ضاحي براق من مواليد البحرين، تجاوز الستين من العمر، يعمل في مهنته منذ أكثر من 50 عاماً، ومازال ينتقل بين المنامة ودبي والشارقة حتى اليوم، ويقدم خبرته الطويلة في صناعة الديين والغزل وجمعها غزول وجاءت التسمية لأن الشباك تغزل محلياً بأنواع وأشكال مختلفة ولكل نوع اسم خاص به، مثل السالية، الياروف، المنصب والكوفة.
يقول براق: إن ممارسة الحرف القديمة تركزت في المناطق الساحلية، حيث يعيش بحرينيون على أراضٍ توارثوها عن أجدادهم، وكثير منهم ينتمون ـ في العادة ـ إلى عائلة واحدة تتناقل الحرفة عبر، إلا أن أغلب الشواب الذين كانوا يعملون في هذا المجال تركوا الحرف القديمة إما لرحيلهم عن الحياة.
أو لكبر سنهم، وأنا واحد من عدد قليل جداً مازال يمتهن صناعة الديين إما للعرض وتوضيح طريقة صنعها للشباب، وهذا ما أقوم به في المهرجانات الشعبية، وإما لطلب خاص يتقدم به أحد الأشخاص أو جهة ما رغبة في صنع نوع معين من السالية أو الديين.
غزل اليد أجود
نتعرف من ضاحي براق أسرار المهنة والدور الذي يقوم به، خاصة بعد أن رفض تعليم ابنه الحرفة، معيداً بذلك تجربته مع أبيه الذي منعه أيضاً أن يتعلم الحرفة خوفاً أن يتركه. وقبل أن نبدأ في جولة الإبحار معه يقول براق:
نسج الديين من الحرف القديمة التي ارتبطت بالغوص وصيد الأسماك، ونظراً لاندثار مهنة الغوص على اللؤلؤ، وتوفر الشباك التجارية، فلم تعد هناك حاجة لهذه الحرفة، رغم أنه من الواجب المحافظة عليها من الاندثار.
ولذلك تجدني كثيرا ما أحل على المهرجانات الشعبية والتراثية التي تقوم في مختلف المناطق الخليجية كالشارقة ودبي، ودوري يكمن في تعريف الشباب والزوار بمهنة الآباء والأجداد.
وهذا لا يعني أنني لا أمارسها بتاتاً. بل أرجع لها حين يطلب أحد الصيادين مني أن أغزل له نوعاً معيناً من السالية التي لا يجيد غزلها الكثيرون الآن، وكلمة غزل نستعملها كثيراً لأن الشباك تغزل يدوياً وهذا الغزل يجعلها قوية وأجود من المصنعة تجارياً، التي تخرب وتتمزق بسرعة.
وعن أهم أنواع الشباك التي يقوم بعملها يقول:
من أهم أنواع الشباك السالية، الياروف، المنصب، القرقور والكوفة، وكلها تستعمل في صيد الأسماك، ويختلف الحرفيون في عملها، فكل واحد أخذ منها نوعاً معيناً وتخصص فيه، أما اليوم فلم يبق منهم إلا القليل. وعملية التجهيز كانت تستغرق منا في صناعة السالية أكثر من 12 يوماً، وهي بمقاسات مختلفة منها 100 و120 و250 ياردة، بينما الديين يمكن في اليوم الواحد تجهيز ثلاثة منه.
ذكريات الغوص
وعن الغوص والأدوات التي تستعمل أثناء نزول الغواص قاع البحر يقول: ينزل الغواص من السفينة ويظل على سطح الماء واضعاً على أنفه «فطاما» وهو يشبه الملقاط ليمنع التنفس أو دخول الماء إلى الأنف، وعند خروج الغواص من الماء يرفع الفطام حتى يستطيع التنفس.
وعند نزول الغواص إلى القاع يربط في إحدى رجليه الحصاة وهي عبارة عن حجر أو رصاص يتراوح وزنه من 10 إلى 14 رطلاً لتسرع به في النزول إلى القاع، فإذا وصل نزعها من رجله فيسحبها السيب بوساطة الحبل المسمى (الزيبن).
ويصحب الغواص معه (الديين) وهو عبارة عن سلة مصنوعة من حبال (الكمبار) أو القطن وبها عقلة يضعها الغواص في عنقه ليجمع فيها المحار، ويكون الغواص مربوطاً من وسطه بحبل يسمى (الجداء) أو اليدا، والسيب يمسك به وعندما تصله إشارة الغواص .
وذلك بهز يده يسحبه السيب من الماء، ويقوم الغواص باقتلاع المحار بيدين يحميهما بالخبط وهو قفاز من جلد البقر ثم يضع المحار في الديين ويمشي على يديه في القاع تاركاً رجليه مرفوعتين لأعلى وإذا امتلأ الديين أو تضايق نفس الغواص هز الجداء برجله حتى يسحبه السيب، ولا تزيد فترة بقاء الغواص تحت الماء عن دقيقة أو دقيقتين.
ويطلق على كل مرة ينزل فيها الغواص إلى القاع (تبه) وتظل عملية الغوص إلى غروب الشمس. ويحدث كثيراً أن ينقطع نفس الغواص وهو في قاع البحر أو في المنتصف فيخرج وهو في غيبوبة تامة.
وفي كثير الأحيان تكون (الهيرات) مكان جلب اللؤلؤ عميقة وتكون المخاطرة كبيرة والمهمة شاقة خاصة وأنه لم تكن هناك أجهزة تنفس، أو وسائل نجاة سوى حبل ربما يغفل السيب عنه، ولكن بالرغم من ذلك كان الآباء يعشقون هذه المخاطر. وكان يشترط في الغواص أن يكون قوي البنية خبيراً بالقاع وما به من أخطار.
و«الغيص» لا يعمل إلا في الغوص فقط، ولا يشارك باقي البحارة في الأعمال الأخرى التي يقومون بها، وكان رجال الغوص يستعملون أدوات خاصة، مصنوعة بالكامل يدوياً ومحلياً، واشتهرت أسر معينة في صناعة تلك الأدوات.
ويضيف: وكما كانت قديماً مهنة الغوص على اللؤلؤ مصدر رزق لأهالي المنطقة، كنا أيضاً نعيش من وراء هذه المهنة، فيكثر الطلب على صناعة الديين وأدوات الغوص.
ومعروف أن أسماء كثيرة برزت في هذا المجال وانطلقت شهرتها في المناطق الخليجية، وأعرف منهم أحمد بن دلموك، وابنه محمد وخلف بن عبدالله العتيبة، ومن ملاك سفن الغوص كان خميس بن خلف بن خدية، وحميد بن خلف وسعيد بن عيد وآخرون في دبي والشارقة وعجمان وأم القيوين ورأس الخيمة. أما «النواخذة» فأذكر منهم ابن حمدان المنصوري، وأحمد بن جبر السويدي وبطي بن حميد وسعيد الختال وغيرهم.
تجربة تتكرر
يسترجع براق الكثير من أوراق الماضي، وخاصة تجربة رفض أبيه وإصراره على ألا يتعلم هذه الحرفة وهو ما كرره مع ابنه الوحيد، فيسرد لنا هذه الحكاية قائلا: والدي هو سعد بن جبر عايش الكثير من الأحداث أيام الغوص، وكان واحداً من الذين يقومون بتجهيز أدوات الغوص ومنها الديين، بل كان أحد الذين يعتمد عليهم في هذا المجال، وكنت متعلقاً به.
وأتمنى أن يعلمني الحرفة حتى أعتمد على نفسي، ولكنه كان يرفض ذلك بشدة، وعندما طلبت منه معرفة السبب، أوضح لي أنه يخاف إن تعلمت الحرفة أتركه وأنفصل عنه، لذلك علمت نفسي بنفسي، خاصة وأن والدي توفي، وكان علي أن أعتمد على نفسي، وتشاء الصدف أن تعيد التجربة نفسها، فيأتي ابني ليطلب مني الشيء نفسه فأرفض كيلا يبتعد عن دراسته.
وهذا لا يعني أنني أرفض أن يتعلم الشباب هذه المهن القديمة والتي اشتغل فيها آباؤنا وأجدادنا، ولكن عليهم أولاً أن يتعلموا في المدارس، وبعدها يمكنهم تعلم هذه الحرف وتقدير العناء الذي عاشه الأولون.
جميل محسن