حتى سنوات قليلة مضت كان «البرقع» من أساسيات زي المرأة في الإمارات لا يكاد يفارقها في حلها وترحالها، فكان يرافقها في المناسبات الاجتماعية أو حين تخرج إلى الأماكن العامة اذ كان يخفي جزءاً كبيراً من وجهها تماما، كما كانت تفعل المرأة العربية في مناطق أخرى حين ترتدي «النقاب» أو «الشادور».
ولكن مع تطور الحياة.. بدأ «البرقع» يختفي شيئاً فشيئاً، ولم نعد نلمح تلك القطعة القماشية على وجوه النسوة إلا في نطاق يضيق أو يتسع حسب طبيعة كل منطقة واكتفت كبار النسوة بارتدائه دون أن يجبرن بناتهن عليه ليتحول إلى زي تراثي إلى جانب مهن قديمة لا تزال تحافظ على نفس حضورها وأهميتها.
في أحد مراكز التسوق الكبرى، وفي ركن مخصص للتراث والمهن الشعبية نلتقي عائشة المجيني «أم عبدالله» المهتمة بالتراث، والتي تجيد صنع «البراقع» إلى جانب اتقانها مهنا أخرى كالخياطة وصناعة التلي وطهي الأطعمة الشعبية المتنوعة، وهي تجادل مجموعة من النسوة أردن شراء عدد من «البراقع»، نقف ونتابع الحوار الذي ينتهي برضا الطرفين عن السعر.
نقترب من «أم عبدالله» ونسألها إن كانت تجد كل يوم من يرغب في شراء ما تصنعه فتقول: الحمد لله.. لدي عدد لا بأس به من الزبائن اللواتي يواظبن على شراء «البرقع» وأغلبهن إما نسوة كبيرات في السن أو من مناطق عربية مجاورة كالسعودية والكويت.
في الوقت الذي يقتني فيه الزوار الأجانب «البرقع» كنوع من «التذكار» أو «الهدايا المميزة خاصة وأن ثمنه لا يتعدى 20 درهماً، رغم أن سعره وصل في وقت من الأوقات إلى أكثر من 40 درهماً.
أنواع وعن أنواع «البراقع» تذكر أم عبدالله نوعين: الأول «برقع الحجيات» أو النساء الكبيرات في السن ويتميز بفتحاته الصغيرة نسبياً وعيونه الضيقة، والثاني «برقع الفتيات» الذي يتسم بفتحاته الأوسع ويظهر العينين واضحتين.
نسأل أم عبدالله عن طريقة صنع البرقع فتقول: يحضر من نوع خاص من القماش يسمى (طبجة البراقع) يستورد من الهند ويميل لونه إلى القرمزي من الداخل، فيما يأخذ اللون الذهبي القريب إلى النحاسي المخضر من الخارج. ولكي أشاهد بعيني كيفية التفصيل تخرج «أم عبدالله» قطعة قماش صغيرة.
وتبدأ بقصها لتخيط مكان القطعة الخشبية التي تسمى «سيف البرقع» الفاصلة بين العينين، بعدها تفرغ مكان العين حسب نوع «البرقع» وعمر صاحبته، لتصل إلى خياطة حوافه بإبرة صغيرة حتى لا تنشل أطرافه وخيوطه، وتضع عود كبريت على زوايا «البرقع» لتثبيته وجعله أكثر تماسكاً.
وقبل أن تنتهي «أم عبدالله» من تقديم برقعها الجديد تلفت انتباهنا إلى أن قطعة القماش المستخدمة في صنع البرقع مبطنة من الداخل بعازل من مادة لاصقة تسمى (اللزقة) تمنع اصطباغ الوجه إذا ما لبس لساعات طويلة، في حين كان يستعاض عنها قديماً بقطعة قماش عادية توضع فوق مكان العين.
وهذه القطعة كانت تقصر عمر البرقع الذي لم يكن يتجاوز الخمسة أيام، بينما يمكن أن يستخدم البرقع اليوم لأكثر من أسبوعين دون أن يبلى ولكنه لطول بقائه قد يسبب مشاكل جلدية، ولذا ربما أحجمت الكثير من الفتيات عن ارتدائه على حد تعبير «أم عبدالله». وكيف يثبت البرقع على الوجه؟
تقول أم عبدالله: بوساطة «الشبك» وهو الحبل الذي يلصق بجانبي البرقع فيثبته على الوجه، وقد كان يصنع في الماضي من الفضة أو الذهب حسب الطلب، أما اليوم فيقتصر على «شبك الزري» باللون الأصفر والأسود للفتيات، والخيط العادي للنساء.
وتضيف: مع ان صناعة البرقع الواحد لا تستغرق الكثير من الوقت والجهد، إلا أنها تتطلب الخبرة والاتقان والذوق في قصه وتشكيله خاصة وأن لكل منطقة برقعها الخاص، فقد يكون في منطقة ما شكل «البرقع» منحنياً مع شكل العين واتساعها، في حين يقتصر في مناطق أخرى على شكل مستقيم متوازٍ مع الحواجب والرموش.
خبرة
متعة عائشة المجيني في صناعة البرقع لا توازيها سوى فرحتها وهي ترى اقبال النسوة على شرائه وعدم اقتصار الطلب عليه في مواسم المهرجانات والفعاليات التراثية إذ تقول:
لا يمر اسبوع دون ان تتصل بين صديقاتي أو النساء من معارفي، يطلبن مني «تفصيل» براقع لهن، فهن يرتحن كثيراً للبراقع التي أقوم بخياطتها، كذلك أصبح عندي صديقات جديدات من أنحاء متعددة من الإمارات والسعودية والكويت. وهل تعتمدين مقاسات معينة، فحجم الوجوه يختلف من سيدة لأخرى؟
خبرتي الطويلة في تفصيل البراقع أرشدتني إلى عمل مقاسين «لكل نوع، سواء برقع الفتيات أو «الحجيات» ويكفي أن تتصل بي أحدى الصديقات حتى اتذكر مقاس «برقعها» على الفور.
«أم عبدالله» لم تجبر ابنتها على تعلم مهنتها لقناعتها أن الجيل الجديد لا يبدي اهتمامآً كبيراً بالبرقع، لذلك فضلت تعليمها مزج وخلط الطيوب والعطور إذ تقول:
أيامنا تختلف كثيراً عن هذه الأيام.. ولا يمكنني إرغام «ابنتي» على ارتداء البرقع أو تعلم صناعته، لكنني في المقابل أعرف جيداً انه جزء من التقاليد والعادات الشعبية، ومن واجبي الحفاظ على هذه الصناعة اليدوية البسيطة التي لا تزال تتمتع بالحضور والأهمية.
أنس الأموي