي والتجاري والاستثماري، إضافة إلى المجال التعليمي والمعرفي انطلاقاً من إيمانه بوجوب الالتفات إلى مناطق غير غربية، فساهم في إضاءة الجوانب الثقافية في استراليا وما يكتنفها من زخم معرفي لا يعلمه كثيرون.

«رؤيتي»

ويعرج بخيت على كتاب «رؤيتي» لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد حيث وجد فيه ما يترجم وجعه وآلامه تجاه الأمة، لأنه كشف آفة الأمة يكمن في تجاهل الأنظمة العربية للإنسان العربي وطموحه وأحلامه، فهو يدير الأمور بطريقة معزولة تماماً عن الشعور بالآخرين. فإسرائيل، كما يقول، لم تهزمنا ولن تهزمنا، لأن انكسارنا الحقيقي سببه خلق واقع مهين لكرامة الناس وآدميتهم.

ويبدي إعجابه في هذا السياق بموقف رئيس وزراء استراليا الذي تعرض لمخالفة رادار خلال قيادته لسيارته، الأمر الذي جعله يقدم اعتذاره للشعب الاسترالي عبر التلفزيون.

الانشغال الدائم لخليفة بخيت بالشأن العام حرمه من الاهتمام بهواياته الخاصة مثل ركوب الدراجات والرحلات الكشفية، فضلاً عن ولعه برياضة تنس الطاولة التي أحرز فيها بعض البطولات، لكنه توقف عن ممارستها لمجرد تعرضه للهزيمة ذات مرة.

ويختم بخيت حديثه بانحيازه المطلق للمرأة، وانه يمج كثرة الحديث عنها وكأنها كائن مختلف. مضيفاً ان أكثر الكفاءات التي عايشها خلال توليه وكالة وزارة التربية والتعليم كانت من النساء.

وينتهي الحوار مع الرجل الذي بدت طفولته وشبابه أبعد ما يكونان عن الملامح المألوفة لمرابع الصبا.

عز الدين الأسواني