فيصل محمد علي، من الشباب الاماراتي الطموح. رغم صغر سنه فهو حاصل على درجة الماجستير في مجال نظم المعلومات، له مع السفر حكايا، ومع الكاميرا صحبة.

وعشق لتخليد اللحظات اشتعل أكثر عندما فقد البصر عدة أشهر إثر تعرضه لحادث سيارة، زاد من تعلقه وشغفه برسم الصور بالكاميرا، وتخليد المواقف، والانفعالات الانسانية، والمناظر الطبيعية الخلابة التي صافحها بعينيه ـ قبل الحادث ـ في العديد من الدول التي زارها من خلال أسفاره زاده ليس الخيال فقط، بل البحث عن ثراء اللحظة.. هنا حوار معه بعد أن استرد بصَره..

* من أين أتت رغبة السفر لديك؟

ـ أتت من قول الشاعر:

تنقل وسافر قاصداً طلب العلا

وجد ففي الأسفار خمس فوائد

تَفَرُّج همٍّ واكتساب معيشة

وعلم وآداب وصحبة ماجد

هذا الشعر هو شعاري في السفر وأحاول قدر الامكان تمثل ما فيها من حكمة.

* ما الذي يجذبك أكثر للبلد الذي تزوره؟

ـ ذلك يعتمد على عدة أمور منها طبيعة الرحلة نفسها، فإذا كانت للترفيه عن النفس فأختار بلداً ذا طبيعة جميلة، وبيئة نظيفة قدر الامكان. أما إذا كانت الرحلة لطلب العلم كما حدث معي لاستكمال الدراسات العليا فستكون إلى بلد عرف بتقدمه العلمي وتميزه في جانب التخصص العلمي المزمع دراسته.

ويمكن الاستفادة من عدة مجالات يتيحها البلد المزار للزائر، نحن تعوّدنا مع الأسف ان نحصر تفكيرنا عندما نتوجه لبلد ما في مجالات محددة لا تتعدى المجالات التقليدية، وهي في مجملها تنحصر في التسوق ورؤية بعض الأماكن السياحية المعروفة وما إلى ذلك.

ما زلنا مع الأسف لم نخرج من إطار السياحة التقليدية الى فضاء السياحة الإبداعية، المهم برأيي هو عدم التقوقع في صالات الفنادق والخروج للتعرف على البلد وحضارته، فالبعض يسافر ويرجع ولم ير غير الطريق من المطار إلى الفندق فقط، تبقى مسألة المفاضلة بين بلد وآخر، في توفر الأمن والأمان والراحة الشخصية والطعام المناسب، سهولة المواصلات، وعدة أمور أخرى.

وبالنسبة لي سأبدأ من آخر رحلة لي لاستكمال الدراسات العليا في أمن المعلومات، وأتت هذه الرحلة إثر موافقة كريمة من معالي الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان وزير الداخلية، وكانت موجهة الى أستراليا، نظراً لما تتمتع به هذه الدولة من سمعة دولية في مجالات تعليم وتقنيات الاتصالات.

وقد وقع الاختيار عليها ايضاً لأن البدائل حينها لم تكن مناسبة بالنسبة لي سواء من حيث المعوقات اللغوية او المناخية او ما تنقله وسائل الاعلام من مضايقات قد يتعرض لها بعض العرب والمسلمين في بعض البلدان.

* يبدو أن لديك موهبة واضحة في التصوير.

ـ الأمر أولاً كان هواية، صقلتها بالممارسة والتجربة وهذه إحدى فوائد السفر، فكنت أصور الأهل والاصدقاء في المناسبات والرحلات، والتصوير هو فن، واختزان بصري لحظي ظرفي (لمكان وزمان) ليبقى من تلك الذكريات أثر مادي يمكن الرجوع إليه بين الفينة والأخرى.

والبصر نعمة كبيرة من نعم الله على البشر لا يقدر قيمتها حق قدرها إلا من فقدها وهذا ما حدث معي قبل سنوات. فقد تعرضت لحادث مروري أفقدني البصر عدة شهور وبعد أن منّ الله علي بالشفاء والحمد لله، ازدادت الرغبة في محاولة حفظ اللحظة.

وقد مارست هذه الهواية التي ربما كان لها جذورها ولكن الحادثة وأثرها، حفزاني على الاتجاه نحو التصوير الرقمي لميزاته العديدة فعوامل نجاح الصورة يعتمد على الموهبة وحسن اختيار الزوايا والظروف المناخية.

ووضوح الصورة ودرجة نقائها Resolution وسعة الذاكرة في هذا النوع من الكاميرات والبطارية وما الى ذلك. إضافة لميزة حذف الصور غير المرغوبة مباشرة دونما حاجة لتحميض الفيلم والصور.

وفي التصوير الفوتوغرافي العادي نحتاج الى عوامل كثيرة ينبغي توفيرها منها التجهيزات الفنية التي قد تكلف مبالغ باهظة يمكن الاستغناء عنها في التصوير الرقمي بالبرمجيات المناسبة.

في بعض الرحلات تجدني لا أقرب آلة التصوير وأعتمد على الأهل والأصدقاء في ذلك، وأحياناً تجدني لا أفارق الكاميرا حتى تفرغ البطارية مندمجاً في هواية لا يمكن الاستغناء عنها خاصة في السفر.

* ما أجمل البلدان التي زرتها؟

ـ المفاضلة صعبة كما قلت، لكن أظن أني وجدت في استراليا بلداً مثالياً للزيارة، فهي قارة، شاسعة، تمتاز بتنوع ثري سواء في المناخ أو التضاريس والطبيعة الخلابة، إضافة لكونها بلداً متقدماً ومتطوراً .

وهذا انعكس على تقديم الخدمات الجيدة للزائر عكس ما نراه عندما نزور بعض البلدان الشرقية، رغم ثرائها الأصيل وحضارات عمرها آلاف السنين سادت في تلك الدول، الا أن مسألة التسويق السياحي بالشكل الصحيح المدروس لا نجده في هذه البلدان مع الأسف.

* كيف يجتذبك البلد فتقوم بزيارته؟

ـ سمعة أي بلد غالباً ما تكون انعكاساً لصورته الحقيقية، فالصورة الذهنية تكون مبنية على سمعة البلد، أقصد ما هو منشور ومقروء عنه وما تبثه وسائل الاعلام، ولكن هذه الصورة الذهنية عادة ما تكون عرضة للتغير إزاء كل خبر طارئ، ولو اعتمدنا على ما نسمعه ونشاهده في وسائل الاعلام فلن نجرؤ على زيارة أي بلدان .

وذلك للصورة القاتمة التي كونتها في أذهاننا وسائل الاعلام تلك. والكثير من البلدان في العالم التي تستحق الزيارة ظلمتها وسائل الاعلام وأقصتها بإجحاف عن الخريطة السياحية وسأعطيك مثالاً، سافرت العام الماضي الى اسطنبول سفرة عائلية.

وصادف يوم وصولنا ان كان في اليوم التالي مباشرة سلسلة من التفجيرات، فتخيل معي وضعنا كيف كان ونفسيتنا كيف كانت، وما زاد الطين بلة ما كانت تبثه وسائل الإعلام العالمية عن الحدث وطريقة تناولها له إذ كانت التغطية الإعلامية مبالغاً فيها بشكل كبير.

وبعد فترة تردد عصيبة، هل نبقى أم نرجع إلى الإمارات؟ قررنا البقاء واستكمال الرحلة، فزرنا مدن اسطنبول وبورصة ويلوا. وكانت الرحلة من أروع الرحلات وذلك لتنوع مضمونها وتعدد وثراء الأماكن فيها، خاصة التاريخية منها، كقصر توب كابي سراي، وهو متحف يحوي الأمانات المقدسة وتحف ومجوهرات دولة الخلافة العثمانية.

إضافة لزيارات لمساجد اسطنبول مثل« المسجد الأزرق»، كما زرنا مدينة بورصة العاصمة الأولى للدولة العثمانية ومثوى عثمان الغازي مؤسس الدولة.

كما استمتعنا بسحر الطبيعة الخلاب لجبل أولوداغ في بورصة، وهدوء وروعة وطبيعة جزر الأميرات في بحر مرمرة، والشلال الكبير والشلال الصغير حول مدينة بورصة. ولأول مرة شاهدنا طائر الطاووس الأبيض.

أما لو تحدثت عن استراليا، ولطبيعة ظروف الدراسة، فللأسف لم أتمكن من تخصيص وقت أكثر للمشاهدات والزيارات لأرجاء هذه القارة، لكن، رغم ذلك كانت لي بعض الرحلات القصيرة إلى سيدني حضرت خلالها مؤتمر ركسكون.

وقمت بجولة في أرجاء المدينة شملت وعلى مدى ثلاثة أيام أوبرا سيدني، ورحلة بحرية قصيرة من ميناء سيدني شاهدنا خلالها مبنى مقر نائب الملكة حاكم استراليا والذي يمثل منصبه منصب رئيس الجمهورية، ومقر رئيس الوزراء من جهة الواجهة البحرية، وبعض الضواحي التجارية، وجامعة سيدني.

أما مدينة ملبورن، حيث أقمت فيها سنتين ونصف السنة لاستكمال الدراسات العليا في جامعتها، فقد قمت بعدة جولات متنوعة منها زيارة مبنى البرلمان القديم وكذلك مبنى البرلمان الحالي لولاية فيكتوريا، والمكتبة العامة بملبورن، والسوق الشعبي، وما يعرف بسوق فيكتوريا. كما لم تفتني الرحلات النهرية في نهر يارا.

* حياة الدراسة في الخارج كيف وجدتها؟

ـ الجو الجامعي الدراسي بشكل عام في استراليا جو مفعم بالأنشطة والفعاليات التي لا تترك للملل فرصة، فكل شيء مدروس، ومبرمج، فالأنشطة الثقافية والمسابقات وتنظيم الرحلات والنزهات وحتى الجلسات والجولات الأسبوعية للتزاور بين الطلبة تتم برمجتها مع بدايات الأجازة الأسبوعية التي تستغل بشكل جيد حتى لا تهدر، مع شغل أوقات الفراغ بكل ما هو مفيد وممتع وهادف.

ولا أنسى بالطبع هنا ان أنوه بدور الإخوة في سفارة الإمارات هناك في كانبيرا بدعمنا في إصدار مطبوعة طلابية كنا نعدها ونصدرها تحت عنوان «صدى السرب» وهي دورية فصلية تعنى بأنشطة طلاب الإمارات في استراليا.

ونتمنى أن يتواصل هذا الدعم من قبل المسؤولين، فإخواني الطلبة هناك لا يزالون يحاولون الإعداد لإنشاء فرع لاتحاد طلبة الإمارات هناك.

وكما قال الشاعر، فمع طلب العلم وفقت بصحبة أخوة أماجد، منهم الأخ حافظ أمان، والإخوان أحمد ودرويش البلوشي والأخوان محمد وماجد عيسى الغرير، محمد الظنين، خالد السماحي، راشد الشحي وعلاء علي الاحمد وأعتذر لمن لم تحضرني اسماؤهم وأدعو لهم بالتوفيق والنجاح.

* هل تعرضت أحياناً لمواقف سلبية؟

بالطبع، الأمر لا يخلو من ذلك، وحتى في الدول المتقدمة، ولكن ما يبقى من ذكرى مثل هذه المواقف هي طريقة المعالجة، معالجة المشكلة، أو الموقف المحرج.

أذكر موقفين حصلا معي من هذه المواقف، أحدهما حصل في تركيا، حيث كنت عائداً من زيارة متحف آيا صوفيا وفي الباص الذي كان يقلنا، سمعت أحد الأتراك يتوجه بكلمة تعنيف إلى أحد الركاب العرب وكانت الكلمة ذات مدلول سيئ لمعرفتي بمعاني بعض المفردات التركية.

واستغربت أن تصدر منه هذه الكلمة، لأن الشخص الموجهة إليه لم أره يرتكب عملاً يستوجب هذا التعنيف، فوجئت حينها وأنا أهم بالرد عليه بسيدة عجوز تركية تصرخ فيه وتكلمه بعصبية وتلومه على تصرفه المعيب حسبما قالت مع الضيوف وبأنه يسيء لبلده بمثل هذه التصرفات.

موقف آخر حصل معي شخصياً في استراليا مع أحد الأشخاص، ومسألة وجود بعض الأشخاص العنصريين الذين يكرهون الغريب لا تقتصر بالطبع على بلد معين، فهي منتشرة حتى في أوروبا وغيرها، المهم أنني كنت متوجهاً للمنزل بعد يوم دراسي طويل، وكنت متعباً مع بعض الأصدقاء.

استقلينا قطار الأنفاق وبينما كنت أتحدث أنا مع زملائي في الجامعة، سمعت سيلاً من السباب والشتائم يوجهها أحدهم ويبدو عليه أنه ليس في حالة طبيعية فنظرنا فإذا به يوجهها إلى سيدة محجبة.

ويعمم الشتائم على العرب والمسلمين، فبادرته بالسؤال إذا ما كان أحد العرب او المسلمين قد بدر منه ما يسيء، فنفى، وبدت عليه علامات السكر، وسألته من الذي أعطاه الحق في توجيه الشتائم لنا، فقال إنه حر في بلده..

المهم في النهاية القوانين هناك صارمة إزاء مثل هذه التصرفات الشخصية بالطبع ولا تعكس اتجاهاً أو سياسة عامة. لكن الشاهد أن السائح معرض للوقوع في مثل هذه المواقف لكنها يجب ألا تحمل أكثر مما تحتمل.

* ما هواياتك غير السفر والتصوير؟

أنا أساساً شخص محب جداً للقراءة، وقد قرأت ستة أجزاء من تاريخ ابن كثير، كما قرأت سلسلة كتب قصص ألف ليلة وليلة، إضافة لهوايتي الأساسية وهي تصميم الديكور وقد صممت كل ديكورات منزل العائلة.

ومسألة التصميم بصراحة هي عشقي القديم الذي كنت أرغب في دراسته والتخصص فيه، ومنذ أيام الدراسة الثانوية ـ وإلى اليوم ـ أحب الدراسات والبحوث، أذكر قدمت بحثاً بعنوان غلاء المهور وفزت في المركز الثاني على مستوى المناطق التعليمية في الدولة، وأخيراً شاركت ببحث أهلني للحصول على جائزة راشد للتفوق العلمي لعام 2005م.

وبدايات الهوايات كانت رياضية فقد لعبت حارس مرمى لفريق كرة اليد مع نادي العين فئة الناشئين والشباب في بدايات التسعينات، إلا ان الإصابات المتكررة مع الأسف حالت دون استكمال المشوار الرياضي. وكما هو تصميم الديكور فن، والتصوير فن فقد علمتني الأسفار فن الطبخ.

وظهرت هذه الرغبة الجديدة نوعاً ما مع بدايات الحاجة إلى طعام تطمئن إليه النفس خاصة في الخارج، فوجدت نفسي اشتري لوازم الطبخ وأحاول تذكر طعم ونكهة طبخ الوالدة، لعمل التوليفة المناسبة، وبعد عدة محاولات وصلت إلى التركيبة الصحيحة. وهذا لا يعني أني استغنيت عن توجيهات الوالدة، بل ما زلت أتابع توجيهاتها والاستفادة من خبرتها، وكما يقولون الحاجة أم الاختراع.