سوق الفواكه والخضر بالعين كرنفالات فرح صباحية كوزموبوليتانية الطابع، وأصوات باعة يعرضون بضاعتهم الطازجة، وروائح البهارات المنبعثة من دكاكين العطارة، وشبرات بيع وتنظيف الأسماك تداعب أنوف المتسوقين المبكرين قد تدعوك إحدى البائعات على فنجان قهوة عربية وتمد لك الفوالة.

وجوه بعض أصحاب المحلات من كبار السن من المواطنين ممن عاصروا فترة الخمسينات والستينات، يذكرون أن المغفور له الشيخ زايد رحمه الله طالما كان حريصا على تفقد أحوال السوق بنفسه ولطالما اتخذ من ظل شجرة مازالت موجودة مكانا لمجلسه الصباحي اليومي. شكلت منطقة السوق في مدينة العين القديمة مكانة حيوية، نظرا لكونها احد أهم الأمكنة التي لابد أن يرتادها الجميع، رجالا ونساء،كبارا وصغارا، حسب الحاجة سواء كانت للتسوق أو للتجارة أو للالتقاء بالأصدقاء أو لمجرد المرور والفرجة والتمتع بأجواء وروائح السوق.

حيث تتسرب إلى الأنف رائحة العود والزعفران والند، وروائح أخرى منبعثة من «شبرات» السمك مختلطة برائحة «الهمبة» و«اللومى» والكزبرة والكاري وما تثيره روائح أخرى تداعب الذاكرة الطرية منبعثة من دكاكين العطارة..

عاش اهالي العين قديما حياة بسيطة، ومع ذلك فقد شهدت هذه المدينة ازدهارا، ولكنه كان ازدهارا نسبيا،متواضعا. فقد كان البدوي القادم من الضواحي يتجه عادة إلى المدينة على رأس قافلة من الجمال (الركاب).

واسطة التنقل الوحيدة في ذلك الوقت، خاصة للمسافات الطويلة، تحمل هذه القافلة عادة أكواما من الأخشاب الجافة المحروقة،وهى جذوع الأشجار وأغصانها التي جمعت من الصحراء (البر) وأحرقت لتتحول إلى نوع بدائي من الفحم يطلق عليه (السخام).

وما تكاد قافلة تظهر عند مشارف الواحة، وكانت في تلك الأيام تشكل المدينة مساحة مفتوحة محدودة بحيث يرى القادم من بعيد دون عوائق، حتى يتسارع إليها الرجال،كل منهم يريد شراء حمولة قافلته، وفى النهاية يبيعها بسعر لا يتجاوز 42روبية لحمولة عشرة جمال كما يشير الصحافي سليم زبال الذي زار الواحة عام 1962.

يأخذ البدوي عادة هذه الروبيات الهندية، وهى العملة المتداولة حينذاك، ويتجه ناحية السوق وكانت مبانيه طينية إلى حدود الستينات من القرن المنصرم، ويتوقف تحت أشجار القرط والسدر، فيشتري نصف سمكة مجففة، آتية من شاطئ عمان، بروبية واحدة، ورطلا من اللحم بروبيتين ونصف الروبية .

ثم يتجه إلى السوق المبنى من الطين والمسقوف بسعف النخيل، فيقابل زميلا أيسر حالا جاء مع حمار محمل بخمسين ربطة من التنباك، فيسيران معا يعرضان البضاعة على أكثر من تاجر حتى يبيعا الربطات الخمسين بخمسين روبية، فيشتري الزميل «الثرى» الشاي والقهوة والتمر والأرز ودهن الياسمين (ربما قصد دهن العود لأنه ذكر بأنه عطر محلي ) والبلاليط (نوع من الحلوى وهي الشعرية )، وعلب صلصلة الطماطم.

ونعلا من الجلد لسيدة الأسرة. بعد ذلك يتجهان إلى بائع الصواني الخشبية والأقمشة، ثم يشتريان قطعتين من القماش لزوجتيهما. وعن حالة السوق في فترة الستينات يقول:

عند بائع البرتقال تبدي مجادلة حول السعر، وعادة ما ينضم زوار السوق إلى حلقة كبيرة من الناس ملتفين حول مجموعة كبيرة من الجمال المعروضة للبيع بالمزاد، فيجلس الجميع يستمعون إلى الدلال وهو يعدد مزايا الجمل المعروض، ثم يبدي المزاد، فترتفع الأصوات.

ومن الطريف أن زبالاً يذكر في معرض حديثه عن اهتمام بدو العين بجمالهم، أن الآباء كانوا يدربون أولادهم الصغار في الستينات، كل مساء، بعد المدرسة على ركوب نياق السباق حتى يكون حملها خفيفا..!

ويذكر الوالد حبروت بن سعيد الكتبى وهو من اهالى منطقة الهير القريبة من العين، في ذكرياته عن سوق العين، وهى تتطابق إلى حد ما مع مادونه سليم زبال في استطلاعه سابق الذكر.

فيشير إلى أن البيع كان يتم عادة بعد أن يعقد مزاد على البضائع الواردة إلى السوق، ويذكر أن أشهر«دلال» في سوق العين والبريمى في ذلك الوقت، كان شخصا يدعى «جويع» أو «يويع» كما ينطق الاسم محليا.

وهو رجل معروف مازال كما سمعنا حيا يرزق إلى اليوم أمد الله في عمره، ولم تكن تباع اي بضاعة واردة إلى السوق إلا من تحت يده كما يؤكد الكتبي في ذكرياته.

أما أهم العملات المتداولة قديما في سوق العين، فقد كانت الروبية الهندية ومشتقاتها من «البيزة» و«الانة»، وهى العملة الرسمية المتداولة في الخليج عموما في ذلك الوقت، كما وجدت إلى جانبها عملة أخرى رسمية هي ريال ماريا تريزا النمساوية، وهذا الريال كان شائعا في كل الإمارات وعمان .

ولم تكن له مشتقات، وسعر صرفه في ذلك الوقت كان روبيتين ونصف الروبية . والأهالي كانوا يفضلونه لسهولة صهره واستخراج الفضة منه لاستعمالها في صنع الحلي النسائية الفضية ومقابض الخناجر التقليدية «الجنبية».

ويضيف حبروت الكتبي، أنهم كانوا يقصدون السوق أيام الخميس والجمعة، وكان يستخدم آنذاك نظام المقايضة، كما كانت تستخدم الروبية الهندية وأجزاؤها للبيع والشراء، فكان مايعادل ال12 بيزة هندية حمراء نحاس عملة نسميها محمدية، وال15 بيزة يسمونها عباسية، وال30بيزة تعادل نصف روبية، فالروبية تساوي 60بيزة. ومن العملات التي كانت متداولة أيضا وهي من أجزاء الروبية (الورشو) و(الانة).

أيضا كان هناك هناد بن هلول، وهو دلال كان معروفا في منطقة حماسة، ينادي على البضائع والسلع والحيوانات بقي فترة، ثم رحل إلى السعودية.